العنوان جلسة مع ابن القيم الجوزية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 30-سبتمبر-1975
مشاهدات 14
نشر في العدد 269
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 30-سبتمبر-1975
جلسة مع ابن القيم الجوزية
إعداد أبو عبد الله
أخي الداعية إلى الله،
فللجود عشر مراتب، افهمها، وتذكرها في كل
حين، واجعلها من طباعك:
الأولى: يجود بالنفس؛ إذ ظن البخيل بها...
يجود بالنفس إذ ضن البخيل بها ** والجود
بالنفس أقصى غاية الجود
الثانية: الجود بالرياسة، وهو ثاني مراتب الجود؛
فيحمل الجواد جوده على امتهان رياسته والجود بها، والإيثار في قضاء حاجات الملتمس.
وأما الثالثة -أخي الحبيب- فهي
الجود بالراحة والرفاهية وإجمام النفس؛ فيجود الداعية لله بها لَغَبًا وكَدًّا في
مصلحة غيره، ومن هذا جود الإنسان بنومه ولذته لسامره.
والرابعة: الجود بالعلم وبذله، وهو
من أعلى مراتب الجود، والجود به أفضل من الجود بالمال؛ لأن العلم أشرف من المال،
والناس في الجود به على مراتب متفاوتة، وقد اقتضت حكمة الله وتقديره النافذ ألا
ينفع به بخيلاً أبدا. ومن الجود بالعلم أن تبذله أن يسألك عنه، بل تطرحه عليه
طرحًا، وأيضًا أن السائل إذا سألك عن مسألة استقصيت له جوابها؛ فلا يكون جوابك له
بقدر ما تدفع به الضرورة. وهذا شيخي، شيخ الإسلام ابن تيمية كان إذا سُئِل عن
مسألة حكمية ذكر في جوابها مذاهب الأئمة الأربعة إذا قدر، ومأخذ الخلاف، وترجيح
القول الراجح، وذكر متعلقات المسألة التي ربما تكون أنفع للسائل من مسألته؛ فيكون
فرحه بتلك المتعلقات واللوازم أعظم من فرحه بمسألته. وقد سأل الصحابة -رضي الله
عنهم- النبيَّ ﷺ عن المتوضئ بماء البحر؟ فقال: "هو الطهور ماؤه، الحل
ميتته"؛ فأجابهم عن سؤالهم، وجاد عليهم بما لعلهم في بعض الأحيان إليه أحوج
مما سألوه عنه.
أخي الجواد...
فأما المرتبة الخامسة من مراتب
الجود فهي الجود بالنفع بالجاه؛ كالشفاعة والمشي مع الرجل إلى ذي سلطان ونحوه،
وذلك زكاة الجاه المطالب بها العبد.
والمرتبة السادسة: الجود بنفع
البدن على اختلاف أنواعه؛ كما قال ﷺ: "يصبح على كل سُلامَى من أحدكم صدقة، كل
يوم تطلع فيه الشمس: تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته صدقة، وبكل خطوة
يمشيها الرجل إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة." [متفق عليه].
والسابعة: الجود بالعرض؛ كجود أبي
ضمضم من الصحابة -رضي الله عنهم- كان إذا أصبح قال: "اللهم إنه لا مال لي
أتصدق به على الناس، وقد تصدقت عليهم بعرضي؛ فمن شتمني أو قذفني فهو في
حِلٍّ"، فقال النبي ﷺ: "من يستطيع منكم أن يكون كأبي ضمضم؟"، وفي
هذا الجود من سلامة الصدر، وراحة القلب، والتخلص من معاداة الخلق ما فيه...
أخي المجاهد،
وأتابع معك ذكر هذه المراتب العالية التي
أسأل الله أن يطبعنا عليها:
والمرتبة الثامنة: هي الجود
بالصبر، والاحتمال، والإغضاء؛ وهذه مرتبة شريفة من مراتبه، وهي أنفع لصاحبها من
الجود بالمال، وأعز له وأنصر، وأملك لنفسه وأشرف لها، ولا يقدر عليها إلا النفوس
الكبار؛ فمن صعب عليه الجود بماله فعليه بهذا الجود؛ فإنه يجتني ثمرة عواقبه
الحميدة في الدنيا قبل الآخرة. وفي هذا الجود قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ
سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ
إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: 40].
والمرتبة التاسعة -أخي الفاضل- هي
الجود بالخلق والبشر والبسطة، وهو الذي بلغ بصاحبه درجة الصائم القائم، وهو أثقل
ما يوضع في الميزان؛ قال النبي ﷺ: "لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى
أخاك ووجهك منبسط إليه". وفي هذا الجود من المنافع والمسار وأنواع المصالح ما
فيه، والعبد لا يمكنه أن يسع الناس بماله ولكن يسعهم بخلقه واحتماله.
أخي الحبيب،
ولكل مرتبة من مراتب الجود مزيد وتأثير
خاص في القلب والحال.
والله سبحانه قد ضمن المزيد للجواد،
والإتلاف للممسك.
وفقني الله وإياك لما يحبه ويرضاه، وحشرنا
جميعًا تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، وجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
وإلى رسالة قادمة إن شاء الله،
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أخوكم في الله
ابن قيم الجوزية
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل