; جمهوريات آسيا الوسطى ضريبة الاستقلال.. هزة اقتصادية خانقة | مجلة المجتمع

العنوان جمهوريات آسيا الوسطى ضريبة الاستقلال.. هزة اقتصادية خانقة

الكاتب سعد اللبان

تاريخ النشر الثلاثاء 06-يناير-1998

مشاهدات 60

نشر في العدد 1283

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 06-يناير-1998

آسيا

* الهيئات العاملة في حقل الدعوة الإسلامية في وضع صعب أمام هجمات المنظمات التنصيرية.

موسكو: 

شهدت الفترة الأخيرة تغيرات عميقة في جميع النواحي الاقتصادية بجمهوريات آسيا الوسطى.. فقد أصدرت كل دولة عملتها الرسمية بعيدًا عن الروبل الروسي وكنوع من الاستقلال «كازاخستان: نتجه، أوزبكستان: سوم ثم كوبون ثم عودة إلى السوم عام 94، تركمانستان: منات، قيرغيزستان: سوم» وكلها تنهار بصورة أو بأخرى أمام الدولار الأمريكي.

وقد ارتفعت الأسعار مرات عديدة بشكل واضح، حتى أصبح ارتفاع الأسعار بين كل شهرين من الأمور الطبيعية والمتوقعة لدى الناس، وكان الارتفاع الأعمق تأثيرًا في عام 1994م إذ قفزت الأسعار فيه أضعافًا مضاعفة، والنتيجة أن متوسط الارتفاع في الأسعار بين عامي 1991م و1995م يزيد على 10 مرات.

أما الرواتب فقد ارتفعت بما يعوض «العشر» من الارتفاع المذكور في الأسعار تقريبًا، هذا في المدن الكبيرة أما الأرياف والمدن الصغيرة والضواحي فالناس لا تستلم رواتبها لمدة تصل إلى السنة وفي النهاية يدفعون للعامل رواتبه في صورة مواد تموينية من إنتاج المزرعة أو المعمل الذي يعمل به، ولقد رأيت في ضواحي أكملا مثلًا أئمة مساجد وعمالًا يعملون بالمزارع الحكومية أقسموا أنهم لم يروا العملة النقدية بأي صورة من صورها منذ أكثر من شهور.

كان لهذه الظروف والمتغيرات الاقتصادية آثارها العميقة وبعيدة المدى على الناحية الدعوية والدينية سنوضحها فيما بعد.

وبجوار ما ذكرنا فإن الاقتصاد ينقلب تدريجيًا في تلك المنطقة رأسًا على عقب ويتحول بسرعة كبيرة إلى الاقتصاد الرأسمالي الحر وإن كان للآن في صورته الحالية لا يمت إلى أي من صور الاقتصاد بأي صلة وأهم جوانبه:

- تحويل الملكية الفردية لتكون هي أساس هذا الاقتصاد، وخاصة بعد أن رفعت تلك الدول حكرها عن كثير من الفنادق والمباني والمستشفيات والمطاعم والحدائق وغيرها.

- فتح المجال على مصراعيه أمام الشركات الأجنبية وخاصة الكيان الصهيوني، الولايات المتحدة، تركيا، إيران، ألمانيا، وكوريا الجنوبية.

- فتح شركات مشتركة في معظم مجالات الاستثمار، التي ساهمت في بناء المشاريع الاستهلاكية وبعض المصانع، كمصنع السيارات الألمانية «مرسيدس» في إحدى مدن أوزبكستان تركيب فقط.

- مواصلة هجرة العقول والخبراء والأيدي المدربة إلى الدول الأجنبية.

- كما أثرت التغيرات الاقتصادية على جميع مجالات الحياة الأخرى، فقد رسخت عند البعض النزعة المادية البحتة وخاصة بين سكان المدن الكبرى وهو ما أدى إلى ضعف الروابط الاجتماعية بين الأفراد والأسر وزيادة حدة الصراع على موارد الحياة، وقد ظهرت الطبقية وكشرت عن أنيابها كأبرز ما يكون، فأصبح 60% من السكان تقريبًا تحت خط الفقر المدقع، وظهرت مقابلها طبقة غنية تحثو المال حثوًا، وتضاءلت الطبقة المتوسطة وتوجهت غالبية الشعب لممارسة التجارة -سواء من لديه مهنة أو وظيفة أخرى أو ليس لديه، على اعتبار أن طريق التجارة أسهل وأكثر كسبًا وسرعة في الغنى، وزادت الجرائم المختلفة وانخفض مستوى الأداء الوظائفي- وخاصة في الصروح العلمية إذ غابت الرغبة في العلم والتعلم لدى الطالب والمعلم، وخرج بعض الطلاب مبكرًا في المدارس وراء الكسب.

أثرها على الناحية الدينية:

على صعيد آخر فقد تأثرت الدعوة الإسلامية في آسيا الوسطى بالحالة الاقتصادية التي سبق أن وضحناه تأثرًا بالغًا، ويمكننا أن نعزو ذلك للأسباب التالية:

- لم يستطع كثير من الدعاة والخطباء والمدرسين، الاستمرار في التفرغ للعمل الدعوي في ظل هذا الغلاء الفاحش والمتواصل، آخذين بعين الاعتبار ضآلة الراتب- إذا كان الداعية أو الخطيب موظفًا من قبل الإدارة الدينية- وشح الإمدادات الخارجية، مما اضطر كثيرًا منهم إلى مزاولة عمل آخر، وأقرب ما يكون هذا العمل هو التجارة ومعنى ذلك:

- انخفاض الساعات الوقتية المخصصة للدعوة والتعليم بشكل واضح.

- انشغال الداعية بأمور دنيوية، تؤثر على مستوى أدائه وعطائه، بالإضافة إلى التعب النفسي والبدني.

- انصراف بعض الدعاة عن عملهم في بعض الأماكن التعليمية والدعوة أحيانًا، وفقدانها للمدرس مما يؤدي إلى اضطراب في الجدول الدراسي والعملية التعليمية.

- ضعف إقبال الطلاب على طلب العلم الشرعي بصورة تختلف عن السنوات الثلاث الماضية والتفرغ له، ذلك أن شبح الأزمة الاقتصادية يطارد الجميع، لاسيما إذا كان من عائلة فقيرة، وهكذا قد انقطع البعض نهائيًا، وأخذ غيرهم بالتردد على الدروس الدينية بشكل غير دوري -حسب وقت الفراغ- مما يؤثر تأثيرًا مباشرًا على مستوى انتباهه واهتمامه وتحصيله.

- شغل البعض من مدرسين وطلاب علم، بأمور المال، بعدما ضاقت عليهم الدنيا، وتحولت ممارسة التجارة وكسب المال من وسيلة لديهم إلى غاية بحد ذاتها مما شوه صورة المبادئ التي يدعو إليها الخطباء في نفوس البعض.

- عزف بعض أولياء الأمور عن إرسال أطفالهم إلى الحجرات أو المدارس الشرعية بحسب صورة التواجد، لأن ذلك يكلفهم حوالي 8- 50 دولارًا شهريًا للطفل الواحد، تدفع نقدًا للقائمين على عملية الدراسة مقابل طعامه وشرابه وإقامته هناك، والجدير بالذكر أن التعليم في الحجرات مثلًا لمدة 60 سنة مرت لم يكن له هذه الصفة أبدًا، فيما مضى.

- من جهة أخرى أضرت هذه الأزمة الاقتصادية بالأخلاق الأساسية للمجتمع وأبسط صورة لذلك هي قبول الرشوة مقابل أي عمل، بل إلى طلبها في معظم الأحيان وعرقلة عمل المواطن الذي لا يدفع.

إن كل ما ذكرنا سابقًا هو غيض من فيض، فالبائع والفلاح يطففان الميزان ويخلان بالمكيال طمعًا في نيل زيادة في الربح ولو قليلًا، وهذا داء عضال منتشر في الأسواق بشكل ملحوظ، ناهيك عن انتشار الكذب والغش من أجل ترويج البضائع، لا ننسى الاستخدام الكثيف للكيماويات في الحقول بصورة مضرة للجسم وغير مسموح بها قانونيًا، ناهيك عن طرق الغش الأخرى، ومن لا يستطيع الارتشاء أو تطفيف المكيال وتعضه ظروف الحياة فماذا يفعل وما ردود فعله؟

يضطر البعض إلى التوجه إلى المنظمات التبشيرية التي تظهر عطفها بالأموال والحمد لله فإن فئات قليلة هي التي تتوجه لهذا السبب رغم شدة هذه الضائقة.

لكن الخطر هو أن بعض الفتيات يبعن أعراضهن، من أجل لقمة العيش وساعد على ذلك وجود نسبة كبيرة من بنات الشعب الروسي في البلاد وخاصة في المدن الكبرى ممن لا يردعهن دين أو شرف أو عرف أو عادة، وهو ما يزيد من حجم المصيبة وتهوى بالشباب الطائش والغض الذي عجز كثير منهم عن الزواج لهذه الأزمة نفسها، والجدير بالذكر أن مهنة بيع الأعراض أصبحت تجارة لدى بعض الفئات، وأصبحت مهنة تزاول بشكل ثابت ومستمر وليس لرد غائلة جوع أو عطش.

أما البعض الآخر فيسلك طرق الجرائم من قتل ونهب وسرقة وإتجار بمواد محظورة، وقد تبع هذا كله تفكك أسري في بعض البيئات، وغنى فاحش في شرائح أخرى أعماها المال وحبه عن التفكر في شيء يمت للدين بصلة.

إن ما ذكرناه سابقًا يعني انهيارًا اجتماعيًا، وكارثة عظمى، لولا أن الله سبحانه ييسر لكل داء دواء، وهذا معناه مسؤوليات مباشرة على الهيئات والمؤسسات العاملة في حقل الدعوة الإسلامية، فالعمل الإسلامي يتأثر تأثرًا كبيرًا بالوضع الاجتماعي كما أن الإنسان عنصر أساسي، وهدفه وغايته الأولى والأخيرة هي الارتقاء بهذا الإنسان لنيل رضاء الله عز وجل، ووسيلته الأولى والأهم هي الإنسان أيضًا الذي اختاره الله تبارك وتعالى ليكون خليفته في الأرض، ليعمر لا ليدمر، ويصلح لا ليفسد.

الرابط المختصر :