العنوان جذور نظرية المقاصد العامة للشريعة (1)
الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم
تاريخ النشر السبت 10-يناير-2009
مشاهدات 97
نشر في العدد 1834
نشر في الصفحة 66
السبت 10-يناير-2009
نظرية «المقاصد العامة
للشريعة»، ذات وجود
قديم في التراث العربي الإسلامي هي عميقة
الجذور وكثيفة الفروع، ولها بنية معرفية شديدة التماسك، ولا سبيل إلى زحزحتها
وتشير «المقاصد العامة
للشريعة بشكل مجمل إلى أهدافها العامة، كما تشير إلى الحكمة، أو «المغزى»، أو مراد الشرع
الحنيف أو أسراره، وغاياته الكبرى»؛ فكل هذه
المعاني التي تحملها تلك الألفاظ تعبر عن جانب أو أكثر من جوانب المقاصد العامة
للشريعة، على ما بين هذه الألفاظ من بعض الدلالات مشتركة.
ولكن رغم عراقة نظرية
المقاصد وقدمها، ورغم رسوخ بنيتها المعرفية
فإنها تكاد تكون غائبة عن الواقع المعاصر لمجتمعاتنا وهي غائبة أيضاً عن الخطاب
الفكري المستند إلى المرجعية الإسلامية، وغائبة بكل تأكيد عن الأداء المؤسسي وطرق
تقييم هذا الأداء، وهي غائبة بكل تأكيد كذلك عن مناهج النظر وأصول التحليل في
العلوم الإجتماعية القائمة حاليا في جامعاتنا ومراكز البحوث
المنتشرة في أغلب بلادنا العربية والإسلامية إن الموضوع الرئيس لعلم ( مقاصد الشريعة هو
البحث عن مقاصد الإسلام من التشريع الذي جاء به للناس بما في ذلك قوانين
المعاملات، والآداب التي يرى أنها جديرة بأن تختص باسم الشريعة، التي هي مظهر ما
راعاه الإسلام من تعاريف المصالح والمفاسد والموازنة بينهما، وترجيح أحدها على
الآخر؛ وكل ذلك يندرج ضمن مظاهر عظمة الشريعة الإسلامية بين بقية الشرائع
والقوانين والسياسات الاجتماعية الهادفة لحفظ نظام العالم وإصلاح أحوال البشر،
وتحقيق مصالحهم في المعاش والمعاد وقد كانت نظرية المقاصد واحدة من دعائم البناء
الحضاري الإسلامي، وارتبطت بعلوم العمران بمعناها القديم الذي تحدث عنه ابن خلدون،
وبالعلوم الاجتماعية والإنسانية بمعناها الحديث.
منذ البدايات الأولى
لتأسيس نظرية المقاصد العامة للشريعة، أدرك رواد هذه النظرية أنها لا تطلب لذاتها،
أو في ذاتها وإنما من أجل أن تكون دليلا تهتدي به الممارسات الاجتماعية والسياسية
التي تسعى لتحقيق المصلحة وجميعهم اعتبر أن المصلحة هي غاية المقاصد، ونواتها الصلبة
في أبو بكر القفال الشاشي، وهو من أوائل من كتبوا في مقاصد الشريعة يقول في مقدمة
كتابه محاسن الشريعة غرض الكتاب الدلالة على محاسن الشريعة، ودخولها في السياسة
الفاضلة السمحة، ولصوقها بالعقول السليمة وذهب إمام الحرمين «الجويني» إلى أن المقاصد دائرة
بين طلب ما لم يحصل، وحفظ ما
حصل من المصالح المعتبرة وتحدث أبو حامد الغزالي عن تصنيف المقاصد فجعلها قسمين
نفعية ودفعية فمنها ما يجلب منفعة، ومنها ما يدفع مفسدة أما الشاطبي الذي يرجع
إليه الفضل الأكبر في صوغ نظرية المقاصد فيقرر أن الشارع وضع الشريعة على اعتبار المصالح
باتفاق وأوجز ابن القيم القول في ابتناء الشريعة على المصلحة فقال: «الشريعة مبناها
وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها، ورحمة كلها،
ومصالح كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن
المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة؛ وإن أدخلت فيها
بالتأويل.
وإذا نظرنا إلى ميدان
الدراسات الإسلامية في المعاهد والكليات المعاصرة نجد أن حضور المقاصد العامة
للشريعة بالمضمون الذي تشير إليه تلك التعريفات المبكرة ضعيف وباهت وتقليدي أما في
ميدان العلوم الاجتماعية والإنسانية عامة، فنجد أن غياب نظرية المقاصد شبه تام،
ولا يسأل عن هذه النظرية إلا القليل النادر من الأساتذة، وإلا الأقل الأندر من
الطلاب وأسباب هذا الغياب كثيرة بعضها يرجع إلى ظروف نشأة العلوم الاجتماعية
الحديثة في بلادنا، وبعضها يرجع إلى الانفصال الذي وقع بينها وبين العلوم
الإسلامية الموروثة وتقودنا هذه الملاحظة إلى تساؤل جوهري هو: هل يمكن البحث في
العلوم الاجتماعية من منظور المقاصد العامة للشريعة؟ أمن الممكن أن تكون نظرية
المقاصد أداة منهجية توجه البحث في موضوعات العلوم الاجتماعية الحديثة بفروعها
المختلفة، ومشكلاتها المتجددة؟ وهل سيختلف النظر في مقاصد الشريعة من زاوية العلوم
الاجتماعية وما تثيره من أسئلة أم لا ؟ وهل وهذا هو الأكثر أهمية سيختلف الأداء
الوظيفي لتلك العلوم في الواقع الاجتماعي على نحو يخلصها من صفة اللاوظيفية؟ هذه
الصفة التي تجعل عدم تلك العلوم مثل وجودها إن
لم يكن أفضل من وجودها.
الهوامش:
(*) أستاذ العلوم
السياسية- مصر
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل