; جهاد الأفغان إسلامي منطلقًا ومصيرًا | مجلة المجتمع

العنوان جهاد الأفغان إسلامي منطلقًا ومصيرًا

الكاتب عناية الله الأفغاني

تاريخ النشر الثلاثاء 11-مارس-1980

مشاهدات 78

نشر في العدد 473

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 11-مارس-1980

الغزو الروسي لأفغانستان لم يكن ردة فعل بل عملًا عدوانيًّا مبعثه الخوف من الصحوة الإسلامية

الوصول إلى المياه الدافئة هو حلم الروس الكبير

كثيرون هؤلاء الذين يتعجبون لما يحدث في أفغانستان.

شعب أعزل من السلاح، لا يملك حتى أقل المقومات المادية وأدناها شأنًا يقف فيتصدى للحاكم الذين نصبه الاستعمار حتى يسقطه فيأتي الاستعمار بحاكم آخر فيواجه المقاومة الباسلة فينهار ثم يأتي ثالث حتى لا يجد هذا الاستعمار بدًا من التدخل بقواته مباشرة ظانًّا أن هذا سوف يكون نهاية المطاف فيفاجأ بثورة شعبية عارمة تربكه أشد الإرباك وتنزل به أفدح الخسائر.

شعب يتضور جوعًا، يفترش الأرض ويلتحف السماء ويذهب إلى ساحات المعركة فيموت كل يوم بالمئات تحت عجلة الدبابات أو بسيل من القنابل المحرمة دوليًّا لكنه لا يتراجع، بل يتقدم ويقدم قوافل أخرى من الشهداء والقتلى شيء يثير حقًّا التعجب والاستفهام والدهشة وكما يقول أحد الفلاسفة: فإن الدهشة هي المسئولة عن الفلسفة فإنهم يفلسفون هذا الحدث ولا بد أن يجدوا له جوابًا والجواب معد من قبل وهو: إذا ثار المسلمون في مكان ما من العالم ضد أمريكا فإن الاتحاد السوفيتي هو الذي يحثهم ويحفزهم وإذا ثاروا ضد الاتحاد السوفيتي فإن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي تحثهم وتحفزهم على الثورة وعلى ذلك فإن المسلمين في نظر هؤلاء لا يتحركون أما إذا تحركوا فلا بد أن يكون المحرك غيره وقد يكون هذا الجواب مريحًا بالنسبة لهم يريحهم عن البحث عن أسباب أخرى وتعطيهم الفرصة ليفسروا الأحداث بعد ذلك أمام الرأي العام فإن الإنسان قد يفسر الأحداث بالطريقة التي تريحه ويستريح معها ولو فكر في غير هذا لانهار كل النظام المتكامل الذي وضعه في مخه ولكن ليس كل مريح بصواب تمامًا.

إن الخطأ الذي يقع فيه هؤلاء هو دائمًا تجاهل الطاقة الهائلة الكامنة في المسلم المتمثل في الإيمان بالقوة التي تهيمن على الكون وتمده بمدد من عندها وبفضل هذا الإيمان يسترخص المسلم الدنيا وما فيها ويجري نحو الموت كلما اقتضى الأمر ولا يهرب منه، وتعاليم الإسلام كلها عبادات ومعاملات لا تعمل إلا لأجل تعميق وترسيخ هذا الإيمان في نفس الإنسان فإذا تمكن هذا الإيمان من قلب المؤمن لا يوقف زحفه شيء ولا يقف في طريقه مانع، وإذا سألنا اليوم الثوار المسلمين في بلادنا: لماذا يحاربون ويموتون كل يوم ولا يتراجعون؟ لأجابوا من القاعدة إلى القمة لأجل الإيمان والعقيدة وهم يحمدون الله سبحانه وتعالى أن أتاح لهم فرصة حمل السلاح دفاعًا عن دينه ومبادئه ويعتزون ولهم الحق كل الحق أنهم يحاربون منذ مدة طويلة جدًّا لأول مرة تحت شعار «الله أكبر».

وللجهاد جذور عميقة في تاريخ الأفغان فهم الذين وقفوا عزلى أمام الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس وعلى الرغم من كل الأسلحة الفتاكة الحديثة التي كانت عندها استطاع الأفغاني أن يطرد الإنجليز من بلاده في حرب شعواء سميت في التاريخ باسم الحرب الأفغانية الإنجليزية الثانية وأصبحت بعدها كلمة الإنجليز في القاموس الأفغاني مرادفة لكلمة العدو اللدود رقم 1 لمدة مائة سنة حتى برز استعمار جديد هو الاستعمار الأحمر الذي عده الأفغان في رديف واحد مع الاستعمار الأبيض.

إذن فقد حارب الأفغان الاستعمار الأبيض بالأمس.

وهم يحاربون الاستعمار الأحمر اليوم.

وهم في يومهم وأمسهم يحاربون الكفر والإلحاد والاستعمار بشتى أنواعه الذي يريد أن يفرض على الشعب المسلم أيديولوجية غريبة عن معتقداته وآرائه وأفكاره وفي كل الأحوال يحاربون الاستعمار بشتى أشكاله وأنواعه: قديمه وحديثه شرقه وغربه.

لأجل ذلك فإن المحاولات الإمبريالية الأمريكية الاستفادة من الأزمة التي تمر بها أفغانستان وكسب النقط عن هذا الطريق على خصمها اللدود الاتحاد السوفيتي لن تستطيع أن تنجح، إن الولايات المتحدة الأمريكية تريد أن تنتهز فرصة الغزو الروسي لأفغانستان لصالحها فتطلب قواعد هنا وتسهيلات هناك وتقترح أحلافًا هنا واتفاقيات هناك وهناك وثائق تدل على أن الولايات المتحدة كانت على علم بالغزو الروسي لأفغانستان إلا أنها تركت روسيا ترتكب هذه الجريمة البشعة الشنعاء وذلك لتحقيق عدة أهداف منها:

أ- ضرب الثورة الإسلامية التي أوشكت على الانتصار فكانت منه قاب قوسين أو أدنى.

ب- جني الثمار من وراء الجريمة الروسية الحمراء وذلك بتوجيه غضب وسخط العالم الإسلامي الناتج عن احتلال القدس من أمريكا إلى روسيا ثم طلب التسهيلات أو القواعد في المنطقة العربية الإسلامية.

ج- إيجاد فيتنام للروس تستنزف مواردهم وطاقاتهم للسنوات القادمة، إلا أن أطماع الولايات المتحدة الأمريكية وعداءها السافر للمسلمين يجب ألا ينسينا أبدًا أطماع السوفيتي والروس في المنطقة وعداءها للمسلمين واعتبارها الإسلام وسائر الأديان السماوية أفيون الشعوب ولهفتها على ابتلاع الديار الإسلامية وقد بذل الاتحاد السوفيتي المستحيل وسوف يبذل المستحيل لتستمر أفغانستان تدور في فلكه على الأقل وذلك لعدة أسباب منها:

1- خوف الاتحاد السوفيتي من الثورة الإسلامية ورجالها ذلك لأن انتصار الثورة الإسلامية إذا كانت بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية مبعث القلق فإنها بالنسبة للاتحاد السوفيتي مسألة الحياة والموت؛ ذلك أن الصحوة الإسلامية في المناطق الإسلامية الخاضعة لروسيا بدأت تنمو شيئًا فشيئًا حتى أصبحت يعمل لها ألف حساب.

ويحكي أحد قراء القرآن الكريم المعروفين أنه في زيارته للاتحاد السوفيتي طلب منه أحد المصلين أن يخرج لسانه الذي يتلو به القرآن الكريم حتى يقبله وطالعتنا الصحف منذ فترة أن ثمن نسخة واحدة من القرآن الكريم قد ارتفع إلى مئات الدولارات في الاتحاد السوفيتي كما طالعتنا مصادر موثوقة أن جنودًا سوفيتي مسلمين من المناطق الإسلامية الخاضعة للروس قد انضموا إلى الثوار المسلمين في بعض المعارك.

هذا العطش المتزايد واللهفة الشديدة مع العنف الروسي ودعاياته السيئة الكاذبة ضد الأديان ومنها الإسلام يعرفنا مدى خطورة الثورة الإسلامية في أفغانستان على النظام الشيوعي الذي يعتبر الدين أفيون الشعوب مما جعل تلك المناطق على بركان من النار يمكن أن ينفجر في كل لحظة لذلك فإن الاتحاد السوفيتي يبذل المستحيل والممكن والواجب معًا ليقف ضد نجاح الثورة الإسلامية في أفغانستان مهما كانت التضحيات بالنسبة له ويعتبر هذه القضية الحياة والموت بالنسبة لنفسه وهكذا لم يكن الغزو الروسي لأفغانستان رد فعل قام به في أفغانستان- الولايات المتحدة كما يظن البعض، بل كان فعلًا وعملًا عدوانيًّا مبعثه الخوف من الصحوة الإسلامية الكبرى عند الملايين من المسلمين الذين يعيشون مضطرين في داخل حدوده ولا سيما بعد أن أصبح الثوار المسلمون ينتظرون النصر بين ليلة وضحاها.

2- إن الاتحاد السوفيتي كما هو واضح للجميع يعاني منذ الحرب العالمية أزمة اقتصادية إن لم تكن حادة الآن فإنها سوف تكون حادة جدًّا في أواخر العقد الثامن أو أوائل العقد التاسع من هذا القرن، ولو ألقينا نظرة إلى جدولة الديون الأمريكية على السوفيتي وحاجة السوفيتي إلى البترول وأعباء الروس المالية الكبيرة في مناطق مختلفة من العالم؛ من كوبا إلى اليمن الجنوبي إلى أفغانستان و... خصوصًا بعد الحرب العالمية الثانية لوجدنا أن الوصول إلى المياه الدافئة هو حلم الروس الكبير والحل الأمثل لفك الأزمة والقفز بعد ذلك إلى المناطق الإسلامية الغنية بالثروة.

ولذلك احتفظ الروس بأفغانستان إلى أقصى وقت ممكن كدولة تدور في فلكه دون تدخل مباشر أو فرصة أيدلوجية معينة منذ أيام الملك محمد ظاهر شاه وذلك لأنهم يعرفون جيدًا مدى حساسية الشعب الأفغاني إزاء التدخل الأجنبي ويبدو أنهم كانوا مستوعبين جيدًا الدرس المستفاد من الحروب الأفغانية الإنجليزية ولما عرفوا أن المد الإسلامي يزداد ويتزايد وأنه لا يمكن قمعه فدخلوا برجالهم وتصوروا أن ذلك ربما يكفي لقمع المد الإسلامي ودوران أفغانستان في فلكهم من ناحية وإبقاء أفغانستان في ساحة عدم الانحياز من ناحية أخرى فلما وجدوا أن الثورة الإسلامية قد حطمت كل هذه الأسوار وأوشكت إلى النصر لم يجدوا بدًا من احتلال أفغانستان احتلالًا مباشرًا وهكذا كانت أفغانستان ولا سيما منذ ربع قرن مضى مرشحة تمامًا ليصل عن طريقها الروس إلى المياه الدافئة والمناطق الغنية في العالم.

إذن أطماع الروس واضحة وجلية منذ زمن بعيد وإن غزوهم لأفغانستان لم يكن رد فعل كما يرى البعض إنما كان عملًا مدبرًا وعدوانًا على شعب لا يريده عقائديًّا وفكريًّا واقتصاديًّا ويحارب هذا الشعب بدباباته وطائراته بالأيدي الخاوية ويقف عاري الصدر أمام رصاصاته وقنابله المحرمة دوليًّا ويدفع بفلذات أكباده وأبنائه الغيورين نحو ساحات الشرف والقتال في معركة الإيمان والكرامة.

بقيت نقطة هامة جدًّا وهي أن حكام كابل اليوم الذين جيء بهم إلى السلطة من موسكو معروفون للشعب الأفغاني فردًا فردًا، فليس هناك أفغاني واحد لا يعرف ببرك كارمل زعيم الحزب الشيوعي «پرجم» ومعناه العلم منذ أن كان طالبًا في الجامعة ثم أصبح عضوًا في مجلس الأمة التي تعارك فيها بالأيدي مع زملائه دفاعًا عن الروس هو وخالته «أناهيتا» وبعض زملائه دخل بعدها مستشفى ابن سينا في العاصمة كابل.

وقد كان الشعب الأفغاني بأكمله وجميع طوائفه يستمع إلى خطبه التي كانت تتسم بكثير من قلة الحياء والأدب ضد مشاعر المسلمين وقيمهم الدينية وهو اليوم لم يأت إلى الحكم إلا في أحضان السوفيتي مع مائة ألف من القوات الروسية الحمراء ودباباتها وطائراتها الحديثة وهو لا يكف من كيل المديح للزعيم لينين وماركس في خطبه الرسمية التي تذاع عن طريق التلفزيون وقد سمع الملايين من الشعب الأفغاني أول بيان ألقاه ليس من إذاعة كابل وإنما من إذاعة إحدى المناطق الإسلامية الخاضعة للسوفيتي؛ فهل يريدون منا الآن أن نصدق بدأه في الخطب ببسملة ونعده من المسلمين في صف رؤساء الدول الإسلامية؟

أما إبقاء المساجد مفتوحة فنستطيع أن نؤكد أن نفس السبب الذي جعل ببرل كارمل ونظامه يبدأ خطبه بالبسملة هو نفس السبب الذي يجعله يبقي على المساجد مفتوحة، إنه الخوف من غضبة جماهير المسلمين ومحاولة استمالتهم وضمان سكوتهم، ولكن الثورة الإسلامية التي اندلعت سوف تلتهم نيرانها- إن شاء الله- المنافقين الملحدين والشيوعيين الأفغان والروس الذين يفترضون الغباء والسذاجة في الشعب الأفغاني المسلم لبساطته ونقائه.

الرابط المختصر :