; جنوب السودان دراسة في مجلة الأزهر. | مجلة المجتمع

العنوان جنوب السودان دراسة في مجلة الأزهر.

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 20-مايو-1975

مشاهدات 1

نشر في العدد 250

نشر في الصفحة 35

الثلاثاء 20-مايو-1975

  المشكلات الإقليمية في الوطن الإسلامي


هذه الدراسة تاريخية عن «جنوب السودان» ستتبعها الله- بإذن الله- دراسة عن «واقع» ذلك الجنوب.

ويأتي تقديم هذه القضية كحلقة في سلسلة الدراسات التي تقدمها «المجتمع» عن مشكلات الوطن الإسلامي ذات الطابع الإقليمي.

مثل مشكلات: الفلبين.. وقبرص. وكشمير.. والأكراد.. وباكستان.. إلخ.

وهذه الدراسة التي نشرتها مجلة الأزهر عن جنوب السودان مهمة وحيوية.

أولا: لأن التركيز الصليبي على جنوب السودان أخذ طابع السفور والدعم الدولي القوي.

•ثانيًا: لأن استعراض المشكلة في تطوراتها المختلفة يزود القراء بتصور واضح عن حجمها.. وأبعادها.. عن مسببيها ومموليها ومنظريها:

لماذا كان في السودان جنوب وشمال؟

لماذا لم يكن السودان سودانًا فحسب؟

السودان والتاريخ:

شهد مطلع القرن التاسع عشر خروج المستعمرات الأمريكية من يد المستعمرين الأوربيين كما استنزف ثروات آسيا، فتعطلت عيونهم الزائفة تبحث عن مجالات أخرى تنهبها، لتعوض بها ما فقدته في أمريكا وما نضب في آسيا.

ولعله لم يكن من قبيل المصادفة أن شهد مطلع القرن التاسع عشر أيضًا ظهور أبحاث الرحالة والمكتشفين، التي جاءت تؤكد أن إفريقيا قارة بكر، ومخازن غنية بالمؤن، ومناجم متخمة بالثروات.

وتحلبت أشداق الاستعمار وسال لعابه وبدأت إنجلترا وفرنسا وبلجيكا والبرتغال تلتهم القارة من أطرافها.

وآنذاك خرجت الأخبار بأن بلاد السودان بلاد خالية من القوة التي تحميها، وذلك بسبب تصارع ممالكها فيما بينهم: سلطنة الفورد في الغرب، ومملكة الفونج في الشرق، ومملكة بربر، ومملكة تقلى في جبال النوبة. وأن البلاد لقمة سائغة، وهنا تحفز الاستعمار وأوشك الانقضاض.

ولكن شاءت الأقدار أن تنقذ السودان من الاستعمار الأوربي، فسبقت إليه الدولة الطبية، دولة الخلافة الاسلامية، تركيا، حين استنجد ملك بربر في سنة ۱۸۱۳م وسلطان دارفور في سنة ۱۸۲۰م بمصر بسبب اشتداد النزاع والصراع.

جاءت جيوش محمد على والي مصر باسم الخلافة العثمانية، وأعادت للسودان الأمن والاستقرار وأتمت توحيده في دولة واحدة متماسكة، وكانت المهمة سهلة ميسرة فقد ساعد جيوش الخلافة كثير من زعماء السودان الذين فهموا الروح الإسلامي التي جاءت به، وأبرز مثل على ذلك الزبير رحمت الذي لم يكتف بالانضمام بإمارته بل أخذ في إخضاع المناطق المجاورة له بالحجة والإقناع وبالقوة حين لا ينفع الإقناع، وكان هو الذي ضم كل غرب السودان إلى باقي الوطن.

وبهذا كان السودان أسعد حظا من جيرانه، فقد أفلت من الاستعمار الأوربي الذي بدأت مباضعه تعمل في تمزيق القارة البكر.

ولكن الاستعمار لم يسلم بهذا، وهاله وأفزعه أيما هول وأيما فزع أن تتكون في قلب القارة دولة موحدة بهذا الاتساع، وتنعم بالأمن والهدوء والاستقرار، والأخطر من ذلك يشع عليها نور الحضارة العربية، وضوء الدين الإسلامي.

ولو كان الأمر يقف عند حدود السودان لهان الشأن، ولكن الخطب أخطر وأكبر، فكيف يتمكن الاستعمار من إتمام سيطرته على قارة أفريقية وفي وسطها هذه المنارة؟ كيف يتمكن من نهب القارة وفي قلبها دولة قوية مترامية الأطراف تشع حضارة عربية ودينا إسلاميا يفزع ذئاب الاستعمار.

ومن هنا لم يسلم الاستعمار بالهزيمة ولم يغمض له جفن وراح ينفث سمومه وأحقاده.

ولذا تعرض السودان لما لم تتعرض له دولة من الدول، تعرض السودان لمؤامرات استعمارية دائبة متصلة هدفها تفتيت وحدة السودان أكبر دولة في قلب إفريقيا، والقضاء على الحضارة العربية والدين الإسلامي.

وتشابكت حلقات هذه السلسلة من الاعتداءات والمؤامرات الاستعمارية، فمن دسائس بين السودان وجيرانه، إلى بعث للنعرات القبلية إلى زعزعة للعقيدة وتحطيم للأخلاق والمثل.

ولنستعرض في إيجاز سريع شيئا مما عاناه السودان من هذه المؤامرات.

١- بدأت أول محاولة لتفتيت وحدة السودان مبكرة جدا حين سعى الإنجليز بوسائلهم لدى السلطان في الأستانة حتى انتزع شرق السودان من والي مصر وألحقه بولاية جدة، ولضعف والي جدة تمكنت إنجلترا من التهام الأراضي الواقعة جنوبي مصوع وجزيرة أربياط، كما تمكنت إيطاليا من التهام عصب، وأقامت فرنسا قنصلية لها في مصوع لتباشر منها الإشراف على مصالحها وتتحفز للالتهام.

وما زال والي مصر يواصل السعي الدائب لدى الباب العالي حتى رد إليه نهائيا شرق السودان ومنفذه الطبيعي الوحيد على البحر الأحمر، وأعاد تطهير الأجزاء التـي دنسها الاستعمار مرة ثانية.

2- راحت إنجلترا توقع بين السودان وجيرانه وبدأت تبكي على المسيحية الحبشية التي اقتربت منها الإسلامية السودانية، تحت راية الخلافة كانت الحبشة آنذاك مركزا للتجارة البريطانية.

ونجحت إدارة السودان المصرية في إثبات سماحة الإسلام، وكراهية المسلمين للتعصب الديني كما يكره الإسلام استغلال الإنسان لأخيه الإنسان.

3- حاولت إنجلترا عام ١٨٦٧م أن تجرب حظها في استخدام القوة لاحتلال مصوع، ولكنها فوجئت بأن إدارة السودان على الفور عززت حامية سواكن وتحرك الأسطول المصري من السويس ليقف تجاه مصوع، فترددت إنجلترا وأحجمت نهائيا عن هذه المغامرة.

4- استغلت إنجلترا وجود الموظفين الإنجليز الذين سمح لهم ضميرهم وحضارتهم أن يخونوا أمانة الدولة التي استخدمتهم، ويعملوا لحساب أبناء جلدتهم، أمثال: صموئيل بيكر الذي استخدمته مصر في إدارة الجنوب على أساس أنه رحالة عالم باحث سبق له ارتياد هذه المناطق كما نستقدم الآن أي خبير وكان مرتبه عشرة آلاف جنيه سنويا. ثم أقيل بعد أن ثبت أنه يعمل على عكس البرنامج المطلوب منه من كسب محبة سكان الجنوب، وتأليف قلوبهم والتقريب بينهم وبين إخوانهم في الشمال.

ثم عينت مصر غوردون في نفس العام الذي عزل فيه بيكر سنة ١٨٧٣م، ونص في العقد الذي أبرم معه، وفي قرار تعيينه على تحديد مهام منصبه وجاء في هذا الأمر ما يلي:

الأمر الكريم بتعيين غوردون في 3 محرم سنة ۱۲۹۱ رقم ۹۱... مع معاملة الأهالي بالرفق ولين الجانب، والتأليف، مع المراعاة لما فيه عمارتهم وترغيبهم وتشويقهم على العمارة... وعلى هذا ما هو منظور لنا فيكم من حسن الغيرة والاهتمام مؤملين الاستحصال على عمارية جهات الاستواء المحكي عنها، وراحة أهاليها وحسن توطينهم وتأليفهم، كان هذا هدف الإدارة المصرية وأمل الخلافة العلية..

فهل وفي غوردون لمنصبه؟ وأنى له ذلك؟

استهل غوردون عمله، بأن أرسل إلى ملك أوغندا بعثة تعلمه الدين الأوروبي وتحدثه عن عظمة ممالكها، بعد أن كان قد طلب من غوردون بصفته موظفا مصريا أن يطلب عالما من علماء الأزهر لتعليمه وقومه الإسلام تمهيدا لانضمام أوغندا اختباريا إلى السودان. ولكن غوردون حرصا على مصالح إنجلترا ومستعمراتها في شرق ووسط أفريقيا، وقف في وجه هذا التيار الحضاري، ضاربا عرض الحائط بكل القيم الخلقية التي تحتم عليه أن يكون ولاؤه لعمله ومنصبه. وقد وقع في يد المسؤولين بمصر عن طريق الصدفة رسائل متبادلة بين غوردون ولندن تثبت أنه يعمل لحسابهم ضد مصر.

لهذا أخرج غوردون من السودان وتفتحت عيون أولي الأمر على حقيقة هؤلاء الناس، فاعتمدوا على أنفسهم وأتموا توحيد السودان وانضمت إليه أوغندا واستكمل الوطن السوداني كل مقوماته.

5- ونفس الأسلوب الذي استخدمته إنجلترا حين نزعت من نمو الوطن السوداني في شرقه، استخدمته حين فزعت من نموه في الجنوب فأوعزت إلى حاكم زنجبار أن يصرخ ويعلن مستغيثا خوفه من اقتراب حدود السودان المسلم من بلاده.

وتطوع قنصل إنجلترا في القاهرة، بنقل شکری حاکم زنجبار مشفوعة بلون من التهديد وأن إنجلترا تنظر إليها بعين العطف وتطلب وقف أي نشاط على حدود السودان الجنوبي.

ولما لم يأبه أحد لهذه الشكوى المفتعلة دخلت إنجلترا مع مصر في مفاوضات، اضطرت فيها إنجلترا بعد عناء إلى الاعتراف بحدود السودان دولة واحدة متكاملة متماسكة وكان ذلك في عام ۱۸۷۷م. وسارع ولاة الأمور في مصر إلى طبع مجموعات خرائط مفصلة كاملة للسودان، ووزعت على الدول ذات الشأن في العالم، لتكون وثيقة ضمان وحدة الوطن السوداني.

غوردون مرة ثانية:

وكان إنجلترا أعيتها الحيل في السودان، في قلب أفريقية، فنقلت مؤامراتها وجهودها إلى رأس القارة إلى مصر، عسى أن تضرب السودان قلب أفريقية إذا تم لها ضرب مصر رأس أفريقيا.

فنصبت شباك الديون والقروض، وأوقعت فيها حكام مصر آنذاك وتدخلت في شؤونها وراحت تملي أوامرها في كل شأن، بما في ذلك إدارة السودان.

فحين سلمت واعترفت بحدود السودان ووحدته، استدارت من ناحية أخرى لتحطم وتفتت هذه الوحدة، وفرضت على مصر التي كانت قد خضعت لها تعيين غوردون حاكما عاما للسودان يا للسخرية مصر تحكم السودان والحاكم غوردون.

وجاء غوردون الذي طرد من قبل لا مديرا للجنوب فحسب بل حاكما عاما، يحمل خطة واضحة لتحقيق ذات الأهداف القديمة:

-تفتيت السودان وعدم السماح لدولة بهذا الاتساع برفع هامتها في قلب القارة.

-القضاء على الدين الإسلامي.

-محاصرة العنصر العربي في السودان وإضعاف شأنه وتحطيمه.

وفي سبيل تحقيق هذه الأهداف الخبيثة استخدم الأساليب الآتية:

أ- عزل جميع الموظفين النابهين ذوي السمعة الحسنة والسيرة النبيلة مصريين وسودانيين ولم يكن يطبق أي سوداني نابه يتفهم مشكلات بلاده ويعمل لإسعادها.

ب- جاء بجيش من الموظفين المرتزقة، من أوباش الأمم، وكان شرطه الأول والأخير فيمن يعمل معه أن يكون عنصريا متعصبا للرجل الأبيض.

جـ- عمل على تحطيم العقيدة الدينية في نفوس الشعب فأوعز إلى بعض رجاله الأوربيين فادعوا الإسلام، ولبسوا ملابس المشايخ أصحاب الطرق، وادعوا التفقه في الدين وأخذوا في إفتاء الناس على هواهم. وكان على رأس هؤلاء الألماني الذي تسمى باسم الشيخ أمين وكان يوزع البركات ويمنح العهود

د- وأصدر غوردون أمرا أباح به البغاء العلني واستقدم جيشا من العاهرات وأباح السكنى لهن في أي مكان ولو بجوار المساجد والزوايا والمدارس.

هـ- عمل على بعث الروح القبلية، بين أهل البلاد وراح يوقع بين كل قبيلة وأخرى، وألزم كل سوداني أن يكتب بجوار اسمه في الأوراق الرسمية كشهادة الميلاد ونحوها، اسم القبيلة التي ينحدر منها، حتى لا ينعم أهل البلاد بالأخوة الكاملة.

و- عمل على فصل جنوب السودان عن شماله. فقد ظهرت صحيفة المكتشف الإيطالية في تلك الفترة، وفيها على لسان أحد معاوني غوردون الإيطاليين:

يجب أن نفصل تماما البلاد السوداء بلاد الزنوج عن البلاد العربية من السودان والتي يهيمن عليها العرب، وأن نجمع تحت إدارة مستقلة واحدة، أراضي بحر الغزال ومديرية خط الاستواء، ذلك أن العرب الموجودين في السودان ليسوا إلا لصوصا وشحاذين يجب إرجاعهم إلى بلادهم الأصلية.

ي- عمل على التخلص من الزعيم السوداني الخطير الزبير رحمت باشا فرفض رجوعه إلى السودان. وظن غوردون أن جهوده آتت ثمارها وأن ما غرسه من شر قد آتى أكله فخلى منصبه وذهب ليستريح وهو واثق من أنه حقق أهدافه الاستعمارية الخبيثة.

ولكن حالة البلاد كانت كما صورها أحد علماء السودان في رسالة إلى أستاذه بالأزهر يقول فيها: إن الحكومة التي يرأسها غوردون کاسد كاسر والأهالي كالأنعام الضالة لا راعي لها غير الأسد. هذه حالنا اليوم، وأنا أؤكد لك أن هذه الأحوال لن تدوم إلا أياما قلائل، وسترى أن الأغنام ستنقلب إلى ذئاب وسيقودها أسد كاسر، ويموت الأسد الظالم شر ميتة.

وكأنما كان هذا العالم يقرأ من كتاب مفتوح.

ثورة السودان:

٦- إزاء ما حل بالبلاد من أعمال غوردون وإفساده أخذت النفوس في الغليان واضطرمت النار في القلوب حتى فجرها ثورة عارمة محمد أحمد المهدي وليس بغريب أن تقوم في مصر حركة مماثلة في نفس الوقت وعينه هي حركة عرابي، وليس عجيبا أيضا أنه كان بين الحركتين مراسلات سرية، فقد كان الغرض واحدا والظروف التي أدت إليهما واحدة، وهي عبث الاستعمار بمصالح السودانيين والمصريين معا ولسوء الحظ سقطت ثورة عرابي مبكرة ووقعت مصر تماما في يد الإنجليز.

واستمرت الثورة المهدية تتفجر في شتى أنحاء السودان ورفع لواءها في الشرق أمير أمراء الشرق عثمان دقنة، وأخذت في تطهير البلاد من رجس الإنجليز أو الكفار كما كانوا يطلقون عليهم وأبلى الشعب السوداني في هذا المجال بلاء حسنا. جعل الإنجليز يتأكدون أن المقاومة مستحيلة.

وكان من الطبيعي أن تخرج إنجلترا ونترك السودان لأهله، ولكن إنجلترا المعروفة بالخبث والدهاء دبرت أمرا: فإذا كان الخروج لا بد منه فيجب أن تمزق البلاد أولا وتتركها شيعا وأحزابا ثم ننادي كل الدول المستعمرة لاقتسامها.

غوردن مرة ثالثة:

وتذكرت إنجلترا داهيتها الخبيث فاستدعته للسودان فورا بحجة الإشراف على إخلاء السودان.

وجاءت تلك اللعنة المسماة غوردون وأراد أن ينفث سمومه على النحو التالي:

-حاول الإيقاع بين زعماء المهدية وإثارة التنافس بينهم.

-حاول إحياء الأسرات الحاكمة القديمة ودعاهم إلى المطالبة بإرثهم.

-بل أكثر من ذلك حاول إرجاع الزبير رحمت باشا ظانا أنه سينافس زعماء الثورة.

ولكن البلاد كانت قد تحصنت ضد هذه السموم فباء بالفشل وعز عليه ذلك، فبدلا من أن يجمع فلول جيشه ويخرج غير وجهته وركب رأسه وأعلن القتال، وطلب الإمدادات وكأن الله أراد بعدله أن يمزقه السودان، جزاء على محاولته تمزيق السودان، وقتل شر قتلة، كما تنبأ بذلك العالم السوداني في رسالته إلى أستاذه بالأزهر.

وإذا كان غوردون قد فشل في بذر الفتن وتفتيت وحدة الشعب السوداني الثائر، فقد بقي لإنجلترا الشطر الآخر من مؤامرتها، فأعلنت بعد سحب فلولها أن السودان أرض خالية لمن يشاء كان العرف الاستعماري يسمح بالتهام أي بلاد توصف بهذا الوصف وظنت أن حلمها القديم في القضاء على أكبر دولة أفريقية قد تحقق، ودخلت في مفاوضات مع الدول المستعمرة من أجل توزيع السودان، وكان من نتائج ذلك ما يلى:

-أخذت إيطاليا بيلول شمال خلیج عصب والمنطقة الساحلية قرب مصوع والجزء الذي يعرف الآن باسم أرتيريا كما سمحت لها إنجلترا بأخذ كسلا ولولا استبسال السودانيين في الدفاع عنها لوضعت إيطاليا يدها عليها.

- وأخذت الحبشة مدينة هرر والمنطقة المحيطة بها.

انتزعت إنجلترا الجهات المطلة على بحيرة فكتوريا ووضعت فيها أساس مستعمرة أوغندا وجعلتها كنواة أو مركز لمستعمراتها في أفريقيا.

أخذت بلجيكا القسم السوداني من مديرية بحر الغزال غرب خط ثلاثين.

أما فرنسا فلم ترض بنصيبها واختلفت مع إنجلترا وغضبت، واتفقت مع الحبشة على أن تدخل جيوش فرنسا من غرب السودان وتقابلها جيوش الحبشة من الشرق، ودخلت فعلا جيوش فرنسا حتى وصلت فشودة ورفعت عليها العلم الفرنسي.

الإنجليز مرة ثانية:

7- خافت بريطانيا من فرنسا والحبشة على نصيبها من السودان وهي التي توزع الأسلاب فعمدت كدأبها إلى حيلة ماكرة خبيثة وقالت لإنجلترا أي أن إنجلترا قالت لإنجلترا أعني أن إنجلترا أمرت ممثلها في مصر وهو الحاكم الفعلي آنذاك أن يعود إلى السودان وجاءت الجيوش بقيادة إنجليزية وخطة إنجليزية تسترد وراء العلم المصري وراح القائد الإنجليزي يقول: اخرجوا من السودان فأنا ممثل مصر ممثل الدولة العلية صاحبة الحق في السودان.

وفعلا وأمام هذه الحجة خرجت فرنسا، وأحبط الاتفاق بينها وبين الحبشة وعادت إنجلترا إلى السودان، وبدأ ما سمي بالحكم الثنائي بناء على اتفاقية بين مصر وإنجلترا بالاسم وفي الواقع بين إنجلترا وإنجلترا فقد كانت مصر في قبضة الإنجليز تماما في ذلك الحين، ويظهر ذلك جليا إذا ما علمت أن هذه الاتفاقية جاء فيها:

.... تفوض الرئاسة العليا العسكرية والمدنية في السودان إلى موظف واحد يلقب حاکم عموم السودان إنجليزي الجنسية تختاره إنجلترا وتعينه مصر. لك أن تضحك أو تبكي فهذا هو نص الاتفاقية الحاكم إنجليزي، يختاره الإنجليز وتعينه مصر. أعجب آلة من آلات الحكم كما يقول المؤرخ السوداني مكي شبيكة.

أعطي هذا الحاكم سلطات، لم يعرفها التاريخ لفرد واحد حتى ولا في العصور المظلمة، فقد كان المنشور الذي يصدره الحاكم العام له قوة القانون، ومن حقه أن يبطل أو يسن أو يحور أي قانون، المادة الرابعة من الاتفاقية.

سياسة الحاكم الإنجليزي:

من الطبيعي أن يكون هدف الحاكم الجديد هو نفس هدف غوردون، فلم تتحول إنجلترا أبدا عن تلك الأهداف التي أسلفنا ذكرها حتى الآن.

أما وسائل الحاكم الجديد فكانت أيضا نفس الوسائل، إلا أنه زاد عليها ما هو أشد منها وأحكم «حيث فضح الشعب وسائل غوردون وفهم خبثها ولؤمها» ولذا عمد الحاكم العام الى سياسة مستورة ملفوفة في الحرير والديباج، ومن ذلك أمثلة:

اختار جميع المديرين من الإنجليز وأعطاهم سلطات لا حد لها.

جعل معظم الموظفين من الإنجليز وقص عليهم الوظائف القيادية والهامة ذات الشأن.

اختار موظفيه على درجة عالية من التعليم، وأهلوا تأهيلا خاصا لمدة عام كامل في لندن ثم في الخرطوم، حتى يحسنوا تنفيذ الجزء النفسي من الخطة المدبرة.

ومما يدل على الاعتماد على الموظفين الإنجليز، اعتمادا كاملا، أن لجنة السودنة حين قدمت تقريرها عام ١٩٥٥م، جاء فيه، أن عدد الوظائف التي كان يشغلها إنجليز ١٠٦٩ في مجالات الإدارة والبوليس، والدفاع، والزراعة، والغابات والثروة الحيوانية والجمارك، والمالية، والتعليم والمساحة الجيولوجية… الخ.

بينما كانت الوظائف المصرية ١٥٣ وظيفة، معظمها في السكة الحديد والصحة وليس من بينها وظيفة واحدة في الإدارة أو البوليس أو الدفاع أو الجمارك أو التجارة والصناعة.

شمال وجنوب:

رأت إنجلترا أن كل جهود غوردون وجرائمه وكل مكر ودهاء سياسة الحاكم العام لم تحقق أهدافها فما زال السودانيون يتمسكون بالدين الإسلامي، وما زال الإسلام ينتشر داخل الجنوب، وما زال السودانيون رغم كل المؤامرات والدسائس يشعرون بالوحدة التي تربطهم وتؤلف بينهم. فأرادت وقد انفردت بالسودان تماما أن تتخذ تدابير أقسى وأعنف فأصدرت: «قانون المناطق المقفلة».

وتعني بذلك تحريم دخول بعض مناطق السودان على السودانيين من المناطق الأخرى «1» إلا بتصريح خاص من المدير، يحدد فيه مدة الزيارة ومكانها. والغرض منها، وحدد القانون هذه المناطق بما يلي:

«1» هي نفس سياسة التفرقة العنصرية المنتهجة في جنوب أفريقيا، وقد وصل الأمر فيها إلى تحريم الزواج بين أفراد قسم مع أفراد قسم آخر.

1- مديرية دارفور.

2- مديرية بحر الغزال.

3- مديرية مانجالا.

4- السوباط ومركز بيور.

5- ما يقع بين مديرتي حلفا ودنقلا إلى الغرب من مسافة ۳۰ ميلا من النهر.

6- جميع مديرية كردفان «تقريبا».

7- جميع مديرية جبال النوبة «تقريبا». ومن النظرة الأولى لهذه المناطق، نرى أنها تشمل جهات ذات طابعين مختلفين تمام الاختلاف.

أ- جهات الجنوب التي لم يتم نمو العروبة فيها.

ب- جهات الغرب التي فيها العرب الأشداء وتأصل الإسلام فيها وعمت حضارته.

وقد يبدو هذا التباين غريبا لأول وهلة ولكن الغرض من ذلك هو إقفال مناطق الجنوب لإعدادها على هوى المستعمرين وإقفال مناطق الغرب لتمنع أو تحاصر نور الحضارة العربية حتى لا يصل إلى الجنوب ثم لتعوق نمو الشعب وتماسكه، ولتبعث روح العصبية العمياء.

فصل الجنوب:

وفي ظل قانون المناطق المقفلة، وتحت ستاره، اتخذت الخطوات الزمنية لإتمام الفصل النهائي بين الشمال والجنوب.

1- إقصاء الدين الإسلامي من الجنوب، وإزالة كل ما يذكر به فمن ذلك:

إلغاء المحاكم الشرعية من الجنوب. إخراج المسلمين وإبعادهم عن الجنوب، فأخرجت الجماعات المسلمة بالقوة، ورحلوا إلى دارفور وكسلا.

نقل السكان حديثي الإسلام من قراهم ومدنهم كما حدث في «كافيا كنجي» وفي «راجا» وذلك بقصد إبعادهم عن المساجد وتركها لليوم والغربان.

عدم استخدام أي مسلم يؤدي شعائر دينية ويتحمس له في أي عمل بالجنوب، ولذا كان الموظفون الذين يريدون العمل بالجنوب يخفون استمساكهم بشعائر دينهم، كما كان الذين يريدون الرحيل من الجنوب يكفيهم أن يصلوا ركعة واحدة بحيث يراهم أحد الإنجليز فينفعلون فورا.

لم تعترف السلطات بالأسماء العربية التي تسمى بها الجنوبيون وأرغمتهم على اختيار أسماء أخرى تقدمها لهم الإرساليات التبشيرية مثل جون ووليام وأندريه.. وهكذا.

2- الفصل التام الحاسم بين الشماليين والجنوبيين، فقررت عدم تجديد رخص التجار الشماليين.

محاربة اللغة العربية والقضاء عليها.

عدم استعمال لفظة شيخ أو سلطان لرؤساء القبائل حتى لا تحمل إلى الأذهان أي صورة أو ذكرى للعروبة والإسلام.

كما منع أبناء الجنوب من الخروج إلى الشمال، ومن يخرج يتعرض للعقوبة.

3- بذل المستعمر كل جهده لخلق مجتمع في الجنوب غير مشاكل أو مشابه لمجتمع الشمال.

ولذا حرم استيراد الملابس التي يلبسها أهل الشمال «العباءة» أو «الجلابية» وإن أريد ملابس فليكن القميص والشورت.

ابتكر نظاما إداريا وطريقة في الحكم تغاير تماما نظام وطريقة الحكم في الشمال.

عمل على نشر اللغات القبلية.

حاول تعليم اللغة الإنجليزية لتكون لغة التفاهم.

4- عمل على إشاعة روح الذعر والخوف في نفوس الجنوبيين من إخوانهم الشماليين.

5- استخدام قانون المناطق المقفلة في وقف عملية التطور في الجنوب ليظلوا في حاجة إلى من يرعاهم.

6- استخدام الإرساليات التبشيرية كوسيلة لتعميق الفصل بين الجنوب والشمال.

وإمعانا في التفتيت كانت هذه الإرساليات من جنسيات مختلفة ومذاهب مختلفة ولكل منها منطقة نفوذ خاصة ورسالة سياسية معينة حتى يتفكك الجنوب نفسه. وحالت هذه الإرساليات بين ملك أوغندا والإسلام لإدخال «الدين الأوربي» كما سماه غوردون.

ومما يدل على وعي هذه الإرساليات بحقيقة الدور الذي أريد منها، حرصها على عدم الاتصال بين الشمال والجنوب، أي اتصال فقد فزعت حين تم شق الطريق في منطقة السدود وأريد تسيير بواخر بين الشمال والجنوب، وقدمت قرارا جاء فيه:

«ليس من الحصافة تجاهل خطر اتصال الجنوب بالشمال: عبر الممر المائي في منطقة السدود، ويجب غلق هذا الباب، لأن طلبة الجنوب الذين ينتهون من تعليمهم سوف يذهبون إلى كلية غوردون بالخرطوم حيث تسود الديانة الإسلامية».

ومن العجيب أن الإدارة استجابت لهذا التقرير وأوقفت الاتصال بين الشمال والجنوب وكان المبشرون يرسلون من يرغبون في إتمام تعليمهم إلى كلية «مكريري» بأوغندا مركز الاستعمار الإنجليزي في ذلك الوقت، حتى لا يرى الشمال، والخرطوم عاصمة بلاده.

كانت هذه الإرساليات تعيش في بذخ وترف لا حد له رغم أن الحكومة كانت تتحمل ۹۸٪ من نفقاتها وهي تزعم أنها تساهم في نشر التعليم خدمة للإنسانية.

ومما يزيد التأكيد والبيان بهدف التبشير الجنوب أن أحد الأفراد الذين أرسلهم غوردون إلى ملك أوغندا ۱۸۷۳ قتل وهو عائد في الطريق ووجد في جيبه رسالة إلى المسئولين في لندن تطلب سرعة إرسال مبشرين «لإدخال هؤلاء الوثنيين في النفوذ الإنجليزي» هكذا.

ولعل هذه كانت أول صيحة لاستخدام النصرانية سلاحا في يد الاستعمار.

7- كانت الطرق التي تشق بالجنوب تتجه إلى أوغندا مركز الاستعمار البريطاني في أفريقيا.

وقد يبدو للبعض أو يطوف بالذهن أن هذه التدابير ربما كانت مصادقة لا رابط بينها. ولكن من يطلع على بيان الحاكم العام الذي أصدره عام ۱۹۳۰ م عن سياسته في السودان نجده يذكر كل هذه التدابير بكل تفصيل.

الهدف من تعويق تطور الجنوب:

إن إنجلترا قد صرحت بهذا الهدف بكل جرأة لا تحسد عليها أمام مجلس الأمن عند شکوى مصر، وتنديدها بإجراءات إنجلترا في الجنوب فقال المندوب الإنجليزي: إن ضم الجنوب لسائر جهات أفريقيا، أي مستعمرات بريطانيا قد تدرسه هيئة دولية فيما بعد. إذا ربما كان في ذلك فائدة لهذه المناطق.

كما رأينا في تصريحهم بشأن فصل الجنوب في تقرير جماعة «الفابيان» التي تمثل فلاسفة حزب العمال: إن كل الادعاءات تتضاءل أمام الاعتبارات التي تحتم فصل جنوب السودان عن منطقة العرب في الشمال لأنه ينتسب إلى قارة أفريقية.

وتكشف إنجلترا النقاب عن هدفها من فصل الجنوب وتعويقه حين يطالب السودان حق تقرير المصير فيقول المفاوض الإنجليزي: «إن سحب جيشنا من السودان أمر غير عملي، لأن إنجلترا مسئولة عن شعب السودان وعن ۲٫٥ مليون من الوثنيين في الجنوب محتاجين إلى الحماية الإنجليزية من أهل الشمال الذين يتكلمون اللغة العربية».

أي ليبق السودان متأخرا حتى يكون في حاجة إلى رعايتنا، فإذا نضح فليبق الجنوب خائفا من الشمال حتى نبقى لطمأنته والمحافظة عليه.

وانظر هنا العنصرية والطائفية الدينية التي تذكي إنجلترا أوارها وتتمسك بها وتدعو إليها في القرن العشرين.

بعد كل هذه الجهود الدائبة ماذا كانت النتيجة؟ هل تحققت أحقاد المستعمر وأطماعه؟؟ ليسمح القارئ أن أقدم إليه بعض الحقائق والنتائج:

١- أعلن الجنوبيون في المؤتمر الذي اضطرت إنجلترا إلى عقده في جوبا عام ١٩٤٧م أنهم لا يريدون إلا الاندماج في الوطن الأم، مع إخوانهم الشماليين.

2- فشلت كل الإرساليات التبشيرية في نشر أغراضها لسوء قصدها فما زالت الأغلبية وثنية وكل الذين تبعوا هذه الإرساليات عددهم ۱۸۰ ألفا من ۲٫٥ مليون.

3- ما زالت قبائل الجنوب تتفاهم فيما بينها باللغة العربية باللهجة المعروفة بلهجة جوبا.

4- اضطرت إنجلترا للتسليم بوحدة السودان في اتفاقية ١٩٥٣م وخرجت صاغرة تمارس ألاعيبها مع الخونة والمرتزقة من خلف الستار.

5- في سنة ١٩٦٥م عقد الجنوبيون مؤتمرا في الخرطوم لم يجدوا وسيلة للتفاهم غير اللغة العربية.

6- هناك حزب قوي من أبناء الجنوب ينادي بضرب الخونة والمتمردين والمحافظة على وحدة التراب السوداني.

7- من تصريحات المسئولين يظهر بوضوح أن المتمردين ليسوا إلا حفنة ضئيلة من العملاء والمرتزقة.

إن شعب السودان يستحق التحية في شماله وجنوبه إذ خرج بعد كل هذه التدابير واثقا بنفسه مؤمنا بوحدته وكانت إذاعته تسمى المتمردين «ثوارا» وسحقا لهم!.

ما الجنوب:

ولعل من المناسب قبل أن أختم مقالي أن أقدم بعض الحقائق السريعة الموجزة عن الجنوب:

تبلغ مساحته ٢٥٪ من مساحة السودان.

يبلغ عدد سكانه ٢٥٪ من مجموع السكان.

ينقسم إداريا إلى ثلاث مديريات:

بحر الغزال وعاصمتها «واو» والاستوائية وعاصمتها «جوبا» وأعالي النيل وعاصمتها «ملكال».

ينقسم سكان الجنوب إلى ثلاث مجموعات رئيسية: القبائل النيلية- القبائل النيلية الحامية- القبائل السودانية.

وأهم النيلية هي الشلك والدنكا والنوير وتكون هذه القبائل الثلاث أغلبية سكان الجنوب وتعتمد على الرعي والصيد وتقيم في بحر الغزال وأعالي النيل.

وأهم القبائل النيلية الحامية: الباري والمنداري، اللاتوكا، والقوبوسا. وهذه تعتمد على الأبقار في حياتها.

وأما القبائل السودانية فمقرها الجنوب الغربي وأهم قبيلة فيها هي قبيلة الزاندي، وهذه القبائل تعتمد على الزراعة حيث لا تسمح الطبيعة بالرعي وتربية الماشية، لانتشار ذبابة التسي تسي.

يتكلم أهل الجنوب حوالي ٥٠ لهجة مختلفة من لهجات السودان البالغ عددها ۱۱۰ لهجة، ولكن لغة التفاهم بينهم جميعا هي اللغة العربية - كما ذكرنا من قبل- باللهجة المعروفة بلهجة جوبا.

وأخيرا:

وقد رأينا كيف؟ ومتى؟ وأين؟ ولحساب من غزلت ونسجت مشكلة الجنوب ومن الذي غزلها ونسجها، يحق لنا نسأل.

بأي وجه تتباكى دول الاستعمار على الجنوب والإنسانية المعذبة؟ ماذا فعلت طوال حكمها الذي استمر ما يقرب من مائة سنة من 1877-1956م؟ أليست هذه هي تركتها وهذا هو إرثها.

أليس من الواجب على الأمم المتحدة أن تسجل على هؤلاء الإنجليز «رواد الحضارة وسدنة الإنسانية» كيف داسوا حقوق الإنسان بأقدامهم في جنوب السودان وكذا في شماله؟ من لنا يسجل على هؤلاء المجرمين جرائمهم؟

هؤلاء الذين يحتضنون المتمردين ويتباكون على ما لحقهم من «ظلم وعسف واستبداد وتخلف على يد إخوانهم الشماليين».

حقا إذا لم تستح فافعل ما شئت. أو قل ما شئت

عبد العظيم محمود الديب

الرابط المختصر :