العنوان جلسة.. مع ابن حبان في كتابه: روضة العقلاء.. ونزهة الفضلاء
الكاتب أحمد محمد عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 12-يونيو-1973
مشاهدات 32
نشر في العدد 154
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 12-يونيو-1973
ما أبعد الإنسان وهو يعيش في مآثر الأجداد التي لم
يشهد التاريخ أروع من إيمانهم، ولا أصفى من إيمانهم، ذاك الإيمان الذي لم تعكره
الخرافات ولم تكدره شوائب، وما أشد سعادته حين يقوم برحلة مع كتبهم.. باستثناء كتب
الغلاة والفرق الصوفية.. تشعر النفس بلذة حين تقرأ قصصها وأشعارها الحقيقية..
اليوم نمضي في رحلتنا الميمونة مع رفيق آخر هو من
كبار العلماء قدرًا وأعلاهم شأنًا وإني لا أشك أبدًا في أنكم على الأقل قد سمعتم
بأحد ممن لم تكونوا عارفين له قدره ذلكم هو الإمام المحدث الكبير ابن حبان
البستي..
وابن حبان: هو الإمام المحدث الكبير أبو حاتم محمد
بن حبان بن معاذ بن معبد بن شهيد التميمي (1)، قال عنه أبو عبد الله الحاكم: «أبو
حاتم البستي القاضي كان من أوعية العلم في اللغة والفقه والحديث والوعظ ومن عقلاء
الرجال»، خرج له من التصانيف في الحديث ما لم يسبق إليه، ولي القضاء بسمرقند
وغيرها من المدن ثم ورد نيسابور سنة 354 وحضرناه يوم الجمعة في الصلاة، فلما
سألناه الحديث نظر إلى الناس وأنا أصغرهم سنًّا، فقال: استملِ.. قلت: نعم،
فاستمليت عليه ثم أخذنا وخرج إلى القضاء بنيسابور وغيرها، وانصرف إلى وطنه، وكانت
الرحلة للإنسان إلى مصنفاته».
وله من المصنفات الشيء الكثير النافع وأشهرها (الثقات-
الهداية إلى علم السنن- الجرح والتعديل- شعب الإيمان- صفة الصلاة- الصحابة-
التابعون- أتباع التابعين- تبع الأتباع- غرائب الأخبار_ التقاسيم... وغيرها).
قال في كتاب التقاسيم: «في أربع ركعات يصليها
الإنسان 600 سُنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، أخرجناها بفصولها في كتاب صفة
الصلاة، فأغناني ذلك عن نظمها في هذا النوع من الكتاب».
وقد أثنى عليه علماء كثيرون وعددوا مناقبه، ولكن
هناك من وصفوه بالكذب ولم يعتمدوا أقواله ومنهم الحسين بن علي الحافظ المحدث وأحمد
بن علي بن عمر سليمان البيكندي الذي ألف كتابًا في شيوخه ذكر فيه كل من تلقى على
أيديهم العلم وصنفه على أبواب فذكر ابن حبان في باب الكذابين.
وفاته: ذكر أبو
عبد الله الغنجار في تاريخه أن ابن حبان مات بسجستان سنة 354 هـ وذكر غيره أنه مات
ببست وهو الصواب، وذكر صاحب تاج العروس أنه مات بسمرقند والله أعلم.
منهج للعقلاء:
كتاب الروضة للبستي وضع منهاجًا للعقلاء في عصر كان
الناس فيه أحوج للنصيحة ومناهج الأخلاق الإسلامية من أي شيء آخر. فلنرَ ما قاله
ابن حبان في مقدمته عن عصره وعن سبب تأليف كتابه:
«أما بعد، فإن الزمان قد تبين للعاقل تغيره، ولاح
للبيب تبدله، حيث يبس ضرعه بعد الغزارة، وذبل فرعه بعد النضارة، ونحل عوده بعد الرطوبة،
وبشع مذاقه بعد العذوبة فنبغ فيه أقوام يدعون التمكن من العقل باستعمال ضد ما يوجب
العقل من شهوات صدورهم وترك ما يوجب العقل بهجسات قلوبهم، وجعلوا أساس العقل الذي
يعقدون عليه عند المعضلات: النفاق والمداهنة.
فلما رأيت الرعاع من العالم يغترون بأفعالهم والهج
من الناس يقتدون بأمثالهم، دعاني ذلك إلى تصنيف كتاب خفيف، يشتمل متضمنه على معنى
لطيف، مما يحتاج إليه العقلاء في أيامهم من معرفة الأحوال في أوقاتهم، ليكون
كالتذكرة لذوي الحجى عند حضرتهم، وكالمعين لأولي النهى عند غيبتهم.. أبين فيه ما
يحسن للعاقل استعماله من الخصال المحمودة، ويقبح به إتيانه من الخلال المذمومة».
إذا تأملنا معالم ذلك المنهج الذي يتضح لنا من
المقدمة أن ابن حبان وضعه كعلاج لمفاسد عصره وجدناه منهجًا واضحًا بل ومتكاملًا
يستمده جامعًا من القرآن والسنة المطهرة لذلك فهو يتميز بكافة مميزات القوانين
الإسلامية من إمكان تطبيقه في حياة الجماعة في كل الأوقات والظروف وغير ذلك من
المميزات.
كتاب روضة العقلاء:
الكتاب كما قلنا هو منهاج حياتي لكل من يريد أن
يتحلى بأخلاق الإسلام السمحة، ويعرضه المؤلف عرضًا أدبيًّا رائعًا يورد فيه ما
سمعه من الرواة من أحاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- وبعض أقوال السلف الصالح من
الصحابة والتابعين وأتباعهم وبعض أقوال الصوفية وأخبارهم، ثم يورد ما وصل إليه من
الأخبار والأشعار. ويضم كتابه أبياتًا مشهورة جدًّا تسمى القلائد لشهرتها وهي عيون
الشعر كله.
دعونا نستعرض الكتاب أو منهاج المرء المسلم في
معاملة المجتمع:
• لزوم العقل
• لزوم العلم
• إصلاح السريرة
• لزوم الصمت وحفظ اللسان
• لزوم الصدق ومجانبة الكذب
• لزوم الحياء
• لزوم التواضع
• التحبيب إلى الناس من غير مقارفة المآثم
• إفشاء السلام
• المزاح المباح
• المؤاخاة مع الخاصة
• صحبة الأخيار
• زيارة الإخوان وإكرامهم
• الابتعاد عن التجسس وسوء الظن
• الحث على مجانبة الحرص
• الزجر عن التحاسد والبغضاء
• الحث على مجانبة الغضب وكراهية العجلة
• مجانبة المسألة وكراهيتها
• الزجر عن الطمع
• لزوم القناعة
• لزوم التوكل على من ضمن الأرزاق
العفو عن الجاني
• الزجر عن قبول قول الوشاة
• قبول الاعتذار من المعتذر
• لزوم كتمان السر
• لزوم النصيحة للمسلمين كافة
• لزوم الحلم
• الرفق وكراهية العجلة
• الحث على تعلم الأدب ولزوم الفصاحة
• الحث على إقامة المروءات
• الحث على لزوم السخاء
• الحث على قبول الهدايا من الإخوان
• التفريج عن الناس بقضاء الحوائج
• إكرام الضيف
• المجازاة على الصنائع
• رعاية المسلم لرعيته
• عدم الاغترار بالدنيا
• ذكر الموت وتقديم الطاعات
أخي القارئ: إني لم أقصد من إيراد هذا المنهج
الإسلامي السليم فهرسة للكتاب، ولكني أوردته لبيان أخلاق السلف الصالح الذين نتمنى
أن نكون مثلهم أدبًا وعملًا، وقد طُبع الكتاب في المملكة العربية السعودية محققًا،
ولكنه ناقص من حيث الفهارس الفنية المتنوعة.
نماذج من الكتاب:
1- الأحاديث النبوية: «ما من خارج يخرج من بيته
يطلب العلم إلا وضعت له الملائكة أجنحتها رضا بما يصنع»، وقال صلى الله عليه وسلم
«أول شيء نهاني عنه ربي -بعد عبادة الأوثان- لعن الحمير وملاحاة الرجال».
2- أقوال السلف الصالح: قال عمر بن الخطاب «جالسوا
التوابين فإنهم أرق أفئدة»..
- قال
رجل للحسن البصري: «يا أبا سعيد، كيف أنت وكيف حالك؟ قال: كيف أصبح وأمسى
وأصبح ينتظر الموت ولا يدري ما يصنع به».
وكتب الحجاج إلى عبد الملك «إنك أعز ما تكون أحوج
ما تكون إلى الله، فإذا تعززت بالله فاعفُ فإنك به تعز وإليه ترجع».
قال الأصمعي: «تعلموا النحو، فإن بني إسرائيل كفروا
بكلمة واحدة، كانت مشددة فخففوها قال الله «يا عيسى إني ولَّدتُك» فقرأوا «يا عيسى
إني ولَدتك» مخففًا فكفروا.
3- الشواهد الشعرية:
إن المكارم أبواب مصنفة.. فالعقل أولها والصمت
ثانيها
والعلم ثالثها والحلم رابعها والجود خامسها والصدق
ساديها
والصبر سابعها والشكر ثامنها واللين تاسعها والعرف عاشيها
إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل خلوت ولكن
قل عليّ رقيب
ألم تر أن اليوم أسرع ذاهب وأن غدًا للناظرين قريب
(3) قال المقنع الكندي في صديق
ثقيل:
ألا يا مركب المقت الذي أرسى فلا يبرح
ويا من سكرات المو ت من
طلعته أروح
لقد صورت في فكري فلا أدري
لما تصلح
فلا تصلح أن تهجـى ولا تصلح
أن تمدح
بلى تصلح أن تقتـل أو تصلب
أو تذبح
وليس أخي من ودني بلسانه ولكن أخي من ودني في
النوائب
ومن ماله مالي إذا كنت معدمًا ومالي له إن عض دهر بغارب
احفظ لسانك إن لقيت مشاتمًا لا تجرين مع اللئيم إذا جرى
من يشتر عرض اللئيم بعرضه يحوِ الندامة حين يقبض ما
اشترى
لما ولي ابن علية صدقات الإبل
والغنم بالبصرة كتب إليه ابن المبارك كتابًا، وكتب في أسفله:
يا جاعل الدين له بازيًا يصطاد أموال
المساكين
احتلت للدنيا ولذاتها بحيلة تذهب
بالدين
يا فاضح العلم ومن كان ذا لب ومن عاب السلاطين
أين رواياتك في سردها عن ابن عون
وابن سيرين
فلما قرأ ابن علية الكتاب بكى ثم
كتب جوابه، وكتب في أسفله:
أفٍّ لدنيا أبت تواتيني إلا بنقضي
لها عرى ديني
عيني لحيني تدير مقلتها تطلب ما سرها
لترديني
محمد
شجاع الشايع