العنوان جامعة المشرق والمغرب في شيكاغو
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 09-يونيو-1981
مشاهدات 79
نشر في العدد 532
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 09-يونيو-1981
يعاني الطلبة الذين يتوجهون للدراسة في أمريكا وغيرها من صعوبات كثيرة منها: الضعف في اللغة وصعوبات التأقلم مع الحياة هناك، وإيجاد الدراسة المناسبة؛ ولذلك يفشلون في دراساتهم أو ينجرفون بالتيارات الضالة، وكذلك يعاني الأمريكيون والطلبة الدارسون في معاهد الغرب والمسلمون منهم خاصةً من نقص المراجع التي تتحدث عن الإسلام بصدق، وقلة المعاهد التي يدرس فيها مسلمون ويعرضون الإسلام على نحو صادق مشرق.
و لأجل سد هذه الثغرات أنشئت في شيكاغو «جامعة الشرق والغرب» لتؤدي دورًا فَعَّالًا بَنَّاء في التعريف بالإسلام وخدمة الراغبين في الدراسات المُتعلقة به، وخدمة الطلبة المسلمين في ديار الغرب، وهي خطوة رائدة في هذا المجال الحيوي من «الدعوة العملية العلمية» للإسلام.
ونقدم هنا تعريفًا بهذه الجامعة ومقابلة مع رئيسها راجين لهذا المعهد الفذ كل خير وتقدم.
كيف بدأت فكرة إنشاء الجامعة؟
كان للجامعة بدايات عدة فمن جهة كان هناك شعور جارف لدى البعض بأنه بات من المحتم لاستمرار الإسلام في الولايات المتحدة أن ينتقل المسلمون من طور بناء المساجد والمراكز الإسلامية إلى طور بناء المؤسسات الثقافية من مدارس وجامعات، بالإضافة إلى المؤسسات التجارية كالبنوك الإسلامية والشركات؛ كي يضربوا بجذورهم العميقة في المجتمع الذي يعيشون فيه ويعمقوا تضامنهم ومفهومهم لوحدة مستقبلهم.
فكان أن بدأت فكرة الجامعة تراودنا منذ شهر إبريل من عام 1976 الميلادي وأثناء وجودنا في اجتماع لاتحاد علماء الاجتماع المسلمين. انتهزْت يومها فرصة لقائي بأخي الدكتور محمد وصي الله خان، وتحدثنا عن الحاجة إلى إقامة مؤسسة تخطط لقيام الجامعة والأبعاد المترتبة على ذلك، واستمر الإعداد؛ وتحين الفرص حتى كلل الله عز وجل هذه المساعي بالنجاح وهذا فضل الله على المسلمين، فحمدًا لله على فضله. وباستطاعتي القول هنا إن فكرة الحاجة إلى إنشاء جامعة هي في ذهن كل مسلم بالولايات المتحدة، ولكن إمكانية التحقيق كانت العائق.
ثم كان أن تَقَلَّد أخي الدكتور محمد وصي الله خان منصب عميد في إحدى الجامعات الأمريكية واطلع من خلال عمله هناك على النظام التعليمي فاكتسب من خلال ممارساته شؤون إدارة الجامعات الأمريكية خبرة ودراية أفادت كثيرًا في ميلاد الجامعة، وعَلِمَ أن هناك العديد من المساعدات المالية التي تقدمها الحكومة على مختلف المستويات إلى الطلبة وخاصةً في المستويات المسحوقة الفقيرة كالسود وأولئك الذين هم من أصول إسبانية.
ولا يخفى عليكم أن هؤلاء هم أقرب الناس إلى الإسلام، ويرون فيه الطريق إلى الخلاص من الظلم اللاحق بهم من جراء جور النظام الرأسمالي، ويأملون أن يَتَخَلَّصُوا من جور العباد بعدالة الإسلام، ومن العبودية الاقتصادية الجديدة بالحرية التي يُعطيها الإسلام. فكان من الطبيعي بعد هذا أن نُقدم على هذه الخطوة الجريئة وكلنا أمل بنصر الله- سبحانه وتعالى- فإنه هو نِعْمَ المولى ونعم النصير.
وقد فتحت الجامعة أبوابها في أول العام الدراسي الماضي بخمسمائة طالب يدرسون في أقسام الجامعة الثلاث، وهي قسم الهندسة التقنية وفيه هندسة الحاسب الالكتروني والهندسة الالكترونية وقسم التجارة وإدارة الأعمال وقسم الآداب والعلوم الإنسانية. وستتحول هذه الأقسام إلى كليات في المستقبل إن شاء الله. كما أن الجامعة تحتوي على معهدين هما معهد الدراسات الإسلامية ومعهد الدراسات العالمية.
من الذين كانوا وراء المشروع؟ وكيف تم تمويله؟
للجامعة مجلسان: مجلس الإدارة ومجلس الأمناء، أما مجلس الإدارة فيتألف من ثمانية أعضاء هم الذين بدأوا المشروع وجمعوا له التبرعات وأشرفوا على تنفيذه وهم خمسة من المسلمين وثلاثة من غير المسلمين. وقد يسال البعض ولماذا نُدخل السم في الدسم؟ ونجيب على هذا بقولنا إن قوانين ولاية إلينوي كانت تقتضي منا أن نفعل هذا حتى لا نصنف على أننا جماعة دينية فنُحرم من المعونات المالية للطلبة. وبما أن المشروع قد رُسم على أساس مبدأ الاكتفاء الذاتي من الناحية المالية وحتى لا نضطر إلى جمع التبرعات كل سنة والإثقال على المسلمين فقد قررنا أنه لا خوف من أن ندخل من انتقينا معنا من غير المسلمين حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا، وبعدها وعندما نتخلص من الحاجة إلى الاعتماد على المعونات الحكومية يكون لكل حادث حديث. أما أعضاء مجلس الإدارة من المسلمين فهم: الدكتور خورشيد مالك وهو طبيب جراح، والدكتور محفوظ الحق وهو طبيب، والدكتور أحمد صقر وهو أستاذ في علوم التغذية، والدكتور محمد وصي الله خان واختصاصه: الإدارة التعليمية وأخوكم في الله صافي قصقصي، وأنا تاجر ورجل أعمال وقد قدرت أخيرًا بالإضافة إلى اهتماماتي الكثيرة العودة إلى الدراسة وإلى التحضير لنيل شهادة الدكتوراه في إدارة الأعمال.
و قد راعينا في مجلس الإدارة الذي أرأسه أن تكون الغالبية العظمى للمسلمين حتى لا يكون هناك شك في هوية الجامعة وقُدرتنا على التحرك بحرية وحسبما تمليه علينا عقيدتنا والأهداف المرجوة للجالية الإسلامية في الولايات المتحدة.
ومهمة مجلس الإدارة هي تمثيل الشخصية القانونية للجامعة وانتخاب مدير الجامعة وأعضاء مجلس الأمناء. ويتكون مجلس الأمناء الآن من تسعة عشر عضوًا ثلاثة عشر منهم من المسلمين وستة من غير المسلمين، ويرأس مجلس الأمناء الدكتور عبدالله عمر نصيف وهو أيضًا مدير جامعة الملك عبدالعزيز في جدة، ومن أعضائه الدكتور عزالدين إبراهيم وهو مدير جامعة الإمارات في العين وغيرهم من رجالات المسلمين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، ومهمة هذا المجلس هو رسم سياسات الجامعة واتخاذ القرارات المُتعلقة بنمط سيرها ووضع الإمكانات اللازمة من مادية ومعنوية في خدمة الأهداف المرسومة وتحريك كل الطاقات الممكنة لدفع عجلة مشاريع الجامعة إلى الأمام.
أما عن كيفية تمويل الجامعة فقد سبق أن ذكرت لكم أنه قد روعِيَ في بناء الجامعة مبدأ الاكتفاء الذاتي والممول الرئيسي للجامعة هم طلبتها، وقد بلغ عددهم في السنة الماضية حوالي خمسمائة طالب، وتبلغ رسوم الطالب الواحد للعام الدراسي ألفين وأربعمائة دولار سنويًا. أما المعونات الخارجية فقد احتيج إليها لتكوين رأس المال التأسيسي، ولشراء مبنى الحرم الجامعي، ولتجهيز الجامعة بالمكتبات والمُختبرات، وغيرها من التجهيزات والأثاث اللازم مما لا غنى عنه. وقد وفقنا الله لجمع مبلغ ستين ألف دولار من داخل الولايات المتحدة: 90 % منها جمعت من المسلمين مما يُظهر تفهمهم والتفاهم حول المشروع. كما تبرعت لنا مَبَرَّة الملك فيصل -رحمه الله- بمبلغ ثلثمائة ألف دولار إدراكًا منها لأهمية المشروع الإسلامي. وقد خُصِّصَ المبلغ لإنشاء معهد الدراسات الإسلامية، كما تبرع الأميران محمد الفيصل ونواف بن عبدالعزيز بمائة ألف دولار لكل منهما. وقد حصلنا على مبلغ عشرين ألف دولار من الشيخ أحمد صلاح جمجوم، وإننا نفخر بمساعدته لنا، وهذه كل المبالغ التي جمعت من خارج الولايات المتحدة حتى الآن. وإننا ندعو أهل الخير للتبرع لهذا المشروع الأول من نوعه ولزيارة الجامعة في مدينة شيكاغو.
لماذا أطلق عليها اسم جامعة المشرق والمغرب؟ ولماذا لم يطلق عليها اسم الجامعة الإسلامية كقولهم في أمريكا الجامعة الكاثوليكية؟
جـ: سميت جامعتنا بجامعة المشرق والمغرب تيَمُّنًا بقوله ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ (البقرة: 115) وللتأكيد على مبدأ إسلامي أصيل وهو أن الأمر كله لله وللتأكيد على أن الإسلام الذي بزغ نوره من الشرق هو للغرب أيضًا. ولا يخفى عليك يا أخي أن الكثير منا تعود في الماضي الوقوف طويلًا أمام الشكل وتجاهل المحتوى. فإن أردناها جامعة إسلامية فلنتفحص محتوياتها ولنحدد تعريفًا للجامعة الإسلامية ما هي؟ وهل هي التي تعني بالعلوم الشرعية دون غيرها؟ وهل هذا هو المطلوب؟ لقد عرضنا هذا السؤال على العديد من رجالات الفِكر الإسلامي في مختلف أنحاء العالم ووصلنا معهم إلى الخلاصة التالية:
تكون الجامعة إسلامية إذا وضعت كل إمكاناتها التعليمية في خدمة العقيدة الإسلامية سواء في العلوم النظرية أو التطبيقية لنشر هذه العقيدة وتعميق مفاهيمها عند الطالب، وإجراء الأبحاث المُتعلقة بها باستعداد. وفي ضوء هذا التعريف واجهتنا مشكلة مُستعصية ألا وهي أن جميع العلوم الإنسانية من تاريخ وعلم اجتماع وغيرها في وضعها الحاضر تُبرز خصائص الحضارة الغربية وقد كتبت كُتُبَهَا بواسطة غير المسلمين، وتعكس وجهة نظرهم. فقد قررنا أن نشمر عن ساعد الجد، وأن نُباشر في إنشاء معهد الدراسات الإسلامية الذي اختير مديرًا له الدكتور سلمان الندوي بن العلامة الشهير سليمان الندوي، ومهمة هذا المعهد:
أولًا: تدريس الإسلام
ثانيًا: إعادة كتابة العلوم الإنسانية من وجهة النظر الإسلامية ويُشرف على لجنة الأبحاث الدكتور إسماعيل الفاروقي.
وللمرة الأولى في الغرب ستُعَد الكتب الإسلامية الدراسية بواسطة مؤلفين مسلمين، وسيدرس الإسلام بواسطة الأساتذة المسلمين ولن يكون في هذا المعهد إلا المسلمين العاملين إن شاء الله.
والنقطة الأخرى هي أننا نلتمس من إخواننا في مختلف بلاد المسلمين أن يجدوا لنا عذرًا إن لم نطلق على الجامعة هذا الاسم أو ذاك؛ لأننا توخينا المضمون لا الشكل، ونود أن نُذَكِّر الجميع أن الولايات المتحدة ليست دولة إسلامية، وأننا هناك في قلب مركز أعداء الإسلام ووجهًا لوجه أمام القوى الصهيونية وغيرها من القوى اليمينية المُتعصبة من أعداء الإسلام والمسلمين، وأننا لسنا هناك وسط أصدقاء. فعذرًا أيها الأخوة حسبنا قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (الرعد: 17) .
لماذا اخترتم مدينة شيكاغو؟ وكيف حصلتم على الترخيص رغم صعوبة ذلك؟
جـ: أما اختيار مدينة شيكاغو فقد تم بعد دراسة عميقة راعينا فيها عوامل عدة، فشيكاغو ذات موقع جغرافي متوسط من أمريكا الشمالية، وهي تخلو من سيطرة طائفة معينة لتَعَدُّد الطوائف فيها فتلغي إحداها مفعول الأخرى؛ مما يسمح لنا بالعمل بحرية نسبية، وفيها جالية إسلامية من أكبر الجاليات، ولها نشاط ملحوظ، وبما أن الجالية الإسلامية هي المجال الطبيعي لتواجد ونمو المؤسسات الإسلامية فقد ساهمت هذه العوامل كلها في صنع القرار.
أما الترخيص فقد حصلنا عليه بالمُثابرة والعمل المتواصل لمدة سنة ونصف وبإصرار وتوفيق من الله عز وجل، وقد عمل إخواننا طوال تلك المدة بدون أجر إن أجرهم إلا عند الله، وقد أثَّر إخلاصهم وتفانيهم في العمل فيمن حولهم من غير المسلمين، فرَضُوا بالأجر القليل جدًا أو بالعمل بغير أجر تقليدًا منهم للمسلمين، ولا يزال معظم العاملين في الجامعة يتقاضون 60 في المائة من الأجور المُقدرة لهم تطوعًا وحتى يستقر وضعنا المادي إن شاء الله. فتفهم الإجراءات القانونية والخبرة بالنظام في الداخل والاستعانة بأهل الاختصاص وتوفيق الله والاعتماد عليه هي مقومات نجاح هذا المشروع.
ماهي مخططاتكم المستقبلية للجامعة؟
نرجو من الله عز وجل أن يثبت العاملين في الجامعة على الإسلام وأن يهدي غيرهم فيهم وليس هذا بكثير على الله. كما نرجو أن تنمو الجامعة لتُصبح خلية زاخرة بالحياة الإسلامية، فيها التخطيط والأبحاث والكتابات التي هي جميعًا في خدمة الحركة الإسلامية وبناء الدولة الإسلامية المرتقبة. وقد سبق لأعدائنا أن بنوا مؤسسات علمية كانت نواة لدول عِدة ومازالت هذه المؤسسات تنتج الأبحاث اللازمة التي تضع أعداء هذه الأمة في الطليعة.
ولا يخْفَى على أحد هذه الأيام قيمة التقدم العلمي والتكنولوجي؛ لذلك فإننا نرجو أن تكون الجامعة نافذة لأُمَّتنا ودولنا الإسلامية على التكنولوجيا الغربية نكسر بواسطتها احتكار الغرب للتكنولوجيا الحديثة إذا أراد منعها عن أمتنا. لا بل نساهم في التطور التكنولوجي ونصل به إلى أبعد مَدَى. ولكننا وحتى نحقق هذا بحاجة إلى دعم إخواننا سواء هنا أم هناك والوقوف صفًا واحدًا كالبنيان المرصوص في وجه أعدائنا، وأن نبادر إلى دعم مشاريع الخير ولا نلتهي بالخصومات فتذهب ريحنا ونُصبح غثاء كغثاء السيل ونعوذ بالله من الجدل وقلة العمل، فهو دليل بغض الله لقوم وأعمالهم، وندعوه عز وجل أن يوفقنا دائمًا للسير على خُطى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
هل فتحتم معهدًا لتعليم اللغة العربية للأميركان ومعهدًا لتعليم اللغة الإنجليزية للعرب؟
نعم، وذلك أن معهد الدراسات الإسلامية هو الأرض الصالحة لتعليم اللغة العربية خاصة واللغات الإسلامية الأخرى عامة لمن يرغب في تعلمها. أما تعليم اللغة الإنجليزية للعرب فالجامعة تملك الآن ولله الحمد أحدث منجز سمعي بصري لتعليم اللغة الإنجليزية للعرب؛ لذلك فإننا نشجع الطلبة العرب الراغبين في الدراسة في أميركا أن يلتحقوا بالجامعة على الأقل لدراسة اللغة الإنجليزية، والجامعة بعدها تحضرهم لاجتياز امتحان الترم المطلوب لدخول الجامعات الأميركية الأخرى، وباستطاعتنا مساعدة الطلبة العرب بعد ذلك على الالتحاق بالجامعة المناسبة حسب الاختصاص المرغوب فيه وتوفره، وتسهل بذلك الجامعة المرحلة الانتقالية الأولى على الطالب من شرقنا المسلم إلى الغرب وهي مرحلة صعبة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل