العنوان جذور الفساد
الكاتب محمد الحسناوي
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يونيو-2000
مشاهدات 89
نشر في العدد 1404
نشر في الصفحة 23
الثلاثاء 13-يونيو-2000
نحن السوريون الذين عاصروا أحداث الانقلابات العسكرية في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات احتفظنا بذاكرتنا الجمعية بذكرتين اثنتين على الأقل يمكن الانتفاع بهما في فهم الأوضاع الداخلية التي طغت أخبارها على السطح بعد أن تواري –ولو مؤقتًا– الحديث عن تسوية بحيرة طبرية أو المفاوضات مع الكيان الصهيوني.
الذكرى الأولى: من تلك الأيام أن السبب المباشر لأول انقلاب عسكري، وهو انقلاب حسني الزعيم كان موضوع الفساد المالي والطريف أن الفاسد ماليًا هو الذي قام بالانقلاب العسكري وحقيقة الموضوع أن رئيس الأركان حسني الزعيم آنذاك ثبتت عليه تجاوزات مالية ضخمة في صفقات تموين الجيش وتجهيزاته مما استحق مساءلته قضائيًا، وبالطبع كان رئيس الجمهورية شكري القوتلي ومجلس وزرائه ومجلس النواب هم المتجرئين على مباشرة المساحة والتحرك رسميًا وقضائيًا لتأخذ العدالة مجراها بحق حسني الزعيم وشركائه، فكان الانقلاب موجهًا ضدهم، حيث اعتقلوا أولًا، وحل محلهم حكام جدد بسلطة الدبابات العسكرية وحدها، وليس من الضروري الإشارة إلى عملية الخداع أو التمويه التي حجت الحقائق، وقدمت الانقلابين على أنهم الشرفاء المخلصون الذين سوف يحررون فلسطين ولم يمض على هزيمة ١٩٤٨م عام واحد ولا الإشارة إلى أنه أول انقلاب ناجح مارسته المخابرات الأمريكية، وأن الانقلابيين كانوا يوقعون أول تسوية مع الكيان الصهيوني أيضًا.
الذكرى الثانية: من عهد الانقلابات بيت من الشعر كثر تداوله في برقيات التأييد التي تنصب على قيادة كل انقلاب جديد فتحوله إلى الإذاعة السورية التي تبثه:
لا تقطعن ذنب الأفعى وترسلها *** إن كنت شهمًا فاتبع رأسها الذنبا
بيت الشعر هذا ذو قصة طريفة عند العرب، مفادها أن ملكًا كالنعمان بن المنشر قلم الظفار أحد البغاة العتاة ولم يستأصل شأفته فقال الشاعر هذا البيت يلفت نظره إلى أن الأفعى لا تموت بل يريد شرها إن قطع تنبها ويقي رأسها، يريد الإجهاز على الباغي كلية، أي أن أصحاب البرقيات المؤيدة يدعون الانقلابيين إلى تصفية رؤوس العهد البائد لكيلا تبقى منهم بقية، ولكي يحقق الانقلاب مصداقيته، فيكون تأسيسًا لعهد جديد، فيه العدل والحرية والكرامة، وتحرير فلسطين!!
منذ زمن بعيد انقضي زمن الانقلابات العسكرية المعلنة ودخلت سورية ودخلنا معها زمن الانقلابات «غير المعلنة» والحديث عن أفعي الفساد، وتحرير فلسطين لم ينقض.
نعم هناك تلازم مصيري بين القضيتين لكننا سوف نتعسف عامدين ومبسطين وسوف نقصر الحديث على الفساد وحده!
اليوم في سورية فساد لأن الدولة اعترفت بوجوده فكيف يستأصل هذا الداء الوبيل «الأصيل»؟!
لقد حاولت حكومة عبد الرحمن خليفاوي عام ١٩٧٦م معالجة الفساد فلم تفلح فسقطت عام ١٩٧٢م، وحاولت حكومة محمود الأيوبي عام ۱۹۷۲م معالجته أيضًا فلم تستطع طوال أربع سنوات فسقطت، وحاولت حكومة محمد علي الحلبي عام ١٩٧٨م فلم تستطع، وحاولت حكومة الدكتور عبد الرؤوف الكسم عام ١٩٨٠م طوال سبيع سنوات فلم تستطع وحاولت حكومة محمود الزعبي عام ۱۹۸۷م طوال ثلاثة عشر عامًا فلم تستطع أيضًا، بل ذهب هو نفسه ضحية ومؤشرًا كبيرًا. على الأزمة المستعصية، فأين المكمن وما سر هذا الفساد الضارب الأطناب حتى الأعماق؟!
آخر دراسة أكاديمية «لكنها ماركسية» يأتي بها أستاذ جامعي اسمه الدكتور طيب تيزيني يحول حول الداء ولا يقول الحقيقة كاملة على امتداد ثلاث مقالات مقولة في جريدة تشرين الرسمية في المقالة الأولى انطلق من أن «الفساد، يجسد ظاهرة موضوعية في المجتمع العربي لها أسبابها وبراءتها في الحالة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتعليمية والأخلاقية والعسكرية وغيرها».
ويصل إلى أن الفساد ليس حالة فطرية في حياة الإنسان عمومًا ومن ضمنه العربي.
وفي مقالته الثانية حاول وضع اليد «على الكيفيات التي تجلت فيها عملية التكليف عبر الإفساد باتجاه تفكيك المجتمع وتحويله إلى جثة هامدة تتقاذفها أيدي السادة الجدد.. أيدي الغزاة الإمبرياليين حتى بداية العقد الأخير من القرن الماضي، والإمبرياليين العولميين الجدد» في وضع الذنب على أعداء الخارج الدوليين.
وفي مقالته الثالثة يقول كل شيء عن الإعلام الداخلي المتواطئ مع الإعلام الدولي الخارجي وعن «أن معظم الحكام العرب أصبحوا محاطين ومحاصرين من حاشيات فاسدة ومفسدة، بحيث يصبح هؤلاء الحكام بعيدًا عن قضايا الشعب والأمة» «أنظر جريدة تشرين 2000/٥/24م» ومن ذلك الخيار الأمريكي الكوسوفي في عصر النظام الأمريكي الجديد وتحول كوسوفا إلى أنموذج!! ولا تكاد تحس أنه يمس الوضع السوري إلا في ضرورة التغيير «الشامل» الذي يطول الجميع دون اعتبار للأسماء والسلالات والمواقع والولاءات» قال ذلك باختصار في نهاية كلامه!
أما رياض الترك المعارض السوري فيتناول القضية بعمل الأسباب منها أنه ليس ماركسيًا تقليديًا على انشق أو ثار على الماركسية الستالينية.
ووضع يده على مكمن الخلل السوري، ودفع ثمن ذلك من حياته سجنًا استمر سبعة عشر عامًا، وبعد أن أطلق سراحه، وأعاد دراسة الواقع السوري الذي أكد له تصوره للخلل قال: «المسألة ليست قضية فساد أو خلل إداري كما يحاول بعض الصحف تصويرها، المسألة هي أسلوب وشكل في الحكم تجاوزهما الزمن، بل هي خلل موضوعي يرتبط بكون مراكز القرار السياسي والاقتصادي لا تخضع للمراقبة القانونية ولا للمساءلة الشعبية» «جريدة الحياة 2000/١/17م» ومما قاله أيضًا: «في بلدنا أزمتان: أزمة السلطة وأزمة المجتمع بجوانبها المختلفة –فالمفاهيم والبني والمؤسسات التي يقوم عليها شكل الحكم– لم تكن شكلًا ابتدعه النظام وإنما في نقل وتقليد لما كان سائدًا في دول الكتلة الاشتراكية الزائلة. فمركز السلطة ومركز القرار، ومفهوم الحزب الحاكم والجبهة الوطنية التقدمية والنقابات الشعبية والأجهزة الأمنية والصحافة الرسمية كل هذه كانت سائدة بشكل أو بأخر في تلك الدول، المشكلة اليوم في أن هذا الشكل والأسلوب في الحكم شاخًا... أما أزمة المجتمع فهي نتيجة ومحصلة لما مارسه النظام خلال فترة حكمه الطويلة خصوصًا منذ الثمانينيات» ضع خطًا أحمر إذا شئت تحت عبارة منذ الثمانينيات.
لا شك أن الترك وضع يده على موضع المال الحقيقي وإن قراءة فاحصة لصلاحيات صاحب القرار الأول في الدستور تصدق هذا التحليل الموضوعي، فالسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية محصورة بقبضة واحدة انظر المواد ٩٥ و ٨٤/١ و ۱۰۱ و ١٠٣ و ١٠٤ و ۱۰۷ و ١١١/1 و ١١١/٢ حتى إنه «يعين الموظفين المدنيين والعسكريين وينهي خدماتهم المادة ١٠٥ وهو يعلن حالة الطوارئ والتعبئة العامة، ويعقد الصلح...
المادة (١٠٠) أما أخطر المواد فهي المادة ١٥٣ التي تنص حرفيًا على ما يلي: «تبقى التشريعات النافذة والصادرة قبل إعلان هذا الدستور سارية المفعول إلى أن تعمل بما يوافق أحكامه» والمقصود بالتشريعات النافذة والصادرة قبل إعلان هذا الدستور «قانون إعلان حالة الطوارئ وقانون حماية الثورة الذي يعاقب بالأشغال الشاقة المؤبدة على كل مخالفة للتشريعات والقوانين الاشتراكية ولو كانت المخالفة بالكلام.
لقد تعمدنا عرض وجهات نظر الماركسيين «المبرمجين» والمعارضين، ولم نعرض وجهة نظر المعارضة الإسلامية لأنها معروفة وتلقي أطراف المعارضة كلها في أن الحل المخرج إنما هو المخرج الوطني الديموقراطي الذي يقوم على إلغاء حالة الطوارئ وتحرير المجتمع من الرقابة المفروضة عليه وإطلاق الحريات العامة كحرية الصحافة والاجتماع وإبداء الرأي.