; جلسة مع ابن قيم الجوزية (287) | مجلة المجتمع

العنوان جلسة مع ابن قيم الجوزية (287)

الكاتب أبو عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 17-فبراير-1976

مشاهدات 87

نشر في العدد 287

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 17-فبراير-1976

أخي الفاضل 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

الدين كله خلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين، وقد قيل: حسن الخلق بذل الجميل وكف القبيح، وهو أيضًا التخلي عن الرذائل والتحلي بالفضائل، وحسن الخلق يقوم على أربعة أركان، لا يتصور قيام ساقه إلا عليها: الصبر، والعفة، والشجاعة، والعدل. فالصبر: يحمله على الاحتمال وكظم الغيظ وكف الأذى والحلم والأناة والرفق وعدم الطيش والعجلة. والعفة: تحمله على اجتناب الرذائل والقبائح من القول والفعل وتحمله على الحياء. وهو رأس كل خير. وتمنعه من الفحشاء والبخل والكذب والغيبة والنميمة. والشجاعة: تحمله على عزة النفس، وإيثار معالي الأخلاق والشيم وعلى البذل والعطاء، الذي هو شجاعة النفس وقوتها على إخراج المحبوب ومفارقته.

والعدل: يحمله على اعتدال أخلاقه، وتوسطه فيها بين طرفي الإفراط والتفريط، فيحمله على خلق الجود والسخاء الذي هو توسط بين الذل والقحة. وعلى خلق الشجاعة الذي هو توسط بين الغضب والمهانة وسقوط النفس.

أخي، يا من أحبك في الله:

منشأ جميع الأخلاق السافلة، وبناؤها على أربعة أركان: الجهل، والظلم، والشهوة والغضب. فالجهل: يريه الحسن في صورة القبيح والقبيح في صورة الحسن، والكمال نقصًا والنقص كمالًا. والظلم: يحمله على وضع الشيء في غير موضعه؛ فيغضب في موضع الرضى، ويرضى في موضع الغضب، ويجهل في موضع الإقدام، ويقدم في موضع الإحجام، ويتواضع في موضع العزة، ويتكبر في موضع التواضع.

والشهوة: تحمله على الحرص والشح والبخل وعدم العفة والنهمة والجشع والذل والدناءات كلها. والغضب: يحمله على الكبر والحقد والحسد والعدوان.

ويتركب من بين كل خلقين من هذه الأخلاق أخلاق مذمومة، وملاك هذه الأربعة أصلان: إفراط النفس في الضعف، وإفراطها في القوة، فيتولد من إفراطها في الضعف: المهانة والبخل والخسة واللؤم والحرص، ويتولد من إفراطها في القوة: الظلم والغضب والفحش والطيش. 

فالأخلاق الذميمة يولد بعضها بعضًا، كما أن الأخلاق الحميدة يولد بعضها بعضًا.

أخي، يا من أسأل الله لك الجنة:

إن كل خلق محمود مكتنف بخلقين ذميمين، وهو وسط بينهما، وطرفاه خلقان ذمیمان؛ كالجود: الذي يكتنفه خلقا البخل والتبذير، والتواضع الذي يكتنفه خلقا الذل والمهانة. فإن النفس - أخي الحبيب - متى انحرفت عن التوسط انحرفت إلى أحد الخلقين الذميمين ولا بد، فإذا انحرفت عن خلق التواضع انحرفت إما إلى كبر وعلو، وإما إلى ذل ومهانة وحقارة، وكذلك إذا انحرفت عن خلق الصبر المحمود انحرفت إما إلى جزع وهلع وجشع، وإما إلى غلظة وقسوة.

وإذا انحرفت عن خلق الحلم انحرفت إما إلى الطيش والترف والحدة، وإما إلى الذل والمهانة، ففرق بين من حلمه حلم ذل ومهانة وحقارة وعجز، وبين من حلمه حلم اقتدار وعزة وشرف.

وإذا انحرفت عن خلق الأناة والرفق، انحرفت إما إلى عجلة وطيش وعنف، وإما إلى تفريط وإضاعة، والرفق والأناة بينهما.

وإذا انحرفت عن خلق العزة التي وهبها الله للمؤمنين، انحرفت إما إلى كبر، وإما إلى ذل.

وإذا انحرفت عن خلق الشجاعة انحرفت إلى تهور وإقدام غير محمود، وإما إلى جبن وتأخر مذموم. 

وإذا انحرفت عن خلق المنافسة في المراتب العالية والغبطة انحرفت إما إلى حسد، وإما إلى مهانة وعجز وذل ورضى بالدون.

وإذا انحرفت عن خلق الرحمة انحرفت إما إلى قسوة، وإما إلى ضعف قلب وجبن نفس، كمن لا يقدم على ذبح شاة ولا إقامة حد وتأديب ولد، ويزعم أن الرحمة تحمله على ذلك، وقد ذبح أرحم الخلق صلى الله عليه وسلم بيده في موضع واحد ثلاثًا وستين بدنة، وقطع الأيدي من الرجال والنساء، وضرب الأعناق، وأقام الحدود، ورجم بالحجارة حتى مات المرجوم، وكان أرحم الخلق على الإطلاق وأرأفهم، وكذلك طلاقة الوجه والبشر المحمود، فإنه وسط بين التعبيس والتقطيب وتصعير الخد، وبين الاسترسال بذلك مع كل أحد، بحيث يذهب الهيبة ويزيل الوقار ويطمع في الجانب، كما أن الانحراف في الأول يوقع الوحشة والبغضة والنفرة في قلوب الخلق.

أخي العزيز:

وأذكرك أن صاحب الخلق الوسط: مهیب محبوب، عزیز جانبه، حبيب لقاؤه، وفي صفة نبينا صلى الله عليه وسلم «من رآه بديهة هابه، ومن خالطه عشرة أحبه». 

أسأل الله تعالى أن يقينا شر أنفسنا، ويجعلنا من أهل الخلق الوسط، أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين.

وإلى رسالة قادمة إن شاء الله تعالى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

        أخوكم في الله

      ابن قيم الجوزية

المدارج/ 2 ص: 307- 311

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل