; جزر القمر بين أطماع فرنسا وإيران وغياب الدور العربي | مجلة المجتمع

العنوان جزر القمر بين أطماع فرنسا وإيران وغياب الدور العربي

الكاتب نور الدين محمد باشا

تاريخ النشر السبت 26-أبريل-2008

مشاهدات 60

نشر في العدد 1799

نشر في الصفحة 30

السبت 26-أبريل-2008

جزر القمر

بعد تحرير جزيرة «أنجوان» من قبضة الانفصاليين

  • صناديق مليئة بذخائر وأسلحة متطورة عليها عنوان السفارة الفرنسية بالعاصمة «موروني» تم العثور عليها في منزل محمد بكار!

بعد أكثر من عشر سنوات على حكم الانفصالين المدعومين من فرنسا الجزيرة «أنجوان»، نجح الجيش الوطني لجمهورية جزر القمر في تحرير الجزيرة من يد الانفصاليين بقيادة العقيد محمد بكار، وذلك في هجوم عسكري يوم ٢٥ مارس ۲۰۰۸م، لينهي الجيش الوطني بذلك على محاولة تفتيت جزر القمر تمهيدًا لحقبة جديدة من الاستعمار الفرنسي للجزر.

وقد ساعد الجيش الوطني الجزر القمر في تحرير جزيرة أنجوان من قبضة الانفصاليين الموالين لفرنسا قوة عسكرية من الاتحاد الأفريقي متمثلة في تنزانيا والسودان، بالإضافة إلى دعم مادي كبير من ليبيا، الذي تحول رئيسها معمر القذافي إلى ظهير المذهب آل البيت وحقهم في إقامة وطن قومي لهم!! وكانت بعض الدول الأفريقية قد عارضت مشاركة الاتحاد الأفريقي في تحرير الجزيرة مثل دولة جنوب أفريقيا الطامعة في نيل الدعم الفرنسي للظفر بمقعد أفريقيا في مجلس الأمن الدولي، هذا بالإضافة إلى الغياب العربي الكامل عن الأحداث التي مرت بها جزيرة أنجوان في السنوات الأخيرة، وفي المقابل كان هناك اهتمام إيراني تمثل في دعم مادي كبير لحكومة جزر القمر.

مشاهد ووقائع: وإذا نظرنا إلى العملية العسكرية التي أسفرت عن إنهاء سلطة العقيد محمد بكار في أنجوان، فلابد لنا من التوقف عند بعض المشاهد ذات الدلالات المحددة.

ففي يوم الأربعاء ٢٦ مارس عرض التلفزيون الحكومي TNC صورًا لصناديق مليئة بذخائر وأسلحة متطورة تم العثور عليها في منزل محمد بكار أثناء البحث عنه مسجل عليها عنوان السفارة الفرنسية في العاصمة موروني. وصرح محمد بكر دوسار مدير مكتب رئيس الجمهورية المكلف بالدفاع بأن حكومته ستطلب إيضاحات من فرنسا حول موضوع هذه الأسلحة.. وفي ضحى اليوم نفسه استقل العقيد محمد بكار و۲۲ من صفوة رجاله وحراسه بكامل أسلحتهم زورقًا أجنبيًا متوجهين صوب جزيرة مايوت القمرية المحتلة...

وفي مساء ۲۷ مارس أقلته ورفاقه طائرة تابعة لسلاح الجو الفرنسي إلى جزيرة «رينيون» الفرنسية في المحيط الهندي وتراوغ باريس في الاستجابة لطلب رسمي بتسليم محمد بكار ورفاقه للسلطات القمرية لمحاكمتهم بجزر القمر، رغم أن جزر القمر سبق أن سلمت المرتزق الفرنسي بوب دينار إلى السلطات الفرنسية إثر إطاحته بحكومة الرئيس سعيد جوهر عام ١٩٩٦م، كما سلمت زمرة من المرتزقة الفرنسيين حاولوا القيام بانقلاب ضد حكومة الرئيس عثمان غزالي عام ٢٠٠١م

 وقد جاء أقوى رد فعل رسمي حتى الآن على لسان ظافر بونو، رئيس البرلمان الاتحادي معلقًا على الحادثة في كلمته بالجلسة الافتتاحية لدورة الانعقاد الأول للمجلس في ٤ أبريل ۲۰۰۸م، حيث قال: «إن فرنسا تتعامل مع بلادنا بازدراء وبلطجة وعلينا أن نتذكر أن سيادة الدول وكرامتها متساوية من الناحية القانونية. إن علينا أن ترفع أصواتنا عالية وباستمرار للمطالبة بحقوقنا تجاه الآخرين، وإن علينا أن نعيد النظر في علاقاتنا القائمة أصلًا مع فرنسا. استنادًا إلى موقفها من الأزمة الراهنة».

القمريون يتنفسون الصعداء

ويزوال سلطة العقيد المتمرد محمد بكار تنفس القمريون الصعداء، وانقطعت أرزاق الوسطاء، وتخلص الرئيس أحمد عبد الله سامبي من أكبر تهديد داخلي لحكمه، وتدل المؤشرات على أنه سيركز جهوده من الآن فصاعدًا لإيجاد آلية سياسية متينة لتوطيد سلطته، بدءًا بالدفع لانتخاب حاكم موال له في جزيرة أنجوان، في الانتخابات المقررة خلال ٩٠ يومًا، يخفف به من وطأة الخلافات العميقة التي تسود علاقاته مع حاكمي الجزيرتين الأخريين محمد علي سعيد في جزيرة «موهيلي»، ومحمد عبد الوهاب في جزيرة «القمر الكبرى».

ومن المتوقع أيضًا أن تشهد المرحلة القادمة تصعيدًا لفظيًا ضد الاحتلال الفرنسي الجزيرة مايوت التي وصفها الرئيس سامبي من على منبر القمة العربية بدمشق لأول مرة بأنها أرض عربية محتلة، وكان مدير مكتب الرئيس المكلف بالدفاع قد صرح لوسائل الإعلام المحلية يوم ٣٠ مارس الماضي قائلًا: إن تحرير أنجوان هو بمثابة استقلال ثان لجزر القمر، وعين الحكومة الآن ترنو نحو مايوت لاستكمال سيادة الدولة على كامل ترابها الوطني.

وفي مطلع أبريل ٢٠٠٨م أصدرت حكومة الرئيس سامبي قرارًا يحظر على وسائل النقل الجوي والبحري نقل المواطنين القمريين الذين تطردهم السلطات الفرنسية من جزيرة مايوت إلى الجزر الأخرى بتهمة الإقامة غير الشرعية بالجزيرة، لأنها أرض قمرية محتلة وفقًا للقرار والهدف الأول من هذا التصعيد اللفظي هو الاستهلاك المحلي في مسعى لاستثمار نشوة النصر سياسيًا وتحويله إلى بطولات متصلة بالقضاء المبرم على المتمردين في أنجوان، والجسارة النادرة في مخاطبة المحتل في مايوت.. والهدف الثاني هو تثبيت العصفور الذي في اليد كضربة دبلوماسية استباقية من باب الهجوم خير وسيلة للدفاع، بهدف السعي لحماية الأوضاع الجديدة في الجزر الثلاث من أيدي العابثين وسماسرة الاستعمار الجديد، ولكنه إذا نجح في تحريك ولو جزئيًا للوضع الشاذ القائم في مايوت منذ عام ١٩٧٥م، فإن طريقه سيكون ممهدًا ليس فقط لتحقيق أهداف الثورة الخضراء، ولكن أيضًا ليصبح بطلًا قوميًا يوحد المنفصل من أرض الوطن ويجتهد في تحرير المحتل منها.

أهداف «الثورة الخضراء»

وقد أصبح هناك رغبة كبيرة من الرئيس سامبي لتعديل الدستور الحالي حتى يتمكن من الحكم فترة رئاسية ثانية، وهو الضمان الأكبر لتحقيق أهداف ما يطلق عليها «الثورة الخضراء» التي نادى بها «سامبي»، إثر عودته من إيران في ثمانينيات القرن الماضي، والتي فسرت على نطاق واسع بأنها: العمل على تحويل الشعب القمري من عقيدته السنية إلى ما يسميه هو: «مذهب آل البيت».

وليس الخبر كالعيان، فالعمل جار على قدم وساق من خلال المنح الدراسية والمراكز والمؤسسات الثقافية والخيرية الإيرانية في عواصم الجزر مقابل جهود عربية وإسلامية باهتة، حيث إن ما تنفقه إيران على المؤسسات الدينية القمرية من الأموال أكثر مما تنفقه في مؤسساتها الدائمة على الأرض، وهو دليل على عجز الفعل العربي الإسلامي في حماية الذات والتفريط البين فيما يمكن إنقاذه وحمايته من الاختراقات المدمرة.

مستقبل «أنجوان»

ويبدي بعض المحللين قلقًا مشروعًا حول مال جزيرة أنجوان بعد التحرير، عما إذا كانت الجزيرة ستعود عودًا حميدًا إلى ما كانت عليه قبل أحداث عام ١٩٩٧م. أو ما إذا كانت ستعود إلى حالة انفصالية وسيطة كتلك التي كانت عليها مع الرعيل الأول من الانفصاليين من أهل موتسامود الذين كان لهم السبق في الدعوة وقيادة الحركة الانفصالية في الجزيرة عام ١٩٩٧م، قبل أن ينقلب عليهم العقيد القادم من الريف محمد بكار عام ٢٠٠٠م وينقل عاصمة ملكه إلى بلدته بركان. ولم ينقذهم إلا انتخاب أحمد عبد الله سامبي رئيسًا للبلاد في مايو ٢٠٠٦م.. وتزداد المخاوف تفاقمًا من انتكاسة الوضع في أنجوان، في حال إذا لم ينجح الرئيس سامبي في مسعاه لتعديل الدستور والفوز بولاية ثانية.

 وفي النهاية لابد من التأكيد على أن ما يشغل فرنسا الآن إزاء الوضع الجديد هو ألا يطول مكوث القوة السودانية بالأراضي القمرية، ليس فقط لأنها أكثر الأطراف الداعمة جدية ونزاهة واستعصاء على سبل الغواية، ولكن أيضًا لأن استمرار وجودها في هذا البلد سيشكل خط تماس جديد بين الخرطوم وباريس يضاف إلى الاحتكاكات القائمة بينهما في تشاد، إضافة إلى الملاذ الأمن الذي وفرته باريس للمنشق السوداني «عبد الواحد محمد نور» أبرز الأدوات الغربية -في إشعال نار الفتنة في دارفور...

 في حين لا تشعر باريس بأي قلق كبير تجاه عدوى الأصولية الإسلامية، كما قد يظن، لأنها تعلم تمامًا البون الشاسع بين ثورة الإنقاذ التي قادها الرئيس عمر البشير في الخرطوم، و«الثورة الخضراء»، التي يقودها سامبي في موروني!!

الرابط المختصر :