; ثورة «العدالة والتنمية» لإصلاح المؤسسة العسكرية التركية | مجلة المجتمع

العنوان ثورة «العدالة والتنمية» لإصلاح المؤسسة العسكرية التركية

الكاتب سعد عبدالمجيد

تاريخ النشر السبت 28-أغسطس-2010

مشاهدات 71

نشر في العدد 1917

نشر في الصفحة 62

السبت 28-أغسطس-2010

أول حزب حاكم في تاريخ البلاد المعاصر يعترض على قرارات مجلس الشورى العسكري الأعلى

أردوغان: ليست هناك أية مشكلة مع الجيش لكني أذكّر بموقف الراحل «عدنان مندريس».. والكلمة الأولى والأخيرة للشعب

رفض رئيس الوزراء التركي «رجب طيب أردوغان» التصديق على تعيين بعض قيادات الجيش، وعلى ترقية مجموعة أخرى متهمة جنائيًا بالسعي للانقلاب ضد الحكومة بين سنوات ۲۰۰۳ و ۲۰۰۹م، ووافق على تعيين قادة سلاح البحرية والجندرمة والطيران والجيوش الأول والثاني والثالث، وذلك في اجتماعات «مجلس الشورى العسكري الأعلى» المختص بترقية وعزل وتقاعد ضباط الجيش، التي عقدت بين ١ - ٤ أغسطس الجاري، بينما طلب الرئيس التركي «عبد الله جول» تجميد موقف مجموعة الضباط المتهمة، وعدم البت فيه لحين صدور قرار القضاء النهائي الخاص بالتهم الموجهة إليهم.

وكان «أردوغان» زعيم حزب «العدالة والتنمية» قد رفض يوم ٢ أغسطس الجاري التصديق على تعيين الفريق «حسن إغصيز» قائدًا للقوات البرية (القائد العسكري الذي يتأهل بعد سنوات قليلة لرئاسة أركان الجيش)، ومجموعة أخرى من الجنرالات طلبت النيابة التحقيق معهم جنائيًا بتهمة التخطيط للانقلاب ضد الحكومة.

وقالت وسائل الإعلام التركية: إن رئيس الجمهورية جمع بين «أردوغان» والجنرال «إلكر باشبوغ» رئيس أركان الجيش، في محاولة لحل الخلاف بينهما بشأن الترقيات والتعيينات العسكرية، وعرض عليهما فكرة تجميد موقف المتهمين لحين بت القضاء في التهمة الموجهة إليهم؛ حيث ينص قانون الخدمة العسكرية على منع ترقية الضابط المتهم في تهمة تتجاوز عقوبتها الحبس مدة خمس سنوات.

الكلمة للشعب

وفي الوقت الذي أعلن فيه «أردوغان» –يوم ٢٤ يوليو الماضي –عن نيته تغيير نص المادة (٣٥) من قانون الخدمة العسكرية التي يستخدمها الانقلابيون في تعليل انقلابهم على الحكومات، فإنه علق على ما وصفته بعض وسائل الإعلام بوجود أزمة بين الحكومة والجيش بقوله يوم 5 أغسطس الجاري في مؤتمر جماهيري بمحافظة «أيدين»: «ليست هناك أية مشكلة بيننا وبين الجيش، لكني أذكر بموقف الراحل «عدنان مندريس» –أول رئيس حكومة تركية منتخب أعدمه الجيش عام ١٩٦١م بانقلاب ضد حكومته وقع عام ١٩٦٠م –الذي قال: كفى، ويجب أن تكون الكلمة الأولى والأخيرة للشعب»، وذلك في إشارة من «أردوغان» لأهمية التصويت بنعم على التعديلات الدستورية الإصلاحية المقرر الاستفتاء عليها يوم ١٢ سبتمبر القادم، والتي من بينها إلغاء المادة (١٥) من الدستور (مؤقتة) التي تمنع محاكمة قادة انقلاب عام1980م.

انقلاب مدني

أما أحزاب المعارضة البرلمانية –وخاصة الجمهوري واليساري والقومي –فيعارضون ثورة حزب «العدالة» الإصلاحية بكل مستوياتها، ومنها الجيش بالطبع، ويقول «كمال فيليطش دار أوغلو» زعيم المعارضة البرلمانية ورئيس الحزب الجمهوري، تعليقًا على موقفي رئيس الحكومة ورئيس الدولة من رفض تعيين بعض قادة الجيش وترقية مجموعة من الجنرالات يقول: إن «تدخل الحكومة في التعامل العسكري بشأن ترقية وتعيين قيادات الجيش يؤدي إلى خلق مشكلة».

وقال «دنيز بايقال» الزعيم السابق للحزب الجمهوري يوم 6 أغسطس في تصريحات صحفية أيضًا انتقد فيها الحكومة من مدينة «إزمير»: إن «ما حدث في اجتماعات مجلس الشورى العسكري مؤخرا –رفض «اردوغان» ترقية مجموعة من جنرالات الجيش المتهمين جنائيًا بالسعى للانقلاب ضد الحكومة –يعد بعدًا جديدًا يكمل الانقلاب المدني الذي تقوم به حكومة حزب «العدالة والتنمية»!

ویری «دولت باعجلي» زعيم الحزب القومي: إن «الحكومة بموقفها في اجتماعات مجلس الشورى العسكري الأعلى تحارب المؤسسة العسكرية».

آراء عديدة

من جهته، يقول «أرطغرل ما في أوغلو» مستشار التحرير بصحيفة «راديكال»، تعليقًا على موقف «أردوغان»: إن الراحل «بولنت أجاويد» قام بتعيين الجنرال «كنعان إيفرين» في نهاية السبعينيات من القرن الماضي، حين كان رئيسًا للحكومة، وهو مطمئن إلى أنه لا يمكن أن يقوم بانقلاب عسكري ضد الحكومة، غير أن «إيفرين» قام فعلًا بالانقلاب في ١٢ سبتمبر ١٩٨٠م، ولذا فالجيش التركي بحاجة إلى إعادة بنائه من جديد.. وأرى أن الموقف الأخير يؤكد الحاجة لتصفية التقاليد القديمة المتحكمة في مسيرة المؤسسة العسكرية.

ویرى «د. سادات لاتشينر» منسق مركز «أوصاق» التركي للدراسات، أن مجلس الشورى العسكري الأخير أوضح أن الترجيح في قائمة القادة المرشحين للمناصب العسكرية منحصر في الجانب العسكري، ولا تريد المؤسسة العسكرية السماح لرئيس الحكومة ورئيس الدولة –أي –المدنيين –بالتدخل، وإني أقول: «هل من المناسب ترقية أو تعيين ضباط مطلوبين جنائيًا؟ والحقيقة أن الحكومة لا تريد خلق مشكلة وكانت تنتظر من الجيش حل مشكلاته الداخلية بنفسه ولكن لم يفعل ...

ويرى «د. محمد الطان» –جامعة إسطنبول، ورئيس حركة «أوروبا ٢٠٠٠، - أن «قانون الخدمة العسكرية واضح ويمنع ترقية الضابط المتهم جنائيا المرفوع ضده دعوى قانونية».

أما العميد متقاعد «صائم أوزترك» (رئيس نيابة عسكرية أسبق) فيرى أن «من حق الحكومة رفض ترقية بعض الضباط بسبب التهم الجنائية، لكن من الناحية القانونية لا يوجد مانع من ترقية الضباط المتهمين». ويضيف قائلا: «هناك فرق بين قرار القبض الغيابي وقرار القبض الحضوري، والمشكلة التي أراها أمامي حاليًا هي في عزل الضباط المتهمين وليس في قرار القبض عليهم».

موقف لافت

جدير بالذكر، أن موقف رئيس الحكومة التركية شد انتباه الرأي العام والشارع السياسي في تركيا؛ باعتباره تصرفًا جديدًا لم يعتد عليه مجلس الشورى العسكري الموكول إليه منذ مطلع الثمانينيات دور تعيين وترقية وعزل ضباط الجيش، ويترأسه مناصفة رئيس الحكومة ورئيس أركان الجيش، ويشارك فيه وزير الدفاع وقادة فروع الجيش الرئيسة، لكن القرارات الصادرة منه تحتاج إلى تصديق رئيس الحكومة أولًا ورئيس الدولة ثانيًا؛ لكي تصبح سارية التنفيذ والمفعول.

ويعد حزب «العدالة والتنمية» أول حزب حاكم في تاريخ تركيا المعاصر الذي يعترض على قرارات مجلس الشورى العسكري؛ حيث بدأ الرئيس «عبد الله جول» عام ٢٠٠٢م –حين ترأس أول حكومة للحزب بعد فوزه بالانتخابات العامة في نوفمبر من العام نفسه –بطلب تفسيرات وإيضاحات من المجلس العسكري حول عزل وطرد ضباط وصف ضباط من الجيش بتهمة «الأنشطة الرجعية»، وهو التعبير المستتر الذي يستخدمه الجيش وبعض وسائل الإعلام للتغطية على معارضة تدين الضباط.

وقامت حكومة «العدالة بالسماح» قانونيًا لمن يطرد من صفوف الجيش برفع دعوى أمام المحاكم المدنية للاعتراض على قرار طردهم، وهذا أيضًا من بين التغييرات الجذرية التي تقوم بها لإصلاح أمور المؤسسة العسكرية.

الرابط المختصر :