العنوان جروزني - مشاهد من العاصمة الحزينة
الكاتب أحمد مالك
تاريخ النشر السبت 13-يوليو-2002
مشاهدات 77
نشر في العدد 1509
نشر في الصفحة 30
السبت 13-يوليو-2002
لا تختلف الحياة في العاصمة الشيشانية جروزني كثيرًا عن الحياة في مناطق أخرى في الشيشان إلا في حجم الجرائم التي ترتكب فيها بحق المواطنين من قبل الجيش الروسي، فالجرائم تزيد بزيادة أهمية المكان ما من شارع ولا حي سكني أو منطقة صناعية أو زراعية في جروزني إلا وللقوات الروسية فيها وجود بما يمتلكون من الأسلحة والآليات العسكرية، أما نقاط التفتيش الموزعة على الطرق فإنها لا تعد لكثرتها، وبإمكانك أن تشاهد عند إحدى نقاط التفتيش ما يجري عند نقطة التفتيش المجاورة، ومع ذلك لا بد أن تتعرض كل سيارة مع ركابها للتفتيش مرة بعد مرة.
وإذا لم يرق شكل أحد المارة أو الركاب لأحد المفتشين أو لم تعجبه حركته فإنه يعتقل فورًا ويتم إيصاله إلى أقرب مركز عسكري أو معسكر أو معتقل. وفي نشرة الأخبار المسائية . يعلن متحدث باسم الجيش الروسي في الشيشان عن قيام القوات الروسية الخاصة بتنفيذ عملية عسكرية أسفرت عن اعتقال مقاتل شيشاني أو قائد ميداني أو حتى مساعد الرئيس مسخادوف أو شامل باساييف! ومن المؤسف أن مثل هذه العمليات الناجحة تتم في العاصمة الشيشانية بالعشرات يوميًّا، هذا إذا كان يومًا هادئًا، أما إذا جاءت بعد قيام المجاهدين بعملية عسكرية ضد الجيش الروسي فإنه يجري اعتقال المئات من الشباب في المناطق المحيطة بموقع العملية ناهيك عن القصف العشوائي في تلك المنطقة حيث يقتل أو يصاب الأبرياء وتدمر المنازل.
حدثتني إحدى مواطنات جروزني وتدعى ياخا، وهي أم لثلاثة أولاد صغار بأنهم فزعوا ذات ليلة وهم نيام على دوي انفجارات وإطلاق نیران كثيف، وكأنما معركة تدور في دارهم. هرعت ياخا إلى أطفالها الذين استيقظوا من الرعب وبدأوا يبكون فإذا بقذيفة هاون تنفجر قرب نافذتهم وتزلزل المنزل وتحدث صوتًا مرعبًا حتى إن جميع النوافذ والأبواب تكسرت من شدة الانفجار وتقول لي ياخا: «نحمد الله على أن الحادث لم يخلف ضحايا فقد أدى حادث مماثل إلى مقتل جارتنا قبل ذلك بأيام»، وفي الصباح اكتشفت ياخا أن بنتها الصغرى البالغة من العمر سنتين قد أصيبت بالحول في إحدى عينيها من شدة الرعب وبعد إزالة الزجاج المكسور اضطر زوجها لتركهم والذهاب إلى عمله لكسب لقمة العيش.
هذه هي الحياة الطبيعية، في العاصمة الشيشانية.. تستمر على هذه الوتيرة منذ ثلاث سنوات لا يمر يوم أو ليلة إلا وتسمع عن مقتل أو اعتقال أو انفجار خلف عددًا من الجرحى أو دمر منزلًا من المنازل في أحد الأحياء السكنيـة في جروزني وأنت تمشي في شوارع المدينة المدمرة لا تكاد تلمح طيف ابتسامة أو ترى وجهًا مشرقًا، بل ثوب الحداد أصبح لباس هذا البلد منذ أن دخلته الآلة العسكرية الروسية.
هذا حال المواطنين المدنيين في جروزني حيث تسيطر القوات الروسية على الوضع حسب التقارير الرسمية في روسيا ولم تعـد هناك حرب.
رجع إليها من المواطنين من لم يدمر منزله– بفضل الله– أو قدر على إعادته وهي نسبة لا تتجاوز ١٠٪ من سكان المدينة الأصليين، أما الإعلام الروسي فيصف هذا الوضع بما يسميه عودة الحياة السلمية للعاصمة الشيشانية.
نعم إنها حياة سلمية في بلد لم يعرف القيم الإنسانية ولا قيمة الإنسان منذ نشأته مقتل مائة ألف شخص وإصابة ضعفي هذا العدد واعتقال عشرات الآلاف خلال أقل من ثلاث سنوات من شعب لا يتجاوز مجموع تعداد مليون نسمة ليس بشيء غريب في روسيا حيث قتلت السلطات عشرات الملايين من مواطنيها وذبحت وشردت شعوبًا بأكملها بمجرد تهمة عدم الموالاة لها.
ويبدو أن المقاومة العسكرية هي الوسيلة الوحيدة للشيشانيين من أجل البقاء على قيد الحياة، وهذه من الأمور التي لا يشك فيها الشيشانيون إذ ذاقوا الوبال في عام ١٩٤٤ عندما خدعهم الشيوعيون وتم نفي الشعب بأكمله إلى سيبيريا دون أن يتمكن من المقاومة وقد أكل الجوع والبرد- خلال ١٣ عامًا قضاها الشيشانيون في منفي سيبيريا ما يقارب نصف هذا الشعب، ويقول القائد الميداني شامل باساييف إنهم يقاتلون اليوم ضد الاحتلال الروسي حتى لا يقاتل أولادهم غدًا.
إنها قيم سامية يضحي هذا الشعب المسلم بكل ما يملك من أجلها وهي قيم قد زرعها رب العالمين في نفوسهم، ولولا ذلك لما كان هناك مبرر لمثل هذه التضحيات.