; جرائم السياسة الصهيونية تجاه الأوقاف الإسلامية في فلسطين | مجلة المجتمع

العنوان جرائم السياسة الصهيونية تجاه الأوقاف الإسلامية في فلسطين

الكاتب سليمان عبد الرحمن

تاريخ النشر الثلاثاء 31-أكتوبر-2000

مشاهدات 65

نشر في العدد 1424

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 31-أكتوبر-2000

*نظام الوقف في قلب الصراع مع الصهيونية.. واستهداف تصفيته جزء من استهداف تصفية الشعب الفلسطيني وطمس هويته.

*بينما سيطر اليهود على 75% من أراضي فلسطين لم يكونوا يمتلكون سوى 10% منها فقط.. ومن هنا نشطت عملية الاستيلاء على الأراضي وبينها أراضي الأوقاف.

*20% من الأراضي المحتلة عام 1948م كانت موقوفة.. تمثل سلسلة من المناطق الإسلامية خارج السلطة اليهودية.

*عمل المجلس الإسلامي الأعلى على تشجيع وقف الأملاك الخاصة على الذرية لقطع الطريق على محاولات بيعها للصندوق القومي اليهودي.

منذ اللحظة الأولى لاغتصاب فلسطين على أيدي العصابات الصهيونية الأثيمة، قبل أكثر من نصف قرن كانت «الأوقاف الإسلامية» ولا تزال في قلب الصراع المرير الذي تخوضه أمتنا العربية والإسلامية وفي طليعتها الشعب الفلسطيني المجاهد ضد هذا العدوان الغاشم، وكانت ولا تزال ميدانًا من ميادين المواجهة التي يرتكب فيها العدو ما يرتكب من جرائم منظمة واعتداءات مبرمجة، وأعمال همجية منهجية تحاول التستر خلف أقنعة مزيفة، تأخذ شكل خليط من الإجراءات الإدارية والسياسات الحكومية والتشريعات القانونية.

وبالرغم من الأهمية البالغة التي تمثلها الأوقاف الإسلامية في فلسطين دينيًّا وثقافيًّا واقتصاديًّا وحضاريًّا، وبالرغم مما حاق بها من جرائم الكيان الصهيوني وعصاباته وقطعان مستوطنيه، إلا أنها لم تحظ بما تستحقه من اهتمام المعنيين من المسؤولين الفلسطينيين، ولا من الهيئات والمؤسسات العربية والإسلامية والدولية المختصة بشؤون التراث والآثار والمعالم الحضارية للإنسانية، وهي التي تأتي في مقدمتها مقدسات فلسطين وأوقافها، وعلى رأسها المسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة بالقدس. 

ولسنا نقلل من الجهود العملية والعلمية التي بذلت -ولا تزال تُبذل- من أجل المحافظة على الأوقاف الإسلامية في فلسطين، وعلى جميع المنشآت والمؤسسات الدينية والتعليمية والصحية المرتبطة بها، ولكنها حتى الآن أقل بكثير مما يجب عمله، والأمر يحتاج إلى بذل مزيد من هذه الجهود وتكثيف كثير من الاهتمام في هذا الميدان الذي هو في حقيقته أحد ميادين الجهاد والمرابطة في مواجهة العدوان الهمجي الذي ترتكبه العصابات الصهيونية.

إن البحث في سجل الكيان الصهيوني بشأن الأوقاف الإسلامية في فلسطين يبين لنا أن كل صفحة من صفحاته أسود من أختها، ويكشف عن جانب من جوانب الإجرام المنظم الذي ترتكبه حكومة العدو دون رادع من أي نوع، وهذا ما يؤكده كتاب الباحث البريطاني مايكل دمبر، الذي حصل به علی شهادة الدكتوراة من جامعة إكسترا، وهو بعنوان  real's Policy Towards the Islamic Endowment in Pal- estine 1948-1988).

وقد صدر هذا الكتاب سنة ۱۹۹۲م عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية -بيروت-مترجمًا إلى اللغة العربية بعنوان: «سياسة إسرائيل تجاه الأوقاف الإسلامية في فلسطين ١٩٤٨ -۱۹۸۸م، ويقع في ۲۹۳ صفحة، ويحتوي على ستة فصول وخاتمة، ومزود بكثير من المراجع والمصادر الأولية والخرائط مع ملحق به صور عديد من المؤسسات الوقفية في فلسطين.

وباستثناء بعض الآراء والأفكار التي يتضمنها الكتاب، ولا نتفق مع المؤلف بشأنها، فإنه قد نجح في تقديم صورة واقعية لحالة نظام الأوقاف الإسلامية في فلسطين تحت الاحتلال الصهيوني، وكشف عن مسلسل الجرائم التي ترتكبها سلطات الاحتلال منذ أكثر من نصف قرن بهدف تصفية نظام الوقف، وتقويض مؤسساته وفاعلياته، والكتاب في مجمله يفضح كل الادعاءات والحيل الصهيونية التي حاولت من خلالها إضفاء مسحة قانونية على جرائمها ضد الأوقاف سواء في داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة سنة ١٩٤٨م، أو في كل من أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلة سنة ١٩٦٧م.

ينطلق المؤلف من مقولة أساسية مؤداها أن الوظيفة التاريخية لنظام الأوقاف الفلسطينية كانت ولا تزال تمثل في نظر المسؤولين والسياسيين الصهاينة خطرًا على السيطرة المؤسساتية للأغلبية اليهودية في فلسطين، وذلك على الرغم من السيطرة العسكرية الإسرائيلية الشاملة، والهيمنة السياسية والقانونية التامة، وفي المقابل فإنه يؤكد على أن نظام الأوقاف عميق الارتباط بالمشاعر الدينية والوطنية الفلسطينية، وأنه يشكل جزءًا أصيلًا من حركة النضال ضد الهيمنة الأجنبية البريطانية في عهد الانتداب والصهيونية من بعده.

وهكذا يضعنا المؤلف أمام واحدة من الحقائق المؤلمة من حقائق الصراع ضد الصهيونية وسياساتها الإجرامية في فلسطين، وهي حقيقة أن نظام الوقف «كان ولا يزال في قلب هذا الصراع، وأن استهداف تصفيته هو جزء لا يتجزأ من استهداف تصفية الشعب الفلسطيني وطمس هويته».

ولكن إلى أي مدى كان نظام الوقف الإسلاميفي فلسطين يشكل عائقًا أمام أطماع السياسة الصهيونية بحيث توليه هذه السياسة كل هذا الاهتمام؟

يجيب المؤلف عن ذلك بأنه بالرغم من الهيمنة العسكرية والسياسية الطاغية للكيان الصهيوني في فلسطين، فقد واجهت حكومته منذ سنة ١٩٤٨م مشكلة معقدة تتعلق بنظام الأوقاف، ففي الوقت الذي كانت العصابات المسلحة الصهيونية تسيطر عسكريًّا على ٧٥% من أراضي فلسطين التي كانت تحت الانتداب البريطاني، كان اليهود لا يملكون سوی ۱۰% فقط من تلك الأراضي، ومن أجل إنشاء دولة قابلة للحياة، كان المطلوب قمع التطلعات السياسية الفلسطينية من جهة، والاستيلاء على الأراضي التي وقعت تحت السيطرة العسكرية من جهة أخرى، وكان من شأن الإبقاء على نظام الأوقاف في ضوء مساحة أرضه، وبنيته الإدارية الواسعة، وما كان يمثله من مصالح للنخبة السياسية والدينية الإسلامية، كان من شأن ذلك أن يؤدي إلى وجود سلسلة من المناطق الإسلامية الفلسطينية مستقلة ومتميزة وتبلغ مساحتها نحو ٢٠% من إجمالي المساحة المزروعة في فلسطين التي احتلت سنة ١٩٤٨م، وكان الإبقاء على تلك المساحة بصفتها أراضي موقوفة يجعلها خارج السلطات السياسية والقضائية للدولة العبرية، ومن ثم كان من شأن هذا الوضع أن يسهم في إعاقة نمو الدولة، ويفتت وحدتها الجغرافية، ويمنع سيطرتها على الموارد التي كانت توفرها، وعلى بنيتها الإدارية، ولأجل هذا منعت الحكومة الصهيونية إعادة تشكيل المجلس الإسلامي الأعلى الذي كان قائمًا في ظل الانتداب البريطاني وظل حتى نهايته، وتفكك بقيام الكيان الصهيوني في ١٥ مايو ١٩٤٨م، واستولت «وزارة الشؤون الدينية» -الصهيونية- على سلطات المجلس بدعوى زائفة مفادها: «ضمان عدم إهمال أملاك الأوقاف والعناية بالأماكن المقدسة» على حد ادعاء بن جوريون آنذاك.

جذور سياسات تهويد الأوقاف الإسلامية

لم تترك سلطات الاحتلال الصهيوني وسيلة من الوسائل إلا واستخدمتها من أجل السيطرة على نظام الأوقاف في فلسطين وتهويده، والتهويد هنا لا يعني فقط إضفاء مسحة يهودية على ممتلكات الأوقاف ومؤسساتها، وإنما يعني أيضًا إفقادها هويتها الإسلامية، ومحق وظيفتها الأصلية في خدمة المجتمع الفلسطيني وإعادة توظيفها في خدمة الأهداف الصهيونية.

تركزت سياسات التهويد حول ثلاثة محاور:

  1. استقطاب قيادات نظام الأوقاف.

  2. استيعاب البنية الإدارية والمؤسسية للأوقاف داخل جهاز الدولة وإدارتها الحكومية.

  3. السيطرة على الموارد الاقتصادية للأوقاف.

وقبل الخوض في تحليل السياسات الصهيونية لتهويد الأوقاف عبر هذه المحاور الثلاثة، خصص المؤلف الفصل الثاني من الكتاب، لبحث التاريخ السياسي لنظام الأوقاف في فلسطين خلال العهد العثماني (١٥٥٨م -۱۹۱۸م)، ثم في فترة الانتداب البريطاني التي امتدت من سنة ١٩١٨م إلى سنة ١٩٤٨م.

في العهد العثماني كانت شرعية الدولة تستند إلى مدى تطابقها مع الإجماع الشرعي الإسلامي، وكان نظام الأوقاف آنذاك يعمل كأنه إقطاع خاص أو جماعي للنخب الدينية والسياسية (ص ۱۷)، وفي الفترة المتأخرة من هذا العهد كان نظام الوقف قد تحول من مجموعة من المؤسسات الخيرية المستقلة نسبيًّا، إلى نظام خدمة اجتماعية مصغر تديره البيروقراطية الحكومية.

ويعرض المؤلف لنماذج من الوقفيات التي انتشرت في مختلف أرجاء فلسطين، ونشأت في فترات زمنية مختلفة تبدأ منذ الصدر الأول للتاريخ الإسلامي، وأشهرها وقف الصحابي الجليل تميم الداري في منطقة الخليل، وهو من أقدم الأوقاف في الإسلام، وهبه الرسول -صلى الله عليه وسلم- لتميم الداري وعائلته، وشمل أربع قرى هي: الخليل، والمرطوم، وبيت عينون، وبيت إبراهيم، وبمرور الزمن كان هذا الوقف يشمل ٦٠% من مساحة منطقة الخليل كلها، كما ألحقت به أوقاف أخرى في مدن: يافا، ونابلس، وغزة.

ومن أشهر أوقاف فلسطين أيضًا أوقاف الناصر صلاح الدين الأيوبي، التي أنشأها بعد انتصاره على الصليبيين وتطهير المسجد الأقصى منهم، حيث عمد إلى إقامة عديد من المنشآت الدينية والتعليمية والصحية والاجتماعية ووقف عليها أراضي واسعة للإنفاق من ريعها عليها، وكان يهدف من ذلك إلى عودة الحياة الطبيعية إلى مدينة القدس ورجوع المسلمين إليها، وترسيخ وجودهم فيها واستقرارهم بها.

ويطلعنا المؤلف في هذا السياق كذلك على جوانب مهمة من وقف أحمد باشا الجزار والي عكا الذي ذاع صيته بتصديه لنابليون وانتصاره على حملته، وقد أنشأ وقفه في سنة ١٧٨٤م، وأصبح بمثابة قاعدة استند إليها التوسع الذي شهدته مدينة عكا في المجالات التجارية والاقتصادية في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، وكان من شروط وقفيته أن تُبنى الحمامات العامة، والأسواق، والخانات للمسافرين، والحوانيت، بالإضافة إلى المسجد والمدرسة. وقد أصبح مسجد الجزار أكبر مساحة شمال فلسطين وأحسنها معمارًا بقبته الكبيرة ومآذنه العالية.

أما في فترة الانتداب البريطاني، فقد دخل نظام الأوقاف الإسلامية في مرحلة جديدة، حيث عمدت الإدارة البريطانية إلى فصله عن محيطه الإسلامي خارج فلسطين، وتم إنشاء هيئة جديدة هي المجلس الإسلامي الأعلى لرعاية شؤون الأوقاف والمصالح الدينية والاجتماعية المرتبطة بها، وسرعان ما اندمج هذا المجلس في تيار الحركة الوطنية الفلسطينية المناهضة للانتداب. وتحمل أعباء إضافية في مواجهة السياسة البريطانية المساندة للمشروع الصهيوني في إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، ولما كانت «ملكية الأراضي» هي أحد ميادين الصراع الصهيوني الفلسطيني، فقد سعى المجلس بكل ما أوتي من قوة لإعاقة عمليات بيع المزيد من أراضي فلسطين وممتلكات أهلها، وشجع توسيع رقعة أراضي الأوقاف كي تصبح بمنأى عن إمكان التصرف فيها بالبيع، وشجع المسلمين كذلك على تحويل أملاكهم الخاصة إلى أوقاف ذرية لقطع الطريق على انتقالها إلى اليهود عبر «الصندوق القومي اليهودي» الذي نشط من أجل هذا الغرض في ظل الانتداب وقبل إعلان قيام الكيان الصهيوني.

الأوقاف مؤسسة للمقاومة

ويخلص المؤلف من تحليله لأوضاع الأوقاف في ظل الانتداب البريطاني إلى نتائج على درجة كبيرة من الأهمية، حيث يستنتج أن «نظام الأوقاف» الموروث عن العهد العثماني قد تطور في ظل الانتداب البريطاني ليصبح «كمؤسسة وسيطة» بين سلطة الانتداب والشعب الفلسطيني، ومع تصاعد الخطر اليهودي واستمرار الهجرة اليهودية إلى فلسطين في حماية الحراب الإنجليزية، أضحى نظام الوقف وسيلة أساسية من وسائل المقاومة الوطنية الفلسطينية للاستعمار والصهيونية السياسية، الأمر الذي دفع سلطات الانتداب إلى اتخاذ سلسلة من الإجراءات والتدابير التي استهدفت إحكام سيطرتها على موارد الأوقاف، وتشتيت قيادتها، ومحاولة إدماج المجلس الإسلامي الأعلى واحتوائه وإخضاعه لأغراض السياسة البريطانية، ولكن المجلس في مواجهة الهجرة اليهودية وأطماع الصهيونية السياسية تحول من «دور الوساطة» إلى دور المعارضة العلنية ص (٤٧)، وهو وضع لم تتحمله سلطات الاحتلال، فسعت لتقويض صلاحيات المجلس، واتخاذ مزيد من الإجراءات التعسفية ضد الأوقاف الإسلامية، لتمهد الطريق أمام الكيان الصهيوني كي يتمكن من الاستيلاء عليها بعد قيامه.

في الفصلين الثالث والرابع «ص ٥٩- ١٢٢ من الكتاب» يتابع مايكل دمبر -عبر كثير من التفاصيل وبدأب شديد- سياسات الكيان الصهيوني تجاه نظام الأوقاف في داخل الأراضي الفلسطينية التي احتلت سنة ١٩٤٨م، وأعلنت عليها دولة الكيان، ويكشف عن مسلسل الجرائم والحيل التي ارتكبتها سلطات الكيان الصهيوني في سبيل تهويد الأوقاف الإسلامية وسرقتها في وضح النهار، مستخدمة في ذلك حزمة من السياسات التي تركزت بدرجات متفاوتة على المحاور الثلاثة السابق ذكرها وهي: 

استقطاب قيادات دينية للأوقاف، واستيعاب بنيتها الإدارية داخل البيروقراطية الصهيونية، والسيطرة على الموراد والمداخيل الوقفية.

استقطاب قيادة عميلة للصهاينة

فبالنسبة لاستقطاب قيادات دينية للأوقاف كانت المهمة سهلة، حيث أدت الأعمال الحربية التي وقعت في سنة ١٩٤٨م إلى نزوح معظم القادة المسؤولين عن الأوقاف، ومعهم عدد كبير من الوعاظ وأئمة المساجد الذين وجدوا أنفسهم -فيما بعد قيام الكيان الصهيوني- عاجزين عن العودة إلى ديارهم وبغيابهم توقف نظام الأوقاف عن العمل، وتعطلت الخدمات الصحية والتعليمية التي كانت تعتمد على إيرادات الأوقاف، وأقفلت المدارس في يافا وحيفا وعكا، ولم تسمح السلطات بإعادة تشكيل لجان الأوقاف أو تعيين موظفين جدد أو إجراء انتخابات لتكوين هيئة تمثيلية كالمجلس الأعلى، وأضحت شؤون الأوقاف الإسلامية الفلسطينية تحت سيطرة الدولة اليهودية التي استطاعت إيجاد -أو استقطاب- قيادة دينية للمجتمع الفلسطيني داخل أراضي ١٩٤٨م مستوعبة تمامًا في فلك السياسة الصهيونية، وكما يقول المؤلف: «إن من أكبر الأدلة على نجاح السياسة الصهيونية في ذلك مشاركتهم في احتفالات ذكرى يوم استقلال إسرائيل (ص ٧٥)، على حد زعمهم.

وبالنسبة لاستيعاب الإدارة الوقفية داخل البيروقراطية الحكومية الصهيونية، فقد تمت العملية من خلال إصدار أوامر بتعيين «القيم» على الأملاك الوقفية، و«اللجان الاستشارية» التي عينها «مجلس الأمناء»، وفي جميع الحالات كانت القرارات المتعلقة بصلاحيات القيم واللجان الاستشارية لمجالس الأمناء تقول شيئًا في ظاهره مصلحة الأوقاف، بينما كانت التطبيقات العملية تفعل كل شيء ضد الأوقاف، وتبذل قصارى جهدها من أجل نقلها إلى أيادي المستوطنين اليهود.

ويحلل المؤلف نماذج كثيرة من أعمال «القيم» و«مجالس الأمناء» ويوضح كيف أنها عملت باستمرار في خدمة السياسة الصهيونية، وعكس المهمة الرسمية التي أنيطت بها، ويفضح الأساليب الملتوية التي انتهجتها السلطات الإسرائيلية كي تضمن انضباط مجالس الأمناء ضمن سياساتها، ومن ذلك اختيار أعضاء هذه المجالس من أشخاص سيئي السمعة، ومنهم مثلًا مجلس أمناء يافا الذي تشكل في سنة ١٩٦٦م، وكان رئيسه نظمي الجمالي سكيرًا معروفًا، يصرف وقته في الحانات بحثًا عمن يدفع له ثمن الشراب، وكان يحصل على الرشاوَى ليبيع مدافن المسلمين التي هو أمين عليها. (ص ١٠٥).

وبقرارات من القيمين على الأوقاف ومجالس الأمناء الذين عينتهم الحكومة الصهيونية تم بيع كثير من الأملاك الوقفية، بل وتم تحويل أكثر من مائة مسجد إلى أغراض أخرى (ص ١٠٥) كدور اللهو، والفنادق السياحية، والمتاحف... إلخ، ومن ثم لم تكن لتلك المجالس أي مصداقية لدى المجتمع الإسلامي في فلسطين ١٩٤٨م.

تسخير القانون لسرقة الأوقاف

كانت السيطرة على موارد الأوقاف عقبة كبيرة -كما ذكرنا- واجهت السياسة الصهيونية، وحتى تتمكن من التغلب على هذه العقبة عمدت إلى الالتفاف حولها باستخدام الغطاء «القانوني» حتى تخفي جرائمها وانتهاكاتها لحرمة الأملاك الوقفية والتشريعات الإسلامية الأصيلة المنظمة لها.

جاءت الخطوة الأولى سريعة في سنة ١٩٥٠م عندما أصدرت الحكومة الصهيونية «قانون أملاك الغائبين»، وهو أهم «قانون» -مع تحفظنا على تسمية ما يصدر عن سلطات الاغتصاب باسم القانون- أثر في الأوقاف وفي غيرها من الأملاك الفلسطينية، حيث تم انتزاع ۸۰٪ من مجمل مساحة فلسطين التي احتلت سنة ١٩٤٨م، استنادًا إلى هذا القانون، وما أحاط به من قوانين أخرى مكملة له أو متداخلة معه.

كان قانون أملاك الغائبين في ظاهره يهدف إلى حماية أملاك اللاجئين الفلسطينيين واستحدث لنصب «القيم» وخوله مسؤولية صيانتها وإدارتها ريثما يتم التوصل إلى تسوية بشأنهم، لكن الحقيقة كما يقول مايكل دمبر، إن المنصب استعمل لسلب أملاك اللاجئين الغائبينص (٦٦)، إلى جانب الحيل الماكرة الأخرى التي استعملتها حكومة الكيان لتسترة خلف هذا القانون نفسه الذي لم تكن نصوصه تجيز الاستيلاء على الأملاك الوقفية ولا على غيرها من ممتلكات الغائبين. ومن هذه الحيل أنها صنفت «المجلس الإسلامي الأعلى» على أنه غائب، استنادًا إلى أن معظم كبار قياداته وموظفيه الذين كانت الأراضي والأملاك مسجلة بأسمائهم كانوا قد غادروا البلاد، بينما منعت إعادة شكيله مرة أخرى وكان هذا كافيًا كي تضع أملاك المجلس من الأوقاف في عهدة القيم ليقوم بالتصرف بها وفق أهداف السياسة الصهيونية، ولكن بعد أن تكون الحكومة قد تفادت -ولو شكليًّا- تهمة سلب أملاك المجتمع الإسلامي الدينية مباشرة. (ص ٦٨).

ولم تكن التعديلات التي أدخلت على هذا القانون سوى فرصة لتضييق الخناق على الموارد الوقفية والاستيلاء عليها ونقلها عبر السرقة المقننة على أيدي اليهود وحرمان أصحابها الحقيقيين وهم -مسلمو فلسطين- منها، ومن أبرز تلك التعديلات التعديل الثالث الذي أقره الكنيست في 2/ 1965م، وكانت غايته الأساسية معالجة ما بقى من الأملاك الوقفية، ويبحث مؤلف الكتاب في تفاصيل هذا التعديل وتطبيقاته ليخلص إلى نتيجة مؤداها أنه قد «أفضى إلى إزالة صفة الوقف عن أملاك الأوقاف التي كانت في يد القيم، وحولها إلى غير أصحابها». ص (۹۲) و(ص ٩٤).

ويلفت نظرنا أن المؤلف قد عرض لثلاث مسائل دقيقة في سياق بحثه للسياسة القانونية التي انتهجتها الحكومة الصهيونية لتحقيق أهدافها في السيطرة على موارد الأوقاف، وهي:

  1. التمييز الذي اصطنعته السلطات الصهيونية باسم «الأوقاف الدينية» و«الأوقاف العلمانية»، بحيث تشمل الأولى المساجد والمدافن والمقابر والمقامات، بينما تشمل الثانية باقي الممتلكات الوقفية من الحوانيت والمنازل والحقول وأسبلة المياه. وينتقد مايكل دمبر هذا التمييز المصطنع، بعبارة تؤكد عمق فهمه لطبيعة نظام الوقف الإسلامي، فيقول: «إن الأملاك التجارية الموقوفة تُعد دينية بقدر ما هو المسجد ديني (...) لأن هذا التمييز ليس في الشريعة». (ص ۷۳).

  2. لم يحدث لأوقاف الطوائف المسيحية الدرزية والبهائية ما حدث للأوقاف الإسلامية، كما أن أراضي الطوائف المسيحية وأملاكها قد استثنيت من بنود قانون أملاك الغائبين بحجة وجود النظام الكنسي (ص ۷۸).

  3. إن الكنيست الإسرائيلي قد حذا حذو بعض الدول العربية -وخصوصًا مصر وسورية- فيما اتخذته من إجراءات صارمة ضد نظام الأوقاف (ص ٩٤).

أوقاف الضفة والقطاع

ظلت الأوقاف الموجودة في الضفة الغربية خاضعة للإدارة الأردنية منذ ضم الضفة سنة ١٩٥٠م إلى احتلالها سنة ١٩٦٧م، كما ظلت أوقاف قطاع غزة تابعة للإدارة المصرية خلال المدة نفسها، وبوقوع الاحتلال عقب هزيمة ١٩٦٧م سعت سلطات الكيان الصهيوني سعيًا حثيثًا لإنجاز أهدافها في الاستيلاء على الأرض، وإعاقة التطلعات السياسية للشعب الفلسطيني في أراضي الضفة والقطاع مثلما فعلت من قبل في الأراضي التي احتلتها سنة ١٩٤٨م.

وخلال الفترة من ١٩٦٧م إلى ١٩٧٧م، كان الاستيلاء على الأراضي وليد تحريض السلطات العسكرية الصهيونية المحتلة، التي سمحت لقطعان المستوطنين بنهب أملاك كثيرة في وسط الخليل، وساعدتهم حكومة الليكود بسلسلة من إجراءات الطرد والإبعاد للفلسطينيين وتدمير بيوتهم، واعتقال من بقي منهم، إلى غير ذلك من التدابير التعسفية التي طبقتها حكومات الليكود والعمل المتعاقبة (ص ۱۳۸ -۱۳۹).

ويدرس المؤلف في الفصلين الخامس والسادس «ص ١٢٣ -٢٤١ من الكتاب» أحوال الأوقاف الإسلامية تحت الاحتلال في قطاع غزة والضفة الغربية، ويتابع الحيل الماكرة التي انتهجتها السياسة الصهيونية لبسط سيطرتها على الأوقاف الإسلامية في الأراضي التي احتلتها سنة ١٩٦٧م. ففي فبراير سنة ١٩٦٨م أطلقت على الضفة والقطاع «يهودا والسامرة وغزة المدارة» ورفضت فيما بعد الاعتراف بوضعها «أراض للعدو» كما يحددها القانون الدولي، وبدلًا من ذلك اعتبرت نفسها مديرة لها، لتخرج بهذا الاحتيال من تحت طائلة القواعد القانونية الخاصة بالأراضي المحتلة، وأعلنت كلًّا من الضفة والقطاع أرضًا ليس لها مالك قانوني Terra Rullus وأعطت للحاكم العسكري الصهيوني كل الصلاحيات التي تمكنه من الاستيلاء على الأرض، فضلًا عن أعمال المصادرة لأراضي الأوقاف وممتلكاتها بأوامر عسكرية بلغت ٣٥ ألف دونم.

أوقاف القدس منذ ١٩٦٧م

بسقوط الجزء الشرقي من مدينة القدس تحت سيطرة الاحتلال الصهيوني عام ١٩٦٧م، شرعت سلطات الاحتلال في اتخاذ سلسلة من الإجراءات وارتكاب عديد من الجرائم بهدف تهويد المدينة، ونظرًا لوفرة أراضي وممتلكات الأوقاف فيها، ولكثرة الموظفين العاملين بها، وتعدد المصالح الإسلامية العالمية التي ترمز إليها مدينة القدس، فقد كان نظام الأوقاف فيها منخرطًا إلى حد بعيد في الصراع بشأن طابعها الثقافي والسياسي والديني، ولكن السلطات الصهيونية لم تتبع الخطوات نفسها التي اتبعتها لتصفية الأوقاف الإسلامية داخل الأراضي التي احتلتها سنة ١٩٤٨م، وعمدت بدلًا من ذلك إلى تقويض وتقييد إدارة الأوقاف المقدسية عبر الاستيلاء المنظم على سلطات إدارة الأوقاف القانونية، وشل فاعليتها الاجتماعية والدينية، وقد فعلت ذلك بخطوات متتابعة، وبطرق متعرجة وأساليب ملتوية كعادتها دومًا.

في بداية الاحتلال سعت السلطات إلى الوصول للملفات والوثائق الخاصة بالأوقاف تمهيدًا للاستيلاء عليها وطمس معالمها والتخلص من حججها التاريخية، وفي خطوة أخرى رفضت الحكومة الصهيونية الاعتراف بالمحاكم الشرعية والإدارة القائمة على أمور الأوقاف الإسلامية في القدس، وكان لذلك أثر بالغ على أملاك الأوقاف في المدينة القديمة وفي القدس الشرقية، حيث إن الإدارة الفلسطينية لم تعترف بالضم الصهيوني للقدس الشرقية، ومن ثم رفضت التقاضي أمام المحاكم الصهيونية عندما تكون هناك دعوى ضد مستأجرين للأوقاف من الصهيونيين، أو من البلدية الصهيونية، وبالتالي لم تعد الإدارة الفلسطينية قادرة على مقاومة المصادرات التي نفذتها السلطات العسكرية.

وبالرغم من استحداث دائرة الآثار الإسلامية في القدس، بهدف المحافظة على الطابع الإسلامي والوقفي لها، إلا أنها لم تتمكن من منع وزارة الشؤون الدينية الصهيونية من القيام بالحفريات أسفل الحرم القدسي الشريف (ص ۲۱۰).

حيلة أخرى يكشف عنها المؤلف لجأت إليها السلطات الصهيونية وهي أنها أبقت على الشؤون الإسلامية في القدس الشرقية في يد وزارة الدفاع الصهيونية، ولم تنقلها إلى وزارة الأديان، ولم تطبق أيضًا قانون أملاك الغائبين عليها، ومن ثم فإنها تركت الباب مفتوحًا للسيطرة المباشرة على موارد نظام الأوقاف في القدس دون عناء (ص ۲۱۳).

لقد تعددت الجرائم والضحية واحدة، وهي أوقاف المسلمين ومقدساتهم، وشهد بذلك شاهد ليس من أهلنا.

الرابط المختصر :