العنوان جنوب إفريقيا.. وذكريات أمام مشهد التقاء البحرين الكبيرين
الكاتب مصطفى الطحان
تاريخ النشر السبت 27-ديسمبر-2003
مشاهدات 69
نشر في العدد 1582
نشر في الصفحة 46
السبت 27-ديسمبر-2003
■ الإسلام وصلها في منتصف القرن السابع عشر عن طريق المجاهدين المسلمين المنفيين إليها بواسطة الاستعمار من إندونيسيا وشبه جزيرة الملايو"
■ كيف فك الاستعمار الإسباني والبرتغالي لغز منطقة الهدوء الاستوائي الذي استعصى الجميع؟"
تعتبر زيارة جنوب إفريقيا هدفاً للكثيرين وأنا منهم.. فقد سمعنا الكثير عن هذه الدولة.. عن التفرقة العنصرية التي مارسها البيض الذين لا يزيد عددهم على أربعة ملايين نسمة جاءوا من إنجلترا وهولندا تحدوهم أطماعهم في الحصول على الألماس والذهب والمعادن الثمينة.. ومن أجل الاستئثار بهذه الثروات طبقوا سياسة عزل الأغلبية من سكان البلاد الأصليين في مناطق تتسم بالفقر والجدب، وفرضوا عليهم المعيشة داخل هذه المعازل لا يغادرونها إلا بإذن من السلطات.
وسمعنا كذلك عن رأس الرجاء الصالح الذي عُد اكتشافه على يد فاسكو دي جاما فتحاً كبيراً في عالم الكشوف الجغرافية. لهذه الأسباب وأسباب أخرى شددنا الرحال مع بعض الأصدقاء لنقضي أياماً في هذه الربوع.. نستكشف الأوضاع، ونطلع عن كتب على أوضاع المسلمين الذين عانى أكثرهم من نظام الفصل العنصري البغيض.
الأرض والسكان
تقع جنوب إفريقيا في أقصى الطرف الجنوبي من إفريقيا، تحدها ناميبيا من الشمال الغربي، وبتسوانا وزمبابوي من الشمال، وموزامبيق من الشمال الشرقي، وباقي حدودها على المحيطين الأطلسي والهندي. مساحتها ١.٣ مليون كم².
معظم أراضيها هضبة يزيد ارتفاعها على ألف متر، تشكل وسط البلاد، يحيط بها من الجنوب والشرق نطاق جبلي يفصل بين الهضبة والسهول الساحلية. أما الجبال فهي ترتفع شاهقة برؤوس مستديرة كأنها رؤوس أسد رابضة تحرس البحر، وما بين القمة الشاهقة والأخرى بعدها تمتد سلسلة جبال أقل ارتفاعاً تتخللها بعض الوديان التي تلمع حبّات الماء فيها نازلة نحو المحيط فتزيد المنظر إبداعاً وجمالاً.
المنظر يحتاج إلى يراع رسام يلون بريشته، فلا أظنه يتكرر كثيراً - أكثر مما يحتاج إلى كلمات كاتب قد تقصر كلماته عن إدراك العظمة والجمال.
أهم المحاصيل الزراعية: الذرة والقمح والسكر ودوار الشمس والقطن والفواكه والخضر بشكل خاص، إذ تعد جنوب إفريقيا سابع مصدر للإنتاج الزراعي في العالم. وكذلك أخشاب البناء والأخشاب المخصصة لصناعة الورق. فيها مناجم الذهب الذي اكتشف في عام ١٨٧١م في مقاطعة ترانسفال، والذهب في جنوب إفريقيا يمثل ٤٠٪ من الاحتياطي العالمي، وهناك أيضاً ٦٦ منجم للألماس «٢٤٪ من الاحتياطي العالمي»، علاوة على مناجم الفحم.
أما السكان فقرابة الخمسين مليون نسمة، نحو ٧٥٪ منهم من السود الذين ينتمون إلى عدد من القبائل، أكبرها قبائل الزولو تليها قبيلة خوسا التي ينتمي إليها الزعيم نيلسون مانديلا.
وهناك الملونون، وهم خليط نتج عن تزاوج بين الأفارقة السود والآسيويين مع الأوروبيين الأوائل، وهناك الهنود الذين جاءوا مع قوات الاحتلال البريطانية.
ولجنوب إفريقيا ثلاث عواصم: اقتصادية في جوهانسبرج، وتشريعية في كاب تاون، وإدارية في بريتوريا.
أهم اللغات: الأفريكانية ويتحدثها نحو ٥.٥ مليون نسمة، والكوهسا «ويتحدثها نحو ٦.٥ مليون نسمة»، أما الإنجليزية فهي لغة السواد الأعظم من السكان، وهناك أيضاً لغة الزولو «ويتحدثها نحو ٨.٢٥ مليون نسمة»، أما اللغات الرسمية في البلاد فهي ١٢ لغة مختلفة.
الديانة: ٦٨٪ من السكان مسيحيون، ويتوزع الباقون بين مسلمين وهندوس وبوذيين ووثنيين، أما اليهود فعددهم لا يتجاوز ٦٠ ألفاً، ومع ذلك فمعظم مصالح البلاد مرتبطة بهم.
تبلغ نسبة المسلمين ٥٪ من العدد الكلي للسكان، وتنقسم الجالية الإسلامية إلى ثلاث فئات عرقية، أكبرها عدداً وأقدمها وجوداً الفئة المنحدرة من أصول إندونيسية وماليزية وتتركز في مدينة كاب تاون. الفئة الثانية المنحدرة من أصول هندية وتتركز أساسا في مقاطعة الناتال وخصوصاً حول عاصمتها. ويشكل المسلمون نحو ربع الجالية الهندية. الفئة الثالثة: وهي الأقل عدداً، وتتألف من السود والملونين سواء الذين اعتنقوا الإسلام من سكان البلد الأصليين أو المسلمين الذين قدموا من إفريقيا الوسطى، وعموماً فهم الطبقة الفقيرة من المسلمين.
وصول الإسلام
في عام ١٦٥٢م «١٠٦٢هـ» بدأ المستعمرون الهولنديون يفرضون سيطرتهم على جزر إندونيسيا، وشبه جزيرة الملايو، وقاوم المسلمون في هذه البلاد الاحتلال الهولندي. وقبض الهولنديون على المسلمين الذين أعلنوا الثورة على الاحتلال، ورحلوهم إلى جنوب إفريقيا، وتلا ذلك قدوم مناضلين مسلمين جدد في الأعوام التالية كان من بينهم الشيخ يوسف شقيق ملك جاوا، وزعيم المقاومة ضد الاحتلال الهولندي لجزر الهند الشرقية، جاء به الهولنديون هو و٤٩ من المهاجرين المسلمين كسجناء إلى جنوب إفريقيا عام ١١٠٥ هـ، فكان هؤلاء طليعة المسلمين في جنوب إفريقيا.
وفي القرن التاسع عشر حل الاحتلال البريطاني مكان الاحتلال الهولندي، فاستقدم البريطانيون العمال من شبه القارة الهندية وكان بينهم عدد كبير من المسلمين. وأخذ المسلمون يتزايدون وبدأ الإسلام ينتشر بين المواطنين الأفارقة في المناطق التي خصصها البيض لعزل السود، والمسلمون محترمون في جنوب إفريقيا فقد كانوا مع نلسون مانديلا يداً بيد في محاربة التمييز العنصري.
" الإسلام وصلها في منتصف القرن السابع عشر عن طريق المجاهدين المسلمين المنفيين إليها بواسطة الاستعمار من إندونيسيا وشبه جزيرة الملايو"
المساجد
في جنوب إفريقيا أعداد كبيرة من المساجد وخاصة في مناطق المسلمين الهنود... وقد أُلحق في عدد كبير من هذه المساجد مدارس لتحفيظ القرآن، وهناك عدد لا بأس به من الكليات الإسلامية تعطي درجة البكالوريوس في الشريعة، مُلحقة بالجمعيات الإسلامية أو مجلس القضاء الإسلامي. وهناك جمعيات إسلامية كثيرة منتشرة في عرض البلاد وطولها، وخاصة في منطقة دربان وكاب تاون وجوهانسبرج، منها حركة الشباب المسلم وجماعة التبليغ ومجلس القضاء الإسلامي.
التمييز العنصري
التمييز على أساس اللون أو العرق أو الدين أو الطبقة موجود منذ أقدم الأزمنة. ولكن التمييز العنصري الذي مارسه المستعمر الأبيض في جنوب إفريقيا كان من أشد أنواع التمييز، فللأفارقة معازلهم، وللملونين معازلهم، وللآسيويين معازلهم، والأبيض وحده هو الحر الطليق الذي يستمتع بخيرات البلد ويستعبد الآخرين.
والإسلام يمقت هذه العنصرية ويعتبرها من أكبر الإهانات التي تلحق بإنسانية الإنسان: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [ الحجرات: 13]الأمر الذي جعل المسلمين يقفون ضد التمييز. وكان المناضل نلسون مانديلا يثق بهم ويتصل بهم، ويقود معهم معركة التحرير ضد التمييز العنصري.
رأس الرجاء الصالح
إذا قابلت المحيط الأطلسي المسافة في الممتدة من أعلى إفريقيا إلى أسفلها وجدته صاخباً ثائراً إلا في كيب تاون فهو هادئ وادع ممتد كأنه بحيرة هادئة ومثل ذلك المحيط الهندي.. لماذا هذا المحيط وتكسرت الأمواج البيضاء الصغيرة تزين زرقة الماء الهادئ؟ السكان يقولون لأن المياه الصاخبة تدخل في الخليج فتهدأ. وبعضهم يقول: بل الصخب ينتهي ويرق وهو يسبح بحمد الخالق في لوحة الجمال التي لا نظير لها.. وكلا الرأيين مقبول.
أصر مضيفنا على أن ينقلنا بسيارته المريحة الأنيقة على ساحل البحر الأطلسي على «كامبس باي» وهي منطقة مزروعة بقلل البيض الذين جاءوا فاستعمروا الأرض. واسترقوا الشعب وسرقوا هذه المناطق الجميلة من أصحابها. مررنا بتمثال فاسكو دي جاما الذي نصبوه مرتفعاً عند مدخل رأس الرجاء الصالح ليذكروا الناس بهذا الاكتشاف الفريد الذي غير استراتيجيات الدول...
فما قصة هذا الاكتشاف؟
بعد تمكن البرتغاليين والإسبان من القضاء على دولة الأندلس. وبعد أن قتلوا الأحياء فيما سمي محاكم التفتيش، ونبشوا القبور فأحرقوا العظام، انساحوا في المحيط الأطلسي يطوقون العالم الإسلامي من أطرافه... اعترضتهم منطقة الهدوء الاستوائي حيث تهدأ الرياح في المنطقة الاستوائية ولا تتحرك السفن التي تسير على الشراع وهي التي كانت مستخدمة آنذاك، ولا يمكن التنقل إلا في الربيع شمالاً مع حركة الشمس الظاهرة، وفي الخريف جنوباً مع تلك الحركة كان البرتغاليون يستغربون من المسلمين كيف يجوبون البحار فلا يعترضهم عارض. فأرسلوا مجموعة من اليهود يتقنون اللغة العربية ويدعون الإسلام إلى مصر.. فتقربوا من مواقع السلطة، وتعرفوا على أوضاع البلاد الداخلية، وسرقوا خرائط البحار والمعلومات عن الملاحة، وكيفية التخلص من منطقة الهدوء الاستوائي التي بقيت لغزاً استعصى عليهم حله.
بعد حصول البرتغاليين على هذه المعلومات أرسلوا بعثة بحرية برئاسة فاسكو دي جاما فوصل إلى رأس الرجاء الصالح عام «٩٠٣ هـ - ١٤٩٧م» والتف حول إفريقيا وسارت سفنه مع تيار موزامبيق شمالاً، وطلع على المراكز الإسلامية في شرق القارة الإفريقية، فدخل زنجبار عام «٩٠٧هـ - ١٥٠٣م» واستولى على مدينة كيلوا عام «۹۱۱ هـ - ١٥٠٥م»، والتقى في مالندي بالرحالة المسلم شهاب الدين أحمد بن ماجد بن أبي الركائب النجدي الذي ينحدر نسبه من بدو شمال الجزيرة العربية «رأس الخيمة» الذي دله على طريق الهند. لقد كانت الروح الصليبية واضحة في تصرفات البرتغاليين.. فقد ضرب فاسكو دي جاما كالكوتا في الهند بالقنابل بعد أن علم أن فيها مسلمين، وأغرق سفينة في خليج عمان كانت تنقل حجاجاً من الهند، أعدمهم جميعاً بعد أن فعل بهم الأفاعيل، وأحرق مجموعة من المراكب الهندية كانت تحمل الأرز وقطع أيدي وأذان وأنوف بحارتها المسلمين.
وكان في مدينة كيلوا في شرق إفريقيا ثلاثمائة مسجد دمر معظمها على أيدي البرتغاليين. وأعلن البرتغاليون بعد انتصارهم على المماليك في معركة ديو البحرية أنهم سيهدمون الأماكن المقدسة الإسلامية في مكة والمدينة، وأنهم سيزيلون معها آخر آثار الإسلام.
وبعد فاسكو دي جاما خلفه البوكرك الذي كان يحلم بتحويل مياه نهر النيل إلى البحر الأحمر ليحرم مصر من ري أرضها، وأن يهدم المدينة المنورة، وينبش قبر النبي. وفي هجومه على مدينة مالاقا في شبه جزيرة الملايو «۹۱۷ هـ - ١٥١١م» قال: إن الخدمة الكبرى التي سنقدمها للرب هي طرد المسلمين من هذه البلاد. ولقد هز أوروبا الطرب وأقاموا قداس شكر عندما استولى البرتغاليون على مالاقا.
كيف يلتقي البحران: ما زلنا في الطريق المثير إلى رأس القمة التي تشرف على لقاء البحرين الكبيرين المحيط الأطلسي أو بحر الظلمات كما كان يسميه المسلمون يوماً. كانت بلادهم مضاءة بنور العلم والمعرفة وكان الظلام يلف الآخرين.. والمحيط الهندي الذي كان ولا يزال الطريق الذي يبحث عنه الاستعمار الغربي ابتداء من الإسبان والبرتغاليين وبريطانيا بعدهم وأمريكا اليوم.
جميع الأفكار تقف أمامك، وتسألك إلى أين أيها المسلم الذي لا يزال يأمل باستعادة مجد الإسلام.
وصلنا إلى المنطقة التي تطل على رأس الرجاء الصالح. الاسم من أسمائنا.. والهيمنة اليوم لهم. الصخرة البيضاء التي تفصل بين البحرين، الجبل المتقدم الذي كانت تتحطم عليه السفن، قبل المعلومات التي زود بها ابن ماجد البحار المسلم الأسطول البرتغالي.
وأخيراً نقطة اللقاء... وعندما تلتقي البحار وتتصالح.. يعيش كل شيء بأمان وسلام.. الغزلان تتحرك بارتياح والقرود لا يعكر صفوها أحد حتى وهي تمتطي ظهر سيارتك، والطيور التي تتنافر مع الإنسان تجدها أليفة كأنها تريد مصافحته، فقد حل الوئام بين الجميع.. من هذا الموقع المرتفع تركب التلفريك ليحملك إلى أعلى.. إلى النقطة التي تشرف على هذا المشهد البديع عندما يلتقي التاريخ والجغرافيا.
اتحاد الطلبة المسلمين
كان المخيم الذي أقامه اتحاد طلبة المسلمين في كاب تاون في بيوت متواضعة على سفح أحد هذه الجبال.. الصلاة في العراء والرياضة في الغابة.. والمحاضرات والدورات التدريبية في قاعة متواضعة.. النهار مشمس جميل.. والليل تعصف فيه الريح فتشكل أشجار الغابة موسيقى صاخبة مفزعة... قراءة القرآن والصلوات في الأسحار والحب الندي المتصاعد من القلوب والأرض المرتفعة القريبة من السماء.. كل ذلك همسان إيمانية نأمل أن يقبلها الرحمن الذي تعهد بأن يغفر الذنوب جميعاً. الرحلة إلى جنوب إفريقيا تذكرك بالتاريخ الذي ينبغي أن يعيد نفسه والمجد العظيم الذي لا يمكن أن يستقيم إلا في ظلال عظمة الإسلام... وإنسانية الإنسان التي امتهنت.. ولن ترفع رأسها إلا بالإسلام.
ذهبنا إلى جنوب إفريقيا.. نتعرف على البلاد.. وعدنا منها ونحن نحمل طموحات تنوء بها الكواهل.