العنوان جــــــذور الإرهاب في الفلبين.. أمريكية
الكاتب أحمد عبدالفتاح
تاريخ النشر الثلاثاء 30-مايو-2000
مشاهدات 77
نشر في العدد 1402
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 30-مايو-2000
الإرهاب بدأ منذ وطئت أقدام ماجلان أرض الفلبين، الاستعمار الإسباني مارس العدوان العسكري والاستغلال الاقتصادي والتنصير بالقوة.
ماركوس شن أبشع حملة عسكرية ضد المسلمين مستندًا إلى الدعم الأمريكي.. أطلق عصابات «الأخطبوط» و«الفئران» الكاثوليكية لقتل المسلمين.
عنف جماعة أبو سياف إحدى ثمار الإرهاب الأمريكي والإسباني.. ونتيجة طبيعية لحملات الإبادة وعدم تنفيذ اتفاقيات الحكم الذاتي.
الأمريكان ورثوا الإسبان في استعمار الفلبين ومارسوا البطش والتنصير بصورة أشد.. أخضعوا التعليم للإرساليات الكاثوليكية.. نقلوا ملكية الأرض للإقطاعيين الكاثوليك.. ووضعوا ثروات البلاد المعدنية تحت سيطرتهم.
ثورة المسلمين في الجنوب ظلت موجهة للجيش رغم بشاعة الممارسات الصليبية ضد السكان المسلمين.
اسم الفلبين يدل على تاريخها الذي يعتبر فريدًا من نوعه، فقد أطلق عليها هذا الاسم روي لوبيز أحد قادة الحملات الاستعمارية الإسبانية، فنسبها بذلك إلى فيليب أمير النمسا أنذاك، والذي أصبح من بعد ملكًا لإسبانيا باسم فيليب الثاني وكان قد سبقه إلى المنطقة بأكثر من سبعين عامًا فرديناند ماجلان الذي عرف بأنه رحالة برتغالي ولكنه عند وصوله إلى المنطقة عام ١٥٢١م وسماها سانت لازار كانت ممارساته تؤكد أن همه لم يكن هم رحالة جغرافي مستكشف، فقد كانت لا تختلف عن الممارسات العدوانية لكولومبوس ضد الهنود الحمر في أمريكا توطئة للحملات الاستعمارية التالية. وكان من وراء تمويل حملة ماجلان - مثل حملة كولومبوس - ملك إسبانيا، بعد كارثة المسلمين في الأندلس، فبدا ماجلان بالاعتداء على أهل البلاد الأصليين ومعظمهم من المسلمين.
فقد انتشر الإسلام عبر التجارة والدعوة وقد نشب قتال بين المعتدين وأهل البلاد بقيادة عدد من أمرائهم من أبرزهم لابو لابو في جزيرة سيبو، الذي رفض التسليم الماجلان وأعوانه وأسفر القتال بين الفريقين عن مقتل ماجلان ومعظم أعوانه، لتبدأ الحملات العسكرية الإسبانية الست بعد أكثر من أربعين عامًا، كان مصير أربع منها الإخفاق الذريع والهزائم المتوالية قبل التمكن من السيطرة على أجزاء من جزر الشمال، ثم إسقاط الولاية الإسلامية التي كانت قائمة في مانيلا أو حيث تقوم مانيلا الآن وسرعان ما بدأ تنفيذ الصيغة الاستعمارية الصليبية الكاثوليكية كصورة طبق الأصل لما شهدته فلسطين والأندلس من قبل بل وأطلق الإسبان على المسلمين في الفلبين اسم مورو مثلما كانوا يسمون المسلمين في الأندلس.
بدأ ذلك العهد الاستعماري، عدوانًا عسكريًا، واستغلالًا اقتصاديًا، وتنصيرًا بالقوة، وتشريدًا لمن يرفض التنصير إلى الجنوب.. ثم الملاحقة بالحملات العسكرية في مينداناو وسولو وغيرهما من الجزر التي كان يمكن أن ينقرض وجود المسلمين فيها أيضًا، لولا عجز الإسبان عن القضاء عليهم وعلى ثوراتهم المتتابعة من بعد.
آنذاك.. قبل ثلاثة قرون.. وبحملات التنصير الاستعمارية تلك.. بدأت كتابة الفصول الأولى من مأساة الفلبين، التي نعايش الآن واحدًا من مشاهدها، تتركز الأنظار فيه على عملية الاختطاف الإرهابية لسياح أوروبيين دون العودة إلى جذور المشكلة ولا السؤال عما تعرض له المسلمون من قبل.
لم يقتصر الاضطهاد الاستعماري على المسلمين، فبعد فترة من الزمن بدأت ثورات غيرهم من سكان الفلبين الأصليين وحتى من المستوطنين الجدد ضد الاستعمار الإسباني وكان من أشهر زعمائهم خوزيه ريسال الطبيب والشاعر والقائد العسكري الذي أعدمه الإسبان عام ١٨٩٦م، ورغم ذلك نجحت ثورته في إعلان
الاستقلال عن إسبانيا يوم 1898/6/12م.
اشترتها أمريكا بثمن بخس: في تلك الفترة كان الإرث الاستعماري قد بدأ ينتقل من الأوروبيين إلى الأمريكيين الذين خاضوا ضد الإسبان معارك الصراع على السيطرة والنفوذ في أمريكا الوسطى وجنوبها وفي البحر الكاريبي، وامتد صراعهم هذا إلى المستعمرات الإسبانية في الفلبين بعد أن أنهكت الثورات الوطنية الدولة الإسبانية، فوقعت يوم 1898/12/10م على صفقة تجارية مع الأمريكيين، تضمنت بيع الفلبين بمبلغ عشرين مليون دولار.. فيما عرف بمعاهدة باريس التي شملت كوبا وبورتوريكو بتلك الصفقة!.
وخلال شهور معدودة قضت الدولة الاستعمارية الجديدة على الاستقلال والدولة التي أعلنها الثوار ومارست ما مارسه الإسبان عدوانًا واستغلالًا وتنصيرًا.. بإتقان أكبر وبطش أشد، كذلك فكما صنعت فرنسا في الجزائر اعتبرت واشنطن الفلبين ولاية أمريكية.. ولاتزال آثار البطش الأمريكي قائمة إلى اليوم، وقد وضع الجانب التعليمي تحت إشراف الإرساليات الكنسية ودعم تمليك الجزء الأعظم من الأراضي الزراعية في الجزر ذات الغالبية المسلمة، لاسيما مینداناو للإقطاعيين من الكاثوليك، وهم دون ال 8% من سكان مينداناو، وأقل من ذلك في سواها من الجزر الجنوبية ويسري هذا الأسلوب من الاستغلال على الثروات المعدنية أيضًا، عن طريق الشركات الأمريكية مباشرة أو عبر شركات تتعاون معها بملكية النصارى من أهل الفلبين في الشمال، ومع أن نسبة الفقر بين عامة السكان تزيد على 40% فهي أكثر من ضعف ذلك في مناطق المسلمين، وتعدادهم أكثر من عشرة ملايين وإن كانت المصادر الغربية تقول - منذ عشرين عامًا وحتى الآن - إنهم في حدود خمسة ملايين، وكأنهم لا يتكاثرون إطلاقًا في إطار ازدياد عدد سكان الفلبين خلال الفترة نفسها من أربعين إلى خمسة وستين مليون نسمة!..
في ظل الاستعمار الأمريكي لاسيما في الثلاثينيات الميلادية الماضية... كانت واشنطن هي التي تزرع جذور الإرهاب في المنطقة فقرًا وقهرًا واضطهادًا دينيًا وسياسيًا واقتصاديًا، وهذا ما أوصل هذه الأيام إلى عمليات من قبيل اختطاف الرهائن الغربيين الذين أصبحوا ضحية قضية لا علاقة لهم بها.
في عام ١٩٣٤م وبعد ما عرف بالأزمة الاقتصادية الدولية الكبرى، وظهور بوادر الحرب العالمية الثانية، حصلت الفلبين على حكم ذاتي يبقي على السيادة الأمريكية فيها.. حتى إذا سيطر اليابانيون عليها عام ١٩٤١م وأقاموا حكومة شكلية بعد عامين، ثم أخرجوا منها عام ١٩٤٥م وعاد الأمريكيون، أصبح مستحيلًا من الناحية السياسية تجاهل حق الفلبين في الاستقلال، فلجأت واشنطن إلى أسلوبها الاستعماري الثاني، فكانت معاهدة الاستقلال يوم1946/7/4م مقترنة بسلسلة من الاتفاقات لتثبيت أقدام الاستعمار الجديد كما عرفته معظم البلدان النامية بعد الحرب العالمية الثانية، وحصل الأمريكيون على سائر ما أرادوه من امتيازات.. سياسية واقتصادية وعسكرية.. هذا فضلًا عن تبعية الحكومات الفلبينية لهم، وأولاها في عهد مانويل روكساس، الذي كان في مقدمة تصريحاته كرئيس للدولة المستقلة كيل المديح للولايات المتحدة الأمريكية الدولة الديمقراطية النموذجية.. أما الفلبين فلم تعرف الديمقراطية ولا الاستقلال الحقيقي عن النفوذ الأمريكي طوال خمسين عامًا تالية.
المسلمون يعاملون غيرهم بالحسنى: رغم التاريخ الطويل للاستعمار الإسباني والأمريكي، ورغم ما حفل به من اضطهاد شبيه بما وجده المسلمون في الأندلس وفلسطين على وجه التخصيص لم يعرف عن المسلمين في الفلبين، ولم يتهمهم أعداؤهم في الداخل أو في الخارج بأنهم استخدموا أساليب إرهابية مماثلة في معاملة أعدائهم من الأجانب أو المتعاونين معهم من داخل البلد ضد فريق من أهل بلدهم على غير دينهم، وهذا لزمن طويل. وجيلًا بعد جيل، مما يعود إلى تكوين شخصية المسلم فيما يعرف بأرخبيل الملايو الذي يضم إلى جانب الفلبين ماليزيا وإندونيسيا، وأبرز خصائص هذه الشخصية التحلي بالصبر وروح التسامح وهذا بعض ما يدفع بالمقابل دفعًا إلى التساؤل عن حجم ما تعرضوا إليه من اضطهاد بأشكال ودرجات إضافية من بعد حتى بدؤوا يلجؤون في وقت متأخر إلى استخدام العنف في السعي للحصول على حقوقهم.
الثورة على ماركوس: لم تندلع ثورة المسلمين في جنوب الفلبين إلا بعد أن تسلم فردیناند ماركوس السلطة بستة أعوام. فحتى بداية رئاسته عام ١٩٦٥م، كان المسلمون لا يحصلون على سائر حقوقهم، ولكن كان في إمكانهم التعبير عن المطالبة بها على الأقل، عبر مشاركتهم المحدودة في أجهزة الحكم، أو عبر الجمعيات والأحزاب التي يشكلونها، وكان منها جبهة تحرير مورو الوطنية التي أسسها نور میسواري عام ١٩٦٩م، وكانت بمثابة رد فعل على تشكيل عصابات الفئران والأخطبوط الكاثوليكية والتي لم تنقطع اعتداءاتها الوحشية على السكان المسلمين في الجنوب، بدعم من جانب ماركوس بالسلاح والتدريب، وأحيانًا عبر تدخل الشرطة ثم القوات العسكرية في فترة لاحقة، حتى إذا وصل ماركوس بأسلوب التصعيد إلى الذروة، وأعلن الأحكام العرفية في جزر الجنوب الإسلامية وشرع بحملة عسكرية شاملة ضد المسلمين... آنذاك فقط، في عام ۱۹۷۱م، اندلعت ثورة المسلمين في الجنوب.
لم يكن ماركوس حاكمًا مستبدًا على الصعيد الداخلي فحسب، بل كان مرتكزًا رئيسًا في منظومة الهيمنة الأمريكية بكاملها فيما يسمى الشرق الأقصى، وإن مسؤولية تصعيد اضطهاد المسلمين في عهده، وإشعال فتيل الحرب، هي مسؤولية أمريكية مباشرة، فما كان ماركوس يعقد أمرًا، أو يتخذ إجراء واحدًا بهذا الحجم.. دون الموافقة الأمريكية المسبقة.
رغم ذلك.. بقيت ثورة المسلمين في جنوب الفلبين تترفع عن ممارسات مماثلة لما كانوا يتلقونه حرقًا للقرى وتهجيرًا للسكان، واعتقالات جماعية، ومصادرة للممتلكات، بل كان المقاتلون الثائرون يركزون طاقاتهم على مواجهة الجيش الفلبيني في أراضيهم وهذا من أسباب تزايد الضغوط عالميًا على ماركوس في السبعينيات الميلادية، حتى اضطر إلى عقد معاهدة عام ١٩٧٦م في طرابلس الغرب بليبيا، وفيها تم الاتفاق على حصول ثلاث عشرة مقاطعة في الجنوب على الاستقلال الذاتي لصالح المسلمين فيها، وبعد أربعة شهور فقط نكث ماركوس بوعده وبتوقيعه، وجدد القتال رغم عدم وقوع ما يبرر ذلك، وهو ما لم يتهم به المسلمون في المنطقة أصلًا.
ولئن وجدت حركات التحرير نفسها قد اتهمت بتعدد زعمائها ونزاعاتهم وتطرف بعضهم، فهذا ما لا يسري على المسلمين في جنوب الفلبين بالذات، فقد ظهرت جبهة أخرى جديدة عام ۱۹۷۸م، وحملت اسم جبهة تحرير مورو الإسلامية بزعامة سلامات هاشم ويقدر عدد عناصرها بعشرات الألوف، وكان ظهورها بعد عامين من النكوص عن الاستقلال الذاتي وعن وقف العمليات العسكرية الحكومية، وبعد إخفاق محاولات الجبهة الوطنية بزعامة ميسواري في تحقيق أي إنجاز جديد خلال هذين العامين، ثم كان الانشقاق الثاني في عام ۱۹۹۱م عندما ظهرت جبهة التحرير الإسلامية بزعامة أبو سیاف، والتي تحمل المسؤولية عن عمليات احتجاز الرهائن في الوقت الحاضر، فكان ذلك بعد مرور خمسة عشر عامًا على اتفاقية الحكم الذاتي من جهة، وبعد أن ظهرت اتفاقية جديدة هبطت بعدد المقاطعات التي تحصل على الحكم الذاتي من ١٣ إلى ٤ فقط.
وكما تخلت الدول الإسلامية عن المسلمين في جنوب الفلبين في السبعينيات، وهم يتعرضون لأشد درجات الاضطهاد في عهد ماركوس، فقد كان الدور الذي قامت به في التسعينيات الميلادية هو تمرير الاتفاقية التي أخرجت جبهة مورو الوطنية من ساحة القتال دون الحصول على مقابل ولا السعي في وقت لاحق للحصول على ضمانات كافية لتنفيذ البنود المتعلقة حتى بالحكم الذاتي الجزئي في أربع مقاطعات فقط بعد أن كانت ثلاث عشرة مقاطعة، ناهيك عن الجوانب الاقتصادية، والتعليمية، والإدارية، وغيرها.
في قضية الرهائن الأخيرة: إن التعامل مع مأساة الرهائن الغربيين «ويوجد في جنوب الفلبين عشرات سواهم من الوطنيين الرهائن، ولكن لا يجدون اهتمامًا دوليًا مماثلًا» يجب أن يقوم على أربعة مرتكزات لا ينفصل أحدها عن الآخر:
عمليات العنف التي تصيب فريقًا من الأبرياء من خارج الساحة كلية مرفوضة بسائر أشكالها، ولا مجال في إدانة العنف لاستثناء حالة من الحالات استنادًا إلى أسباب أو تبريرات ما..
إن من يدين شكلًا دون آخر من أشكال العنف يفقد مصداقيته، ولا قيمة لمواقفه وإن وضعها في قالب دفاع عن حقوق وحريات وقيم وأخلاق، وهذا يسري أول ما يسري على واجب إدانة الإرهاب الذي يحمل عناوين رسمية وتمارسه حكومات وجيوش بإمكانات ضخمة ضد السكان أو فريق من السكان في أي بلد من البلدان...
إن الذين يتحركون في ساحة الإرهاب في إيرلندا الشمالية مثلًا، بأسلوب البحث عن حلول سياسية وعبر النظر في جذور المشكلة. ولا يصنعون ذلك في مثل مأساة الأحداث الراهنة في جنوب الفلبين، إنما يساهمون بذلك في ترسيخ أسباب انتشار مزيد من الإرهاب بدلًا من مكافحته من جذوره على المستوى العالمي، سيان ما زعموه لأنفسهم من احتكار موقف الصدارة في مكافحة الإرهاب الدولي...
إن مبدأ العدوان بالمثل كما يقرره الإسلام ويقر به حق المقاومة المشروع بمختلف المقاييس المنطقية، مبدأ يقرر في الوقت نفسه أن يكون الرد «على من اعتدى عليكم» ولا يندرج تحت وصف «من اعتدى عليكم» القيام بعمليات مسلحة ضد من لا علاقة لهم بساحة العدوان القائم.. أما الذين يلجأون إلى إدانة الإسلام عبر إدانة عملية استخدمت اسمه فهذا افتراء مقصود يضلون به العامة، وهم بذلك يحملون قسطًا كبيرًا من المسؤولية عن نشر مزيد من أسباب الردود الانفعالية على استفزازاتهم وافتراءاتهم وازدواجية معاييرهم.