العنوان جنود أمريكا على رأسهم ريشة!
الكاتب محمد جمال عرفه
تاريخ النشر السبت 14-يونيو-2003
مشاهدات 1
نشر في العدد 1556
نشر في الصفحة 40
السبت 14-يونيو-2003
جنود أمريكا على رأسهم ريشة!
وزير الدفاع الأمريكي هدد بلجيكا
إذا حاكمت تومي فرانكس.. فرضخت
محمد جمال عرفة
في توقيت واحد تقريبًا قتلت قوات الاحتلال
الأمريكية أكثر من 100 مدني عراقي يوم ١٣ يونيو بزعم أنهم مقاومون وإرهابيون فيما
صدق مجلس الأمن على قرار يجدد الحصانة الممنوحة للجنود الأمريكيين والتي تمنع
محاكمتهم أمام أي محاكم دولية عن الجرائم التي يقومون بها باعتبارهم من قوات حفظ
السلام لمدة عام آخر ليتعمق في عالم اليوم النمط الإمبراطوري الذي كان سائدًا في
عهد الإمبراطوريات البائدة القائم على تقنين الظلم.
وبموجب القرار لا يحق لأي عراقي مقاضاة أي جندي أو
قائد من قوات الاحتلال الأمريكي بسبب قتله لأسرته أو أهله أو التظلم لأي جهة في
العالم، وعلى العكس يحق لأي جندي أمريكي قتل من يشاء من العراقيين أو الأفغان
وغيرهم دون أن يجرؤ أحد على محاكمته!
ومنذ
اللحظة الأولى للتفكير في وضع قانون المحكمة الجنائية الدولية التي تجيز محاكمة أشخاص
وقادة دول متهمين بارتكاب جرائم حرب سعت واشنطن إلى استثناء الأمريكيين -دون غيرهم
من البشر- من التعرض لأي محاكمة على جرائم حرب يرتكبونها، سواء كانوا في عداد
القوات الأمريكية أو في قوات دولية ترعى السلام في أي منطقة من العالم.
ولم تكتف الولايات المتحدة بما حصلت عليه وإنما
تواصل مساعيها لإبرام اتفاقيات ثنائية مع عشرات الدول لمنع تسليم المواطنين
الأمريكيين للمحكمة الجنائية الدولية. وقد تمكنت واشنطن حتى الآن من إبرام
اتفاقيات مع أربعين دولة على نحو ثنائي لهذا الغرض وكأن جنودها وضباطها على رأسهم
ريشة ولا يحق لأحد في العالم محاكمتهم على جرائمهم في حق الإنسانية!.
لم يطلبوا
هذا فحسب بل طلبوا -في إطار حلف الأطلسي- استثناء الأمريكيين في حالة إدانتهم أمام
محاكم أي دولة تسمح بمحاكمة أجانب عن جرائم حرب، مثل بلجيكا، ووصل الأمر إلى درجة
أن يهدد وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد خلال وجوده في العاصمة البلجيكية
بروكسل لحضور اجتماعات الحلف الأخيرة بأن بلاده ستمتنع عن تقديم المزيد من الدعم
المالي لبناء المقر الجديد للحلف في بلجيكا ما لم يتم إلغاء سريان القانون
البلجيكي على الأمريكيين وأن يتم سحب التهديد القضائي الذي تعرض له بعض المسؤولين
الأمريكيين الحاليين والسابقين بعدما تقدم عراقيون عبر محام البلجيكي بدعاوى
قضائية ضد الجنرال تومي رانكس قائد القوات الأمريكية في حرب العراق طالبوا بتقديمه
إلى المحاكمة بتهم ارتكاب جرائم حرب في العراق.
وتتضمن قوائم المسؤولين الأمريكيين الذين وجه إليهم
أصابع الاتهام بارتكاب جرائم حرب ومي فرانكس ونائب الرئيس ديك تشيني ووزير الخارجية كولن باول
والجنرال المتقاعد شوارسكوف وعدد آخر من المسؤولين العسكريين السابقين والحاليين.
ويعتقد
خبراء مصريون في القانون الدولي أن أمريكا لا تسعى فحسب لمنع محاكمة عسكرييها أمام
محاكم دولية، رغم تشددها في للب
محاكمة أعدائها ومخالفيها السياسيين، بل سعى لمنع محاكمة رعاياها عمومًا أمام هذه المحاكم.
ومع أن الحكومة البلجيكية رضخت للضغوط لأمريكية -وقبلها
الصهيونية- وعدلت القانون من خلال البرلمان بحيث يسمح بإحالة الشكاوى إلى الدول التي
ينتمي لها المتهمون بارتكاب جرائم الحرب، وبذلك تحال دعوى الجنرال رانكس ودعوى
قائد صهيوني شارك في مذبحة سبرا وشاتيلا للقضامين الأمريكي والصهيوني ير أن المحامي البلجيكي
يان فيرمون يسعى تقديم استئناف ضد القرار بالنيابة عن ١٩ مراقبًا وهو أمر يثير قلق
الأمريكيين.
وحرصت دول مجلس الأمن على عدم إغضاب واشنطن وقررت
الموافقة على قرار استثناء القوات الأمريكية ماعدا ألمانيا وفرنسا بسورية التي
امتنعت عن التصويت ودفعت هذه العنجهية الأمريكية كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة
للتحذير من أن مواصلة مد حصانة قوات حفظ السلام الدولية ضد المقاضاة أمام المحكمة الجنائية
الدولية -وهي أول محكمة جرائم حرب دولية- يمثل تهديدًا لشرعية تلك القوات.
تاريخ المحكمة الجنائية وكانت المخاوف الأمريكية قد
تزايدت في عقاب صدور قرار للجمعية العامة للأمم المتحدة لتشكيل المحكمة الجنائية
الدولية عام ۱۹۹۰، ثم التوصل إلى اتفاقية روما التي وقعت
عليها ۱۳ دولة عام ۱۹۹۸، وبدأ يسري مفعولها في أول يوليو ۲۰۰۲.
وسعت واشنطن في البداية لعرقلة إنجاز مواد ي ميثاق تشكيل المحكمة
كالمساواة بين سائر الدول، أو الحيلولة دون وقوعها تحت تأثير نظمات دولية أخرى،
وعلى وجه التحديد مجلس الأمن، وجرت تعديلات عدة على الميثاق في الاتجاه السلبي،
مما يجعل المحكمة، وإن بدأت أعمالها مقيدة أو دون مستوى تحقيق الهدف منها.
هذه التدخلات حالت دون وجود معايير واضحة للمحاكمة،
مما يعني فتح الباب للقوى الدولية المهيمنة عالميًا لممارسة ضغوط عبر مثل تلك
المحاكمات أو التهديد بها اعتمادًا على المقاييس والتقارير الغربية كالتقرير
السنوي لوزارة الخارجية الأمريكية حول حقوق الإنسان مثلًا ورغم ذلك أعلن
الرئيس بوش انسحاب أمريكا من المعاهدة، وأبلغت واشنطن الأمين العام للأمم المتحدة
أنها لن تعتبر نفسها ملزمة بالمعاهدة، ثم استصدرت قرارًا باستثناء ملاحقة
جنودها لمدة
عام، وجدد القرار لعام أخر!.
وقد حاول
وزير الخارجية كولن باول تبرير الانسحاب في ذلك الحين بادعاء أن المحكمة ستقلل من
شأن السلطات القضائية الأمريكية وسيكون بمقدورها مراجعة الأحكام التي تصدرها
المحاكم الأمريكية ضد أشخاص مثلوا أمامها، معتبرًا أن ذلك يضر القوات
والدبلوماسيين والقادة السياسيين الأمريكان إلا أن صحيفة نيويورك تايمز كانت أكثر
وضوحًا بقولها إن السبب هو الخشية من محاكمة أمريكيين أمام هذه المحكمة مستقبلًا
بتهمة ارتكاب جرائم حرب.
وقد وصف
كينيث روث مدير منظمة هيومان رايتس المدافعة عن حقوق الإنسان الموقف بأنه سيضع
أمريكا في موضع سيئ في التاريخ، لأنها من جهة تسعى لتعاون السلطات القضائية في
العالم في ملاحقة الإرهابيين المزعومين، وفي الوقت نفسه تعارض قيام مؤسسة قضائية
جديدة تأسست من أجل النظر في جرائم مماثلة الخطورة.
ومن أبرز عيوب هذه المحكمة الجنائية الدولية أنه لن
يكون بإمكانها مقاضاة أحد عن جرائم سبقت تاريخ تشكيلها وهو شرط وضعته دول كبرى حتى
تضمن عدم مطاردة قادتها عن جرائم سابقة، ومع ذلك لم تنضم إلى المعاهدة دول مثل
أمريكا وإسرائيل لأن جرائم قادتها متواصلة وحتى ندرك طبيعة هذه المحكمة وأهميتها نشير
إلى أهم مزاياها:
1- سيكون في مقدور المحكمة أن تقبل دعاوى أفراد ودول وجماعات ضد دول أو أشخاص
آخرين متهمين بجرائم حرب أو إبادة جماعية أو عدوان بشرط أن تكون هذه الجرائم تمت
بعد الأول من يوليو ۲۰۰۲ وليس بأثر رجعي.
2-
عدم توقيع أي دولة على المعاهدة لا يعفي
مسؤوليها من المحاكمة؛ إذ يمكن محاكمة أشخاص دول رفضت التوقيع على المعاهدة في أي
قضية إذا ما كانت الدولة التي وقعت فيها الجرائم صدقت على المعاهدة.
3-
وجود المحكمة -بعد تعطيل لإنشائها منذ معاهدة
فرساي ۱۹۱۹- سوف يردع -على الأقل- العديد من الأشخاص والدول معتادي الإجرام والقتل
الجماعي خوفًا من محاكمة قادتها أو مسؤوليها مما يتوقع معه تقلص عدد هذه الجرائم
نسبيًا.
4- الفارق بين هذه المحكمة الجنائية الدولية الجديدة وبين محكمة جرائم الحرب
في لاهاي بهولندا أن الثانية تحاكم دولًا، في حين أن الأولى تحاكم الأفراد
المتهمين بجرائم وترفض حكوماتهم محاكمتهم أو تتغاضى عن ذلك.
أما أبرز عيوب المحكمة فهي:
1-
لن يكون بإمكانها
مقاضاة أحد عن جرائم سبقت تشكيلها، بمعنى أنه لا يمكن محاكمة مجرم مثل شارون عن
جرائم ارتكبها حتى منتصف ليل ۳۰ يونيو ۲۰۰۲!
2-
ستكون ولاية المحكمة
قاصرة على مواطني الدول التي وقعت وصدقت على اتفاقية إنشائها .
3- تقليص السيادة الوطنية لصالح العدالة الدولية بمعنى أنه سيكون من حق
العدالة الدولية أن تتدخل في سيادة الدول لتحاكم رئيس دولة أو أحد المسؤولين فيها،
والخطورة هنا بالنسبة للدول الفقيرة التي لن تستطيع رفض طلبات المحكمة بعكس الدول
الكبرى.
4-
أن معارضي هذه المحكمة والراغبين في إجهاض دورها هي
الدول الكبرى بما فيها أمريكا وروسيا والصين وأخرى مجرمة مثل إسرائيل في حين أن
الموقعين عليها هم من الدول الصغيرة أو المحايدة .
5-
ليست هناك ضمانات لإجبار دولة ما على التعاون أو تنفيذ أحكام المحكمة.
وهنا نشير إلى المحاولات المستمرة لإخضاع المحكمة
لسلطة مجلس الأمن من جهة والضغط على مجلس الأمن لاستثناء القوات الأمريكية
المشاركة في عمليات حفظ السلام من نطاق اختصاص المحكمة من جهة ثانية!.
والخطورة أن السلوك الأمريكي الخاص باستغلال القوة
والنفوذ في رفض أو قبول القرارات الدولية، أو استثناء قادتها وجنودها من القوانين
الدولية يشجع دولًا أخرى على انتهاج السلوك ذاته دون خشية العقاب على غرار ما
يفعله الصهاينة الذين يرفضون ليس فقط الانضمام إلى معاهدات دولية تمنع إنتاج
الأسلحة النووية والكيماوية، ولكنهم يرفضون أيضًا الانصياع أو التوقيع على معاهدات
تسمح بمحاكمة مواطنيهم أمام محاكم دولية.
هذه الريشة
التي يضعها البعض في واشنطن أو تل أبيب فوق رأسه مطالبًا باستثنائه من أي قوانين
دولية تجسد حالة الظلم في عالم اليوم، وتزيد الهوة بين الدول وتفتح الباب أمام
المتضررين من الظلم لأخذ حقهم بالقوة مما يهدد بانهيار النظام الدولي.
ويبقى السؤال: من يحاكم الأمريكان على قتل أكثر من
٥٥٠٠ مدني عراقي وفق إحصائية غربية صدرت مؤخرًا؟!.
ومن يحاكم الجنود الصهاينة الذين قتلوا قرابة ۳۰۰۰ فلسطيني في عامين فقط لأنهم يطالبون بحقهم في استعادة أرضهم المحتلة وفق
القانون الدولي؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل