العنوان جامعة بيروت الأمريكية ستصبح «جَامعَة الخليج العربي»
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 04-مارس-1975
مشاهدات 110
نشر في العدد 239
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 04-مارس-1975
• أعضاء مجلس الأمناء حضروا سرًا إلى بيروت لبحث مصير الجامعة وعقدوا جلساتهم بحضور وزيرين عربيين
• شارل مالك قاد التيار المضاد لتغيير اسم الجامعة ووضعها بإشراف خليجي
في صيف العام ۱۹۷۲ اتخذت إدارة الجامعة الأمريكية في بيروت قرارًا بطرد أستاذ «البنج» في كليتها الطبية الدكتور الأمريكي الجنسية لورنس اغبرت، الذي كان قد استلم مهماته في الكلية والمستشفى التابع للجامعة عام ۱۹۷۰. والتهمة التي سببت الطرد عبر عنها آنذاك شفهيًا مدير الكلية الدكتور رئيف ناصيف بقوله: «كان اغبرت ينتقد الجامعة والمستشفى والموظفين بدون فائدة».
ولكن التفسير الذي أعطي لطرده في الأوساط غير المتعاطفة مع إدارة الجامعة كان مبنيًا على معلومات مفادها أن الدكتور اغبرت رفع رسالة من ١٤ صفحة إلى رئيس مجلس أمناء الجامعة المقيم عادة في نيويورك تتضمن بعض الانتقادات للجامعة، واقتراحات مقابلة لها بالنسبة لدور هذه المؤسسة الأمريكية في الشرق الأوسط.
وجاء في الرسالة: «اسم الجامعة «الأمريكي» يجب أن يعاد النظر فيه لأنه ينطوي على خلفيات سياسية غير مستحبة، خاصة وأن الولايات المتحدة الأمريكية تقدم معونات ضخمة إلى عدوة العالم العربي».
وقتها تتابعت هذه المعلومات لتصل إلى أن اغبرت كان قبل ذلك قد بعث برسالة إلى السناتور أدوار كينيدي يبلغه فيها أنه يقوم مع عدد من أبناء الجالية الأمريكية في بيروت بتوقيع عريضة تستنكر مساعدة الـ ٥٠٠ مليون دولار التي قدمتها الولايات المتحدة في ذلك الحين إلى إسرائيل. وتساءل في تلك الرسالة: «هل الـ ٥٠٠ مليون دولار ستوقف انتشار الشيوعية في المنطقة، وهل ستخرج الروس من الشرق الأوسط، وهل الآلة العسكرية الإسرائيلية ضعيفة إلى حد أنها بحاجة إلى هذه المساعدة؟».
وبغض النظر عن تفاصيل حادثة طرد الدكتور اغبرت وحيثياتها فقد كان ما جاء في رسالته حول «حساسيات الاسم الأمريكي للجامعة» تعبيرًا عن نشوء تیار داخل الجامعة نفسها يدعو إلى إعادة النظر باسمها و«بهيكليتها» الأمريكيين. ويرى هذا التيار أنه لم يعد بإمكان الجامعة أن تلعب دورها السابق كمركز توجيهي ثقافي للولايات المتحدة في المنطقة بدون مراجعة وتغيير أساليب إدارتها، على اعتبار أن الشعور العربي المعادي للولايات المتحدة تصاعد تصاعدًا هائلًا في السنوات الأخيرة، وبالتالي لم يعد بإمكان مؤسسة أمريكية بأهمية الجامعة أن تقوم بدورها بدون متاعب ومشاكل ومواجهات.
ولربما أن فكرة تعديل «أمريكية» هذه الجامعة لم تكن قد اختمرت في رؤوس مخططي سياستها، سواء في بيروت أو في نيويورك، ولربما أيضًا أن الحديث عن «تعريبها» في تلك الفترة كان كافيًا لطرد أي أستاذ يتجرأ على طرحه.
وعلى ما يبدو فإن التطورات السياسية اللاحقة في المنطقة العربية «حرب تشرين وحظر النفط وارتفاع العائدات المالية العربية من البترول» وفي داخل الجامعة نفسها «التحركات الطلابية ولا سيما الاحتلال الذي قام به طلابها لمبانيها في العام الماضي» قد ساعدت على نمو تیار «تعريب» الجامعة.
وأثناء أحداث احتلال الطلاب في العام الماضي، وهي الأحداث التي تحولت إلى قضية عامة شغلت لبنان، قام عدد من الأساتذة اللبنانيين في الجامعة بينهم الدكتور نجيب أبو حيدر والدكتور كمال الصليبي، برفع تقرير مفصل إلى رئيس وأعضاء مجلس أمنائها طالبوا فيه بإقصاء الرئيس الحالي للجامعة الدكتور صموئيل كيركوود بعدما «فشل بسياسته المتحجرة في إقامة حوار إيجابي بين الإدارة والطلاب». كما تساءل التقرير: «أصبحنا الآن أمام الأمر الواقع: هناك هوة كبيرة جدًا بين الإدارة والطلاب، فإما إقصاء الإدارة وأما إقصاء الطلاب. وبما أنه لا يمكن الأخذ بالإجراء الثاني لأن الجامعة لا تستطيع أن تعيش بدون طلاب فلا بد من إقصاء الإدارة الفاشلة الحالية». يتابع التقرير: «إذا كان صحيحًا أن الحركة الطلابية في الجامعة بالغت في فوضويتها فذلك لا يرفع عنا مسؤوليتنا الأساسية وهي أننا، كأساتذة وكإدارة، نلتزم بحكم مهمتنا التربوية بمساعدة أجيالنا الجديدة على السير في الطريق القويم والبناء».
أربعة مطالب
وطرح تقرير الأساتذة اللبنانيين أربعة مطالب أساسية «لحل مشكلة الجامعة»:
١ - إلغاء الطابع الأمريكي عن الجامعة بعدما أصبحت على حد تعبير التقرير «أوتيلًا للتعليم» ويستشهد التقرير بأن الجامعة لم تكن تحمل اسمها الأمريكي في بداية عهدها، وكان اسمها «الكلية السورية الإنجيلية» «القرن التاسع عشر».
٢ - عدم جواز بقاء رئاسة الجامعة خارج نطاق الأحداث السياسية الوطنية في المنطقة، وضرورة اتخاذها مواقف سياسية إلى جانب الحق العربي.
٣ - نقل مركز مجلس الأمناء من نيويورك إلى بيروت «لأنه أصبح من الضروري أن يكون لمجلس الأمناء إشراف فعلي ومباشر على سير العمل في الجامعة».
٤ - إذا كانت الجامعة تشكو من أزمة مالية فبإمكانها قبول مساعدات الدول العربية الغنية التي يهمها «ازدهار الجامعة».
وكان صدور هذا التقرير عن أساتذة لبنانيين لا شك بإخلاصهم لثقافتهم الأمريكية ومناهجها التربوية والتعليمية، كافيًا بالنسبة للذين اطلعوا عليه لأن يدركوا أن تيار «تعريب» الجامعة قد أخذ يمتد ويتسع، ويقوى بالتالي الخلاف بين وجهتي نظر لكل منهما تصورها ورؤيتها في الحفاظ على دور و«خدمات» الجامعة الأمريكية.
والخلاف تصاعد ووصل الآن إلى مجلس أمناء الجامعة نفسها، وحتى إلى المسؤولين الأمريكيين في وزارة الخارجية الأمريكية التي كما هو معروف، باتت منذ الخمسينيات تتعهد تأمين الجزء الأكبر من مصاريف الجامعة بعدما كانت الجامعة قبل ذلك تعتمد على أموال المتبرعين الأمريكيين الداعمين لنشاطات الإرساليات الأمريكية في العالم.
كيف تصاعد الخلاف وإلى أين وصل؟
المعلومات الخاصة جدًا التي حصلت عليها «الديار» في الأسبوع الماضي من مصادر «شديدة الاطلاع» تؤكد أن رئيس وأعضاء مجلس أمناء الجامعة حضروا في الشهر الماضي من نيويورك إلى بيروت وانضم إليهم الأعضاء العرب اللبنانيون في المجلس ورئيس الجامعة وعدد من كبار أساتذتها، وعقد الجميع عدة جلسات لبحث مستقبل هذه المؤسسة في جو أحيط بالكتمان والسرية الكاملين. وتوزعت هذه الجلسات بدون ضجيج بين مركز نادي خريجي الجامعة في رأس بيروت، وبين فندق البستان في بيت مري. كما شارك في الاجتماعات ممثلون عن السفارة الأمريكية في بيروت.
والملفت في هذه الاجتماعات أنها تمت على نفقة وضيافة مؤسسة «فورد فونديشن» التي افتتحت منذ سنوات قليلة مركزًا لها في بيروت، وأثارت حول نشاطاتها أكثر من ضجة إعلامية وسياسية واسعة فيما سبق. وهذه المؤسسة تعمل في مجال تقديم «الخدمات الاستشارية للمؤسسات التربوية والتعليمية». و «ضيافة» «الفورد فونديشن» وسرية الاجتماعات سمحتا لهذه المصادر بالتكهن بأن ثمة «مباركة» من واشنطن وراء ذلك خاصة أن المواضيع التي بحثت فيها وصفت بأنها «بالغة الأهمية».
وأعضاء مجلس الأمناء الأمريكيين الذين حضروا إلى بيروت كانوا: رئيس المجلس هوارد بايدج، ونائب الرئيس باركر هارت وأورفيل بنتلي، وهارفي كاش، والمفرد هیكرین، ودايفيد دودج، والأمريكي الجنسية واللبناني الأصل نجيب حلبي ومسز شارلي فيسك وهلغ هواست، والمفرد هول ودونالد بلاتن، وكالفن بليمبتون، وجيمس بريتشارد ومسز فرانك سميث، وهاملتن سوفوورث، ومسز فيليب واغلي، وصموئيل ويلي بالإضافة طبعًا إلى رئيس الجامعة الدكتور صموئيل کيرکوود.
أما الأعضاء العرب واللبنانون فهم: عبد الله يوسف الغانم «وزير الكهرباء والماء في الحكومة الكويتية الجديدة» ونقولا خوري، وفريد سعد ومدام فؤاد السعيد «سلوى»، وشكري الشماس، ووليم شحادة والوزير البحريني يوسف الشيراوي الذي جاء على متن طائرة خاصة وعاد عليها. وعلى رأس الأساتذة اللبنانيين كان الدكتور شارل مالك رئيس دائرة الفلسفة في الجامعة.
مستقبل الجامعة من الأساس
وتركزت هذه الاجتماعات على موضوعين رئيسيين:
۱- مستقبل الجامعة، ۲- تغيير اسمها.
وكان واضحًا- تقول المصادر «الشديدة الاطلاع»- أن كل المجتمعين متفقون على تدعيم موقع الجامعة ودورها الأساسي في تخريج «النخبة القيادية في العالم العربي».
كما كان واضحًا أيضًا أن الخلاف هو حول كيفية انتهاج الأساليب التي من شأنها أن تزيل العقبات التي تحول دون إتمام هذا الدور. من هنا حاول الداعون إلى «تعريب» الجامعة إقناع المعارضين أن عملية «التعريب» ليست أكثر من عملية «تدوير» للأموال العربية بحيث إن الدول النفطية تتولى تمويل الجامعة بدلًا من الحكومة الأمريكية، وأن المسألة لن تتعدى شكليات معينة لتجاوز الحساسيات التي يثيرها الطابع الأمريكي للجامعة. وأبرز الداعين إلى التعريب كان الوزير البحريني الشيراوي الذي وقف يقول: «لا تبكوا على المال. الأموال موجودة.
لن نقبل بالتمويل إلا إذا تحققت مشاركتنا في الجامعة.
والمشاركة خليجية. نريد رئيسًا عربيًا. اتفقوا على المبادئ وغدًا نأتيكم بالأموال، والتفاصيل الأخرى لن نختلف عليها».
أبرز المعارضين «للتعريب» في صيغته المطروحة كان الدكتور شارل مالك. ونقلت المصادر أن الوزير الشيراوي انتفض في أحد الاجتماعات، وكان قد مضى على النقاش أكثر من ساعتين، ليقول: «مضت عليكم ساعتان حتى الآن وأنتم تتكلمون. فهل تعرفون أن المملكة العربية السعودية حصلت من أموال البترول خلال هاتين الساعتين بين ٦٨ أو ۷۸ مليون دولار. فالقصة ليست قصة أموال. المهم تعريب الجامعة. أي أننا نريد رئيسًا عربيًا وما يتبع ذلك من نسبة الأساتذة».
ونوقشت خلال الاجتماعات فكرة إلغاء كلية العلوم والآداب وجعلها كلية للدراسات العليا «بعد الليسانس».
وهنا تكهنت هذه المصادر أنه ربما كان وراء التأييد العام الذي لقيته هذه الفكرة لدى المجتمعين كون أغلب العناصر الطلابية اليسارية والرافضة في الجامعة تتحرك من هذه الكلية، خاصة في فرع الآداب كالتاريخ والجغرافيا والفلسفة وغيرها من مجالات العلوم الإنسانية.
وتقول المصادر إن الاجتماعات لم تسفر عن اتخاذ قرارات محددة، ولكن جرى تشكيل مجموعة لجان كل منها لاستكمال البحث في المواضيع الرئيسية المطروحة. فتشكلت لجنة برئاسة الأستاذ في الجامعة الدكتور وصفي حجاب تحت اسم «لجنة تغيير اسم الجامعة». وتضيف المصادر أن بين الأسماء المقترحة للجامعة اسم واحد فقط هو: «جامعة الخليج العربي». وتشكلت لجان أخرى للمناهج والكليات والإدارة.. إلخ.
وتضيف المصادر أن اللجان تواصل عملها ووضع تقاريرها في الوقت الحالي تمهيدًا لرفعها قريبًا إلى مجلس الأمناء.
كم يبلغ ثمنها؟
وقد جرت خلال تلك الاجتماعات عملية تقدير لثمن ممتلكات وتجهيزات وعقارات ومباني الجامعة في لبنان فتراوح التقدير العام بين ٤٠٠ و٦٠٠ مليون دولار.
على ضوء هذه المعلومات، تعلق المصادر «الشديدة الاطلاع».. أن «القرار» الأساسي قد اتخذ على ما يبدو في واشنطن وهو «الإبقاء على الجامعة الأمريكية لأنها لم تستنفد دورها وبقي أمامها الكثير». أما ما يريد الأمريكيون طرحه على بساط البحث، تقول هذه المصادر، فهو الأساليب والأشكال الجديدة التي ينبغي اتباعها لتأمين استمرارية دور الجامعة.
فإذا كانت الأقاويل قد طرحت مصير الجامعة نفسها في الفترة الأخيرة، وهذا ما لمح إليه مسؤولون لبنانيون، فإن المراقبة الهادئة لمجرى الأحداث ولحجمها تدفع إلى التأكيد على أن مسألة إقفال الجامعة لم ولن تطرح جديًا على الإطلاق. ويكفي في ذلك الاعتماد على «وطنية» الولايات المتحدة الأمريكية نفسها التي تعتبر، على حد تصريح رئيس مجلس الأمناء: «أن بلدنا يرى أن الشرق الأوسط منطقة حساسة جدًا والجامعة الأمريكية تلعب دورًا ثقافيًا كبيرًا فيه، وهي لذلك وجدت لتبقى، ولتبقى في بيروت بالذات».
إذًا الجامعة باقية، والخلاف، على أهميته، هو حول أساليب استمرارها. فهل يطمح الأمريكيون، من وراء مباركتهم «لتعريب» الجامعة بصيغته المطروحة من الأستاذ المطرود لورنس اغبرت، مرورًا بتقرير نجيب أبو حيدر وكمال الصليبي، وانتهاء باقتراح الوزير الشيراوي هل يطمح الأمريكيون إلى «تعريب» الصراع داخل الجامعة وحولها في ميدان المواجهات الثقافية بما لها من بعد سياسي ووطني؟
هذا هو السؤال •
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل