; هوامش حول دور الإخوان في الثورة المصرية (٣).. جمهورية ميدان التحرير | مجلة المجتمع

العنوان هوامش حول دور الإخوان في الثورة المصرية (٣).. جمهورية ميدان التحرير

الكاتب صلاح عبدالمقصود

تاريخ النشر السبت 19-مارس-2011

مشاهدات 72

نشر في العدد 1944

نشر في الصفحة 36

السبت 19-مارس-2011

  • يمكن تشبيه الميدان بـ فرن انصهرت فيه عناصر عديدة وأخرجت منتجا جديدا.. هو ذلك المصري الذي بهر العالم بثورته المبدعة البيضاء النقية.
  • كان الإخوان بأخلاقهم وتواضعهم وصبرهم هم عمود الميدان الذي تواصلت معه بقية الفروع التي أقامت هذا الصرح من الصمود والمرابطة.

بعد انكسار الجهاز الأمني وانهياره أمام الدماء والأشلاء التي خلفها بسقوط مئات الشهداء وآلاف الجرحى رابط الثوار في ميدان التحرير»، وعزموا على عدم مغادرته حتى يرحل الرئيس.. ورفعوا شعارهم المعبر والمختصر ارحل »... «الشعب يريد إسقاط النظام.

بدأ شباب الإخوان بما لهم من خبرات متعددة في تنظيم المعسكرات والمخيمات والمؤتمرات والتظاهرات بدؤوا في التعاون مع بقية الشباب، خصوصًا حركة 6 أبريل»، ومجموعة « خالد سعيد ، على موقع «فيسبوك»، والجمعية المصرية للتغيير، وحزب الغد جبهة أيمن نور، وحزب الجبهة، إضافة إلى أعداد كبيرة من الشباب المستقلين تمثل أضعاف الشباب المنتمين إلى قوى وحركات سياسية.

وخلف هؤلاء وقف مجموعة من المثقفين والفنانين والصحفيين والإعلاميين والكتاب يدعمونهم ويشحذون هممهم.. كما كان لبعض الرجال الوطنيين دور كبير في دعم هؤلاء الشباب بالفكرة والاقتراح والنصيحة والتحذير.

وبتوفيق من الله نجحت قيادة الإخوان في إدارة شبابها خلال الثورة حيث وضعت لهم الخطوط العريضة، وتركت لهم التفاصيل طبقا لمستجدات الميدان والتفاعل مع بقية القوى الموجودة.. وكان أهم ما ميز الإخوان في هذه الثورة هو إنكار الذات، وإخفاء الهوية، والذوبان مع أبناء الثورة.. حتى يمكننا أن نشبه هذه الثورة بالفرن الذي دخل فيه العديد من العناصر لتذوب معا وتخرج منتجا جديدا، هو ذلك الثائر المصري الذي بهر العالم بثورته المبدعة البيضاء النقية.

عمود الميدان

كان الإخوان بأخلاقهم وتواضعهم وصبرهم وجلدهم هم عمود الميدان الذي تواصلت معه بقية الفروع التي أقامت هذا الصرح من الصمود والمرابطة. ولعلي أصدق القارئ هنا عندما أتحدث

عن شعوري الشخصي، حيث بدأنا هذه التظاهرات ولم يدر بفكري أن تسفر عن ذلك النجاح الواسع والتأييد الكبير.. كانت أقدار الله تسيرنا، وكانت مطالبنا تتصاعد يوما بعد يوم من غير ترتيب منا أو تخطيط يطمح لتلك النتائج التي وفقنا الله إليها بصورة أكبر مما كنا نتوقعه.

كنت - على سبيل المثال - واحدًا من الذين دخلوا في مرحلة اللاعودة» ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ﴾ (البقرة: ٢١٦)، كنت وغيري من الإخوان نشحذ همم إخواننا بتذكيرهم إنما النصر صبر ساعة، وكنا نذكرهم بالآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران:200).

كنا نحذر إخواننا من الانسحاب من الميدان، أو التوقف عن الزحف أو الانخداع بوعود النظام.. كنا نرفع شعار النصر أو الشهادة.. نخرج من بيوتنا وقد تركنا وصايانا: لأننا على قناعة بأننا قد لا نعود، ربما نقتل أو نعتقل، وأننا لو توقفنا ونجح النظام في التهدئة والتقاط الأنفاس، فسنكون أول من يدفع الثمن، وقد تكون أرواح بعضنا أو في أحسن الأحوال السجن بعد محاكمات عسكرية ظالمة توزع أحكامها لتتراوح بين الإعدام والسجن لعشر سنوات في حده الأدنى.. ولم لا ونحن نعمل على قلب نظام الحكم، كما ينظر إلينا النظام؟!

ذكرنا إخواننا المعتصمين بأن البقاء في میدان التحرير أفضل من الإقامة في سجون النظام، وهيأنا أنفسنا إلى المرابطة لمدة شهور وفي أحسن الأحوال لمدة أسابيع، وشاء الله وعجل بالفرج.

كان شباب الإخوان نواة الميدان الصلبة وحولهم أعداد مضاعفة لهم وقفت معهم وقدمت نماذج عظيمة وجليلة لشباب مصر العظيم، بل لشيوخ مصر ونسائها وأطفالها من كل الأطياف والأعمار والتيارات.. وكان خطاب الإخوان الصادق: إن هذه الثورة هي ثورة الشعب ونحن جزء منها، نعمل معها ولا ندعي قيادتها..

خطوط الدفاع

ميدان التحرير تحول إلى دولة ميدان التحرير، أو جمهورية التحرير.. فيها قادة أركان، لكنهم متواضعون لا يظهرون أنفسهم... وفيها قوات للدفاع لا تحمل أي سلاح إلا السواعد الفتية والعضلات المفتولة، لكنها تقف في صفوف متراصة وتقتحم المداخل لتفتحها وتواجه بلطجية النظام وفلوله... فيها الأطباء الذين قاموا بمهمة جليلة ساعدت الثوار على البقاء، وإلا لو ذهب هؤلاء الآلاف من الجرحى إلى المستشفيات الحكومية لما عادوا إلى الميدان؛ حيث تقوم هذه المستشفيات بإخطار جهات الأمن التي تقوم باعتقال هؤلاء المصابين وفتح ملفات لهم!

كنت تشاهد في الميدان كل التخصصات وكل يقوم بدوره، من يفهم في الكهرباء يقوم بأعمالها، ومن يحسن الهتاف أو الغناء يؤدي دوره شباب وفتيات من مستويات راقية بادروا بحمل المقشات» وأكياس القمامة وبدؤوا بتنظيف الميدان ليقدموا نموذجا للآخرين الذين تسابقوا في الخدمة العامة. المهندسون وضعوا خطط تأمين الميدان وتقسيمه، والإشراف على وضع المتاريس في مداخله، والتي كانت عبارة عن سيارات الأمن المحترقة، وألواح معدنية وخشبية كانت موجودة لشركة مقاولات تقوم بإنشاء مشروع كبير بميدان التحرير.. لم يكتف المهندسون والشباب بعمل خط دفاع واحد، بل عدة خطوط وعدة حواجز وعوائق، تعين المدافعين على الصمود.

نماذج عظيمة

في دولة التحرير الجديدة، كانت نماذج الإيثار والتعاون والتواضع، والذلة على الثوار والكبرياء على النظام.. تجد العامل البسيط إلى جوار المثقف يد بيد المرأة البسيطة إلى جوار فتيات الجامعات الأمريكية والألمانية والفرنسية والبريطانية بالقاهرة، إضافة إلى بنات الجامعات الحكومية.

الفقراء إلى جانب الأغنياء، الكل واحد كأنك في جبل عرفات، أو في الحرم المكي أو مشهد الجمرات.. لا تحرش من أحد لأحد، ولا مضايقة من هذا لذاك الكل يفسح لأخيه، والكل يتعاون، والكل ينظر إلى الهدف، وهو إسقاط النظام.

كنا نمضي اليوم بأقل الطعام والشراب أحيانا يكتفي الواحد منا ببعض تمرات كان بعض الشباب أو الفتيات يقومون بتوزيعها وأحيانا قطعة حلوى، أو شطيرة خبز، أو علبة كشري» أكلة شعبية شهيرة، وكان بعضهم يفضل الصيام تقربا إلى الله في هذه الظروف القاسية.. وفي كل الأحوال كنت تلحظ الإيثار بين الثوار فلا يأخذ أحد إلا أقل من حاجته!

خدمات وتأمين

سعى الإخوان مع شركاء التحرير إلى استقدام بعض الخيام البسيطة، أو صناعتها يدويا داخل ميدان التحرير من البلاستيك العازل للأمطار والهواء، وكان جمال هذه الخيام في بساطتها وتلقائيتها؛ حيث لم يستطع الشباب إدخال كميات من الخيام الجاهزة، إما بسبب التضييق الأمني وحظر التجول الذي كان مفروضا، وإما بسبب قيام عناصر الأمن وبلطجية الحزب الحاكم بمصادرة هذه الأدوات حيث لم تتوقف المصادرة عند هذا الحد، بل تعدتها إلى مصادرة الأدوية والأطعمة والمشروبات، وكذا ميكروفونات الإذاعة!

ومع ذلك، نجح شباب الإخوان وغيرهم من تشكيل فرق حماية لتأمين دخول بعض المواد، أو دفع البلطجية الذين كانوا يقومون بإغلاق بعض الشوارع المؤدية إلى ميدان التحرير لمنع الثوار من الدخول أو المصادرة ما يحملونه من مواد غذائية.. وكان الشباب يخرجون بأعداد كبيرة في شكل تظاهرة نتجه إلى حيث يقف هؤلاء البلطجية أو القراصنة ويتعاملون معهم، وأحيانا كثيرة كانوا يقومون باعتقال العناصر التي تصر على الشغب منهم ويقومون بتسليمهم إلى رجال الجيش.

بدأ الميدان في أيامه الأخيرة يتحسن من حيث وجود بعض الخدمات عن طريق عدد من الباعة الجائلين الذين جلبوا الماء والمشروبات الغازية والعصائر، إضافة إلى بعض السندوتشات الخفيفة وأطباق الكشري»، التي شجعت بعض المشاركين على الصمود واستمرار المرابطة في الميدان.

جانب من المشاركين في ميدان التحرير حضروا بعائلاتهم نساء وأطفال وشيوخ للمشاهدة والمشاركة في هذا الحدث التاريخي الذي لا يتكرر ربما إلا كل عدة عقود أو قرون!

الرابط المختصر :