; جزر القمر جرح لا يندمل | مجلة المجتمع

العنوان جزر القمر جرح لا يندمل

الكاتب رسلان عيين الملالى

تاريخ النشر الثلاثاء 24-أبريل-1990

مشاهدات 62

نشر في العدد 964

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 24-أبريل-1990

ليس في الأوساط السياسية الراهنة قضية مشجية ومؤلمة مثل قضية جزر القمر، فجزر القمر تشهد في هذه الحقبة مؤامرات رهيبة ومخططات جهنمية شرسة، ينسج خيوطها أكبر لاعب في السياسية العالمية على الإطلاق، وهو «المستعمر الفرنسي» من خلال قنواته السياسية المتعددة المتمثلة في الانقلابات والتغييرات الحكومية من حين إلى حين أو اغتيال الرؤساء.

وهو يعمل حاليًا في السر والعلن للقضاء على عقيدة الشعب القمري المسلم، وبالتالي الاستيلاء والاحتلال مرة ثانية على هذا الجزء من الوطن الإسلامي. ففرنسا لن تسمح لمن له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد أن يأخذ زمام هذه الجزر، فضلًا أن يكون ذا نزعة إسلامية، ولو كان الشعب كلهم يضمون أصواتهم إليه.

مؤامرات فرنسا

فمنذ ما ينيف على خمس عشرة سنةً حصلت جزر القمر الثلاث دون الرابعة على استقلالها من فرنسا على يد الرئيس الراحل «أحمد عبدالله» غير أن الاستعمار كما هو شأنه دائمًا لم يدع هذه البلاد تستنشق عبير الحرية، بل تتدخل تدخلًا مباشرًا، فأصبح هو الأمر والناهي، وهو الذي يصنع القرارات وبيده التقرير والتنفيذ، يولي من يشاء، ويطيح بمن يكرهه، وكأنه في العهد الاستعماري.. فقبل أربع عشرة سنة سلمها لأحد عملائه المدعو «علي صالح» بانقلاب عسكري أطاح بحكومة أحمد عبدالله آنذاك، وكان ذلك بعد الإعلان عن الاستقلال بأقل من شهر.

الانتفاضة ضد التوجه العلماني

واضطلع ذلك العميل بمهام رئاسته للبلاد، فأعلن علمانية الدولة، وأخذ يولي وجهه صوب المعسكر الشيوعي، وهنا بدأت الانتفاضات الشعبية ضد هذا التوجه الغريب الذي لم يكن يدور في خلد الشعب أو يتصوره؛ لأنه فعلًا توجه غريب، فهو توجه مفاجئ تمام المفاجأة، على ما وصاه ولقنه سيده المستعمر.

وشاء الله أن ينقشع هذا السحاب؛ إذ أطيح بهذا النظام في 13/5/1978م بانقلاب عسكري، عاد به أحمد عبدالله إلى السلطة مرة ثانية، واستبشر الشعب القمري بعودته، وخلع عليه الألقاب وأسماء الأبطال تفاؤلًا منه، بأنه سيتوجه به نحو الإسلام وشريعته السمحاء، بعد ما عانى من حكم الاستبداد والاضطهاد والتسلط على مدى ثلاثة أعوام.

توزع الحكام في ولاءاتهم

ولكن الرئيس عبدالله خيب آمال الشعب، وماطل في وعوده، وبقي الإسلام اسمًا فقط في هذه البلاد، ثم لم يلبث أن توجه إلى جنوب إفريقيا وأبرم معها معاهدات عسكرية واقتصادية، ولتطبيع هذه المعاهدات وحماية لاستمرارية بقائه على السلطة.. وهذا التحرك أيقظ مشاعر فرنسا التي لا تريد مشاركة غيرها في امتصاص دماء القمريين، فلم يكن لفرنسا إلا أن تشن حملة سياسية ضد الرئيس عبدالله منددة به ومحذرة له بكل أساليب التنديد والإنذار والضغوط، ليرخي لها العنان، ويفسح لها المجال لتتربع وتنتعش من غير منافس.

انداح هذا التوتر فترة انقطع من أجله الوحي من فرنسا، فلم تكن فرنسا تمد يد العون انتقامًا من عبدالله بسبب انحيازه السياسي والاقتصادي الجنوب إفريقيا.

فمن هنا وجدت جنوب إفريقيا ضالتها، فأكدت العلاقات مع جزر القمر، ونوت اللجوء النهائي إلى الجزر مسؤولية عليها، فشرع هؤلاء العنصريون يستولون على الأراضي، ويجلون أصحابها عنها بقوة وبدون مقابل، فلم تقف هذه المأساة عند حد اغتصاب الأراضي فحسب؛ بل تعدى إلى اعتداء على الأعراض.

وكان مما قرره العنصريون مشروعات لتنفيذ تشييد أربعة فنادق للدعارة ونشر الرذيلة والإباحية في هذا المجتمع الذي لم يعهد مثيلًا لهذه المباذل الحيوانية على مر الأحقاب وتوالي الأجيال، وتم بالفعل تشييد فندق واحد وافتتح بل استؤنفت ممارسة الانحلال الخلقي ونشر الفحش فيه.

سيطرة المرتزقة

وثمة أمر آخر وهو أن نفوذ المرتزقة في الآونة الأخيرة من عهد «عبدالله» أخذ شوطًا كبيرًا من الاتساع، فتغلغلوا في إدارة البلاد والسيطرة عليها، وكان آخر المطاف أن تورطت حكومة جزر القمر، وذابت بين هذه التيارات السياسية المختلفة المشارب، فكانت هناك الضغوط الفرنسية وبجانبها اللجوء العلني لجنوب إفريقيا، ناهيك عن تغلغل المرتزقة حتى في الشؤون الإدارية، ظل عبدالله في حيرة وأصابته الهوسة، وضربت جزر القمر بنكسة كأداء حتى ضاقت بها الأرض بما رحبت، لا فرنسا تمد يدها إليها ولا جنوب إفريقيا تنفق عليها إلا بمقابل من الأراضي، ومن المشين بل الأدهى والأمر أن ميزانية هذه الجزر ذهبت بها جيوب المرتزقة؛ لأن مكافأة هؤلاء كانت تعادل نصف الميزانية السنوية، وتقول المصادر: إن الديون التي غرقت فيها جزر القمر معظمها كانت تصرف للمرتزقة.

وبعد هذه الأجواء الساخنة وهذه الأوضاع الشنيعة والاضطرابات والتورط، تنبه عبدالله وأخذ ينفث الغبار عن وجهه؛ لينهض من السبات العميق، فقام متأثرًا بالديون والمشاكل التي أثقلت كاهله، فعاد إليه تفكيره وعلم أنه لا مفر من هذه المشاكل إلا بالتخلص أولًا من المرتزقة. فتحرك عبدالله وطلب من بعض الدول مساعدته لإبعاد المرتزقة من الجزر، لكن سرعان ما كشف الأمر، وكانت النتيجة «اغتيال الرئيس أحمد عبدالله عبدالرحمن» وذلك في 26 نوفمبر 1989م.

تنبيه الغيورين إلى الأخطار

والجدير بالذكر هو أنه لما لاحظ بعض السياسيين توجه الرئيس عبدالله إلى جنوب إفريقيا، بدأوا الإعراب عن استيائهم إزاء توجهات سياسة الرئيس عبدالله وتخبطاته العشوائية والنفوذ الكبير اللامحدود الذي كان يحظى به المرتزقة، فقدم البعض استقالتهم داخل الحكومة، ذلك لما رأى أن الأمر بيد غيره، كما لجأ عدد غير قليل إلى فرنسا فرارًا من هذا الاستعمار الجديد الغاشم، «استعمار جنوب إفريقيا».

وكان من هؤلاء اللاجئين رئيس مجلس الشعب القمري الأسبق السيد محمد تقي.

ومحمد تقي هذا هو الوحيد الذي يشار إليه بالبنان، وهو الذي تتطلع إليه الأنظار والآمال، فهو صاحب مواقف تاريخية معروفة؛ حيث إنه أول من استنكر على عبدالله تحركاته الخطيرة، فانسلخ من الحكومة، ولجأ إلى فرنسا ومكث هناك خمس سنوات، ثم رجع بعد مقتل الرئيس عبدالله ليدخل في انتخابات الرئاسة، لكن فرنسا كانت له بالمرصاد، وتوعدت إلا تسلم إليه السلطة لما لوحظ عنه من نزعته الدينية ومواقفه السياسية الأبية التي لا تنصاع إلى ما تطلبه فرنسا إلا ما كان موافقًا لعرف البلاد وملتها.

تزوير الانتخابات الرئاسية لصالح فرنسا

لقد كانت انتخابات الرئيس في جزر القمر انتخابات غير شرعية، مورس فيها تلاعب الغش من جانب الحكومة المؤقتة في المرتين، ففي المرة الأولى كان هناك ثمانية مرشحين، وفي المرة الثانية كانت بين تقي ومرشح الحكومة المؤقتة، وأعلنت بفوز المرشح الحكومي، وظلم تقي الذي كان يمتاز بأغلبية الشعب، وقال شهود عيان: إن التدخل الفرنسي في المرة الثانية في الانتخابات كان ظاهرًا بائنًا؛ حيث إنه كان الجيش الفرنسي يجبر الشعب بالسلاح حتى يدلوا بأصواتهم لصالح المرشح الحكومي، بل حتى الجيش مارس عملية الإدلاء.

عودة الاحتلال الفرنسي وواجب الأمة الإسلامية

هكذا تسلطت فرنسا على هذه الجزر المسلمة مرة ثانية، وهكذا يتظلم الشعب القمري دون أن نسمع من الدول الإسلامية همسًا ولا جهرًا، شجبًا ولا استنكارًا.

وعلى هذا فإننا نوجه هذا النداء إلى قادة الدول الإسلامية بطلب التدخل في هذه القضية لحسم الموقف؛ لأن تدخل فرنسا في الشؤون الداخلية القمرية يهدد مصيرها.. فالشعب القمري سيظل في حروب أهلية طاحنة إزاء هذا الظلم البواح الذي تخالف نظام الحقوق الإنسانية، إذا لم تتدخل الحكومات الإسلامية، حتى يترك لهذا الشعب حريته الكاملة في اختيار الرئيس الذي يرونه صالحًا.

وعلى جميع الشعوب الإسلامية أن تعي وتدرك عن كثب ما يدبره أعداء الدين، وأن يعرفوا ما يجري في البلاد الإسلامية؛ لأنه من المؤسف كون مثل هذه المأساة لا تعلمها الدول الإسلامية، بل يموهها ويزيفها الأعداء وكأنها حقائق، كما جرى في جزر القمر.

فهذا هو «تقي» اليوم يظلم، وغدًا فلان وعلان، وما كان ذنب تقي إلا أنه يحافظ على دينه، ويسعى إلى توطيد العلاقات مع الدول الإسلامية الشقيقة.

﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (البروج: 8).
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل