العنوان جامعات مصر .. كيف كانت؟ وماذا أصبحت ؟!
الكاتب رشاد محمد البيومي
تاريخ النشر السبت 27-نوفمبر-2010
مشاهدات 66
نشر في العدد 1928
نشر في الصفحة 34
السبت 27-نوفمبر-2010
كان للحركة الطلابية دور سياسي فاعل خلال القرن الماضي.. وقد تراجع هذا الدور بعد تدخل جهاز الأمن في شؤون الجامعات
كان للجامعات المصرية دور فاعل ومؤثر في تاريخ مصر حيث كان طلابها - منذ بداية القرن العشرين - وقودًا لحركات التحرر الوطني منذ ثورة ۱۹۱۹م حتى يوليو ١٩٥٢م، وشاركت جموع الطلاب في الجمعيات السرية التي كانت تحارب الاحتلال البريطاني وتعمل على إنهائه... ويسجل التاريخ ، مذبحة الطلبة في حادثة كوبري عباس ، حيث خرج الطلاب من جامعة فؤاد الأول: »القاهرة حاليًا« على اختلاف أطيافهم متجهين إلى قصر عابدين في 9 فبراير ١٩٤٦م، رافعين شعار الجلاء بالدماء...
وكان »محمود فهمي النقراشي«، يجمع بين منصبي رئيس الوزراء ووزير الداخلية فأصدر أمرًا بفتح كوبري عباس بعد محاصرة قوات البوليس للطلبة والهجوم عليهم من جانبي الكوبري مما دفع الطلبة إلى إلقاء أنفسهم في نهر النيل، واستشهد عدد منهم، على رأسهم الشهيد »عبد الحليم الجراحي«، وآخرون غير من أعتقل ومن نال من الضرب أشكالًا، وكل ذلك إرضاء للاحتلال الإنجليزي مما آثار غضب الطلبة واتهموا النقراشيء بالعمالة للإنجليز.
وتواصل موقف الطلاب عام ١٩٤٨م لمواجهة الصهاينة في فلسطين، إلى أن جاء عام ١٩٥١م، وكان لهم دور بارز في تثبيت دعائم الحدث.. فعندما دعا داعي الجهاد المقاومة الاحتلال البريطاني في ذلك العام تحولت الجامعات المصرية الثلاث - جامعة فؤاد الأول »القاهرة«، وجامعة إبراهيم »عين شمس«، وجامعة فاروق الأول »الإسكندرية« - إلى معسكرات للجهاد وحرص طلاب الإخوان المسلمين على أن يكونوا وقودا لهذه المعركة، وتطوع الطلاب المقاومة الإنجليز في القناة، وشارك الجميع في هذه الملحمة المضنية في تاريخ العمل الطلابي.
مسؤولو الجامعات
وفي تلك الفترة تجاوب المسؤولون مع التوجه الطلابي، ورصدت الجامعات ميزانيات للصرف على المعسكرات وتزويد الطلاب بالسلاح المبدئي.. ولعلنا نذكر أن رئيس السلطة الفلسطينية الراحل ياسر عرفات كان طالبًا بكلية الهندسة، وبدأ حياته العسكرية في معسكر جامعة القاهرة.
وسافرت الكتائب إلى محافظة الشرقية شمال شرق القاهرة، ومنها إلى مدن القناة »شرق مصر«، ونسفت كوبري الفردان الذي كان شرياناً يربط بين المعسكرات، وتم نسف قطار كان يحمل أعدادًا غفيرة من العسكر الإنجليز، ثم مهاجمة المعسكرات وتدمير الكثير منها، وبعد نجاح هذه العمليات بدأ الإنجليز يفكرون جديًا في الجلاء. وقد دفعت الحركة الطلابية ثمناً غاليًا تمثل في شهدائها، وأذكر منهم - على سبيل المثال لا الحصر - »أحمد المنيسي« طالب الطب ورفيق دربه »عمر شاهين «طالب الآداب شهيدي معركة التل الكبير. اللذين سجلًا تاريخًا ناصعًا مشرقًا على مر الزمان وما زلت أذكر ذلك اليوم الذي شهد موكب تشييعهما من جامعة القاهرة. وقد شارك »د. عبد الوهاب « مدير الجامعة والمرشد العام للإخوان المسلمين الأستاذ »حسن الهضيبي« يرحمهما الله في حمل نعوش الشهداء.. ولا تنسى طالب اعدادي الطب ابن ١٨ عامًا عادل غانم الذي شارك أخويه أحمد المنيسي وعمر شاهين في موكب الشهداء ممثلا له جامعة عين شمس، وكان في وداعه »محمد كامل حسين« باشاء مدير الجامعة.
هكذا كان طلاب الطب وأقرانهم من الكليات الأخرى، وما زالوا نموذجًا للتفوق العلمي، وحسن التعامل مع أساتذتهم وزملائهم.
مظاهرة حاشدة
وعندما قامت ثورة يوليو ١٩٥٢م، كان الطلاب من أكبر دعائم نجاحها، وتوالت المظاهرات المؤيدة لمسيرة الثورة في أيامها الأولى.. واستمرت الحال هكذا، حتى بدأت ممارسات العسكريين تتناقض مع ما كان متفقًا عليه معهم، وبدأ الصراع بين جمال عبد الناصر و محمد نجيب أول رئيس للجمهورية في فبراير ١٩٥٤م: بهدف إقصاء نجيب ليحل محله، فاندلعت المظاهرات في جامعة القاهرة.
وكانت واحدة من كبرى المظاهرات التي شهدتها مصر، وتوجهت إلى ميدان عابدين، وانضم إليها الكثير من المواطنين، مطالبين بعودة العسكريين إلى تكناتهم وعودة محمد نجيب إلى منصبه وفي الطريق استشهد الأخوان محمد السحرتي وتوفيق عجينة الطالبان بكلية الهندسة جامعة القاهرة وفي ميدان عابدين، انضم إلى المظاهرة الكثير من الإخوان الذين أرغموا عبد الناصر على الاستجابة إلى رغباتهم.
ولم ينصرف الجميع إلا بعد أن تم استدعاء الشهيد عبد القادر عودة وأصدر أمره للجميع بالانصراف.
التدخل الأمني
كان دور طلاب الجامعات مؤثرًا وموجها للمناخ السياسي، ولكن ما أن تم الانحراف بالسلطة والتوجه إلى الاستعانة بالأمن، حتى بدأ دور الطلاب في التراجع وكانت الدولة صاحبة المبادرة في استعمال سلاح العنف في الجامعات والمدارس... وأذكر هنا ما حدث في مارس ١٩٥٤م، عندما اجتمع أساتذة وطلاب جامعة القاهرة احتفالًا بذكرى شهداء الجامعة، وكان بعض رجال الثورة حضورًا في هذا الحفل، وكذا كان حاضرًا نواب صفوي - رئيس جماعة فدائيان إسلام الإيرانية - وما أن انصرف رجال الثورة حتى فوجئ الجميع بسيارة بوليس حربي يستقلها الضابط كمال يعقوب وبعض رجاله واقتحمت الحفل في الوقت الذي تجمع فيه العديد من البلطجية، من حملة السلاح الأبيض والجنازير وحاولوا تخريب الحفل ولكن جموع الطلاب تصدوا لهم ولقنوهم درسًا لا ينسى، وكانت هذه أولى بوادر استخدام البلطجة والعنف والإرهاب في مساندة النظام الحاكم، ثم تبعها ما حدث من الاعتداء على »د. عبد الرزاق السنهوري «من نفس نوعية البلطجية !!
وقد تنامى التدخل الأمني في الجامعة حتى أصبح لازمًا الآن أن يؤخذ رأي الأمن في تعيين المعيدين وفي تعيين رؤساء الأقسام والعمداء، بل وصل الأمر إلى أنه لكي يسافر عضو هيئة التدريس لحضور أي مؤتمر عالمي لا بد من الحصول على إذن من الأمن وبدأ تجنيد الطلاب للعمل كعملاء للأمن يبلغون عما يجري في الجامعة، ووصل الأمر إلى تعيين البعض من هؤلاء العملاء في هيئة التدريس مما أوجد نوعًا من التدهور في هذا الكيان السامي، وبالتالي بدأ الخوف من ممارسة أي عمل سياسي في الجامعة أو إبداء الرأي.
وغاب الطلاب تمامًا عن التنشئة السياسية السليمة، وأصبح لزامًا أن يعمل الجميع لحساب الحزب والنظام الحاكم وكانت حركة »حورس«، مثلًا لذلك.. ووصل الأمر إلى أن تولى أمور الجامعة أشخاص مقوماتهم الولاء والخضوع والخنوع للنظام ووصل الأمر أيضًا إلى أن يتطوع المسؤولون عن جامعة القاهرة بتقديم مبني من أربعة أدوار على مساحة كبيرة هدية لجمعية المستقبل التابعة ل جمال مبارك نجل الرئيس المصري الحالي، رغم الشكوى من قلة الإمكانات المادية اللازمة للتعليم والبحث العلمي ونتيجة لذلك، غابت حرية التعبير وأصبح النفاق والزلفى طريقًا لنيل المناصب، وسكت أصحاب الرأي خوفًا من إبداء رأيهم أو مناقشة أحوال الأمة، وغابت الأحزاب والقوى السياسية: إذ لم يكن مسموحًا لأحد - إلا عملاء النظام - بالتحرك.. حتى الجمعيات الطلابية أصبحت تابعة للأمن، ولا يسمح لأي أستاذ أو مجموعة من الطلاب بالاتفاق على تكوين جمعيات طلابية أو علمية وذلك العدم رضا الأمن عنهم.
ثم تفننت الدولة في إيجاد المعوقات التي تحول بين الطلاب وبين قرص الممارسة فاستحدثت نظام التيرم الذي استطاع أن يشغل الطلاب ويبعدهم عن أي نشاط سياسي أو غيره رغم أن هذا النظام فشل فشلًا ذريعًا في الممارسة التعليمية.
استعادة الدور
ولكي تستعيد الجامعة دورها في فرز قيادات يستلزم أولًا اختيار مسؤولين عن التعليم الجامعي من أهل الخبرة والعلم والمعرفة، ثم الوقف التام لهيمنة الأمن على الجامعة، والعمل على استقلال الجامعات وتوفير الإمكانات العملية والمعملية والمكتبية لما يتواكب مع التقدم العلمي في العالم، والعودة إلى ممارسة الأنشطة بكافة أنواعها سياسية ورياضية وفنية وأدبية.. فهذا مما يساعد على تفتح الأذهان واتساع الأفق.
وهناك أيضًا الإهتمام بالشباب بإعتبار أنهم عدة المستقبل، وأمل الأمة، وحاملو لواء القيادة في المستقبل.. وكذلك الإهتمام بالأستاذ الجامعي ماديًا ومعنويًا، ثم وضع خطة عامة للبحث العلمي تربط بين الجامعات والمراكز البحثية من جانب ومتطلبات الدولة من جانب آخر.
كما يجب التصدي لمشكلات المجتمع وتوجيه البحث العلمي الوجهة التي تتعامل مع المشكلات والمعوقات وتقدم الحلول المناسبة فنحن لا ينقصنا العلماء الأكفاء ولكن تنقصنا السياسة الواعية لتشغيل هذه الطاقات...
وأذكر هنا أنه بالمقارنة بين مصر وقطر جاءت مصر في الترتيب (۲۷) في عدد العلماء، في حين جاءت قطر في الترتيب (١٦٤) في عدد علمائها، ومع ذلك فإن قطر كانت في الترتيب (٧٥) بالنسبة للتنمية، أما مصر فبرغم عدد علمائها فإنها كانت في الترتيب (۱۱۹).. فهل هذا يعقل ؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل