العنوان ثورة الشعب المصري
الكاتب أحمد عز الدين
تاريخ النشر السبت 05-فبراير-2011
مشاهدات 90
نشر في العدد 1938
نشر في الصفحة 8
السبت 05-فبراير-2011
منذ سقوط نظام الرئيس التونسي الهارب «زين العابدين بن علي»، فرضت التجربة التونسية نفسها على الشارع العربي، من سورية شرقًا إلى المغرب غربًا، مرورًا بمصر والأردن واليمن والجزائر لكن ألسنة المدافعين عن النظام في مصر لم تكف عن ترديد القول: «إننا نختلف عن تونس، وما حدث عندهم لا يمكن أن يتكرر عندنا.
وتلك مقولة قديمة، ظلت تتكرر كلما حدث تغير سياسي كبير في العالم حين تحررت شعوب الكتلة الشيوعية، وحين حدثت الثورة البرتقالية في أوكرانيا، وعندما انتفضت جورجيا وقرغيزيا... إلخ، فمصر دائمًا - عندهم - منفردة، لا تتأثر بما حولها ولا تصيبها العدوى، وشعبها لا يغار ولا يقتدي ولا يحتاج للتغيير كأن الله سبحانه وتعالى خلق المصريين من طينة مختلفة.
هذا التفرد الغريب لا نسمعه إلا حين يتعلق الأمر بتغيير سياسي من شأنه أن يمس هيمنة النظام وتسلطه، أما إذا شكا الناس من ارتفاع الأسعار، فيقال: إننا جزء لا ينفصل عن العالم، تتأثر بكل ما يقع فيه، حتى أن الحرائق التي اندلعت في روسيا أثرت مباشرة على رغيف العيش في مصر.
الواقع أن أوجه الشبه بين مصر وتونس كثيرة، وحتى لو كانت أوجه الشبه منعدمة فلا يعني ذلك أن العدوى ليست ممكنة، فالسؤال كان مطروحًا ومشروعًا هل تواجه دول أخرى انتفاضة مثل انتفاضة تونس؟ هل سيجد شباب محبط ومقهور بصيص أمل قادمًا من تونس فيحاول السير في الطريق ذاته؟ هل سيواجه قادة أخرون ذات المصير؟
عرفت دول عربية انتفاضات شعبية وحركات احتجاجية، بعضها كان عنيفًا كما حدث في انتفاضة الخبز في مصر في ١٨ و ١٩ يناير، التي أجبرت السادات على التراجع عن عدد من قرارات رفع الأسعار، وحدث تمرد جنود الأمن المركزي عام ۱۹۸٦م الذي شل القاهرة، وأكثر هذه الاحتجاجات كان لأسباب اقتصادية وغلاء المعيشة، كما أن هناك احتجاجات فئوية كثيرة، لكن أيًا منها لم يصل إلى حد الإطاحة بنظام حكم، ربما السودان كان نموذجًا بعيدًا حين أطاحت انتفاضة شعبية بحكم الرئيس «الميري» في أبريل سنة ١٩٨٥م.
نظام «بن علي» التونسي جسد أحوال كثير من الأنظمة العربية التي اعتمدت في شرعيتها على حماية الأمن وأقام نظامًا مستبدًا معاديًا للديمقراطية، يستجيب لمبادئ العولمة وتعليمات صندوق النقد، وينفذ برامج تعمل لخدمة الطبقات النافذة على حساب الطبقات الدنيا.
وهو صاحب سياسة تجفيف منابع الدين وصاحب فكرة ضرورة أن يحصل مرشح الرئاسة على عدد من أصوات النواب، ثم تزور الانتخابات لمنع وجود أولئك النواب من الأصل، نظام قتل السياسة وكان مشغولًا بتفجير كل الكيانات السياسية والنقابية ومنظمات المجتمع الأهلي، وفرض قيودًا على حرية التعبير ومنع إنشاء الصحف إلا بموافقات أمنية، ومنع القنوات الإسلامية، ومصر تعاني من ذلك كله.
في البلدين أيضًا سلطة لا تملك سوى الحلول الأمنية، ولا تتحرك إلا تحت الضغط ولا تعير التفاتًا لإرادة الشعب.
في تونس فكرت زوجته في أن ترث الحكم وفي مصر كان الابن مرشحًا للرئاسة، وفي البلدين كانت لقرينتي الرئيسين أدوار سياسية دون سند من الدستور والقانون.
ظن المسؤولون في تونس ومصر أن النجاح الاقتصادي كفيل بتحقيق الاستقرار، وفاتهم أنه في غياب الإصلاح السياسي والشفافية والمحاسبة، فإن النجاح الاقتصادي لن يخدم الشعب، وإنما سيدخل بطون طبقات النخبة ورجال الأعمال.
في البلدين شباب يعاني من الضائقة الاقتصادية والبطالة وأزمة الزواج وغيرها ومن الحرمان السياسي والتهميش والإقصاء عن صنع القرار.. شباب جامعي متعلم يتواصل عبر موقع التواصل الاجتماعي على الإنترنت. في الحالتين من السهل أن نعلق أخطاءنا على شماعة المؤامرات الخارجية، ونتجاهل أن الخطر الحقيقي يولد في الداخل.
ما حدث في تونس تم بعفوية وتلقائية، لا حزب يقود ولا رأس يدبر، وهو أمر يشل كل الحسابات ويلغي كل التنبؤات.
العدوى تنتشر
تأخر خطاب «مبارك» في اليوم الأول تزامن مع تأخر بيان البيت الأبيض.. ما العلاقة؟ ومن أخر من؟!
تعيين عمر سليمان وأحمد شفيق جاء متسقا مع سيناريو أمريكي اعتمده مجلس الأمن القومي الأمريكي منذ أشهر
عدوى تونس بدأت في الانتشار، وأعلن شباب مصريون عن تنظيم يوم الغضب الموافق الثلاثاء ٢٥ يناير ٢٠١١م، وهو يوم عيد الشرطة، مع ما يحمل ذلك التاريخ من إشارات ودلالات.
تعهد قرابة مائة ألف متصفح على موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك» بالنزول إلى الشارع بعد أسبوعين من انتصار انتفاضة تونس في اليوم المحدد نزلت عشرات الآلاف إلى الشوارع بالفعل في معظم المحافظات المطالب تكاد تكون واحدة: إصلاحات سياسية واجتماعية واقتصادية وقد تبلورت حول شعار «الشعب يريد إسقاط النظام».
ورغم حجب الإنترنت بالكامل، وقطع كل شبكات المحمول، فقد خرج الجميع مرة أخرى بعد صلاة «جمعة الغضب» يوم ٢٨ يناير، وكان التحرك الشعبي في ذلك اليوم مذهلًا بكل المقاييس، فقد أصبح تعداد المتظاهرين بالملايين في مئات المواقع، أراد الأمن قمع المظاهرات لا تأمينها وتعاملت قواته مع المتظاهرين بوحشية وقطعت الطرق عليهم، فزاد عدد المظاهرات وانتشارها، ولجأ بعضهم إلى إحراق سيارات الشرطة باعتبارها رمزًا للقمع، استدعى الحدث مخزونًا هائلًا داخل النفوس من عدم الرضا عن تصرفات الشرطة من سوء المعاملة وفرض الإتاوات والرشوة وتزوير الانتخابات والتعذيب والاعتقالات فامتدت دائرة الغضب لتحرق ما يمكن أن تصل إليه الأيدي من مراكز للشرطة ومقار لأمن الدولة وغيرها.
كما طال التحريق المقر الرئيس للحزب الحاكم «الحزب الوطني»، وعددًا من مقاره الفرعية؛ باعتباره رمزًا للاستبداد والفساد.
وقبل أن تغيب شمس الجمعة كانت الحرائق تنتشر في أكثر من مكان، الأمر الذي استدعى نزول الجيش للشوارع وفرض حظر التجوال.
فراغ أمني
ورغم أن الجيش نزل الشارع لمساعدة قوات الأمن حسب القرار الرئاسي، إلا أنه بمجرد الإعلان عن نزول الجيش اختفت قوات الأمن من كل مكان، وكأنها تبخرت بل اختفت الشرطة كلها، بما في ذلك رجال المرور والإطفاء وحراسات المنشآت وغيرها، ما بين مليون و ۳۰۰ ألف إلى مليونين ممن ينتمون إلى هذه الوزارة المتضخمة المستفحلة لم يعد لهم وجود، وهذا لغز كبير يحتاج إلى تفسير ومساءلة قانونية، فللمرة الثانية خلال ربع قرن تتسبب أعمال الشرطة في الإخلال بالأمن، وتكبيد الاقتصاد خسائر بعشرات المليارات من الجنيهات، ففي عام ١٩٨٦م تمرد جنود الأمن المركزي، وحدث فراغ أمني تسبب في موجة سلب ونهب وتخريب، ولكنها لا تقاس بما
كيف تبخر ما يقرب من مليونين من رجال الشرطة بمجرد الإعلان عن نزول الجيش؟! لغز كبير يحتاج إلى حل ومساءلة!
الحدث استدعى مخزونًا هائلًا داخل النفوس حيال الشرطة باعتبارها رمزًا للقمع والرشوة وتزوير الانتخابات..
حدث هذه المرة خاصة مع ظهور عدد كبير من المنشآت والمراكز التجارية لم تكن موجودة آنذاك.
اختفى الأمن قبل أن يتم انتشار الجيش الذي نزلت منه قوات محدودة لا يمكن أن تسد الفراغ، فخرجت الخفافيش من كهوف قاع المدينة، ودفعت العشوائيات أبناءها ليحققوا العدالة الاجتماعية وفق مفهومهم المغلوط فعاثوا في المدينة فسادًا فسرقوا ونهبوا ثم أحرقوا، وتؤكد مصادر وشواهد عدة أن عددًا كبيرًا من أفراد الشرطة ذاتها شاركوا في إشعال الحرائق لإشاعة الفوضى، بعد أن تمت سرقة الأسلحة الموجودة بمراكز الشرطة وفي ترويع المواطنين وإطلاق النار العشوائي، ولسان حالهم يقول: «خلي الجيش ينفعكم»، تعدى الأمن على المتظاهرين وهم مسالمون، واختفى وقت الحاجة إليه ليقوم بواجبه الذي من أجله تنفق عليه المليارات.
واتسعت الدائرة لتطال المساكن الخاصة في الشوارع والحارات؛ فتسلح الأهالي بكل ما يمكن أن يصد «الغزاة»، وبات الرجال والشباب في الشوارع، بعد أن أقاموا المتاريس لمنع وصول «العدو».
وقد شكل الإخوان جزءًا كبيرًا من اللجان الشعبية التي قامت بهذا الدور بنجاح.
كان أمرًا مفزعًا ومؤلمًا أن تخرج حشود المهمشين من الشباب للسطو والسلب والنهب لا يعرفون معنى الحلال والحرام، ولا يقدرون حرمة المال الخاص، ولا يتورعون عن ترويع الآمنين، وذلك من نتاج سياسة تجفيف منابع التدين، وإغلاق المساجد وإقصاء الدعاة.
وانضم إليهم الآلاف من المجرمين الذين أخرجوا من السجون والذين سبق أن تحالفت الشرطة ذاتها معهم، واستعانت بهم ضد المعارضة السياسية.
وبدلًا من وضع اليد على الحقيقة، كان هناك من يدعي كذبًا وزورًا أن الإخوان المسلمين وراء تلك الأفعال، وهي فرية لا تستحق مجرد الرد عليها، رغم ورودها على لسان صحفيين يحتلون مناصب كبيرة في مؤسسات صحفية حكومية، لكنهم ليسوا كبارًا.
الخطاب الأول لمبارك.. خيبة أمل كبيرة
سياسيًا، كان السؤال الذي يردده الجميع أين مسؤولو السلطة؟ فطوال ثلاثة أيام لم يظهر مسؤول واحد ليقول كلمة واحدة، ومع إعلان حظر التجوال تردد أن «مبارك» سيوجه كلمة للشعب، ومرت الساعات دون أن يظهر الرئيس، ثم أعلن على لسان رئيس مجلس الشعب أن أمرًا مهمًا سيعلن عنه، وهنا بدأت الاستنتاجات تشير إلى استقالة الرئيس أو ملف تنحيه أو فراغ المنصب بأي صورة، إذ إن رئيس مجلس الشعب هو المكلف دستوريًا بشغل منصب الرئيس.
ثم كان ظهور «مبارك» في حد ذاته بعد منتصف الليل مصدرا لخيبة الأمل بعد أن كادت التمنيات أن تصبح واقعًا، وتزايدت خيبة الأمل مع كل كلمة قالها، فقد حفل الخطاب بكلمات المن على الشعب، والتأكيد على نجاح السياسات الماضية والجديد الوحيد الذي قدمه هو إقالة الحكومة، فقد من «مبارك» على الشعب بحرية التعبير وخطوات الإصلاح التي قام بها، وأن الوقفات ما كانت لتتم لولا الحراك السياسي «الذي سمح به»، وحتى حين أشار إلى التطلعات المشروعة بمزيد من الديمقراطية وجهود محاصرة البطالة ومكافحة الفقر والتصدي للفساد، قال: إنه يعي كل ذلك، ولم ينفصل عنه ويعمل من أجله كل يوم!! وأنه انحاز للفقراء.. مؤكدًا اقتناعه الثابت بمواصلة الإصلاح السياسي والاقتصادي، وأنه سيمضي عليه بخطوات جديدة وكرر الكلام عن مخطط لزعزعة الاستقرار والانقضاض على الشرعية.
ويعلن «مبارك» تمسكه بالسياسات المستمرة منذ ٣٠ عامًا، وهي التي يرفضها الشعب، فما الجديد الذي يقدمه «مبارك»؟ ومن يصبر سنوات أخرى ليرى نتيجة تلك الوعود الواهية؟ لم يقل «مبارك» كلمة واحدة عن حل مجلس الشعب المزور، ولا إلغاء قانون الطوارئ، ولا تعديل الدستور، ولا فتح باب العمل السياسي بلا قيود، فما معنى ذلك؟
اللجان الشعبية
بدأت أعمال السلب والنهب والتخريب مساء الجمعة ٢٨ يناير، وطالت عددًا كبيرًا من المتاجر والمجمعات التجارية في الشوارع الرئيسة، في ظل غياب كامل للأمن، وقد روعت تلك الأعمال السكان الذين بادروا من تلقاء أنفسهم للدفاع عن مناطق سكنهم، وتشكلت بطريقة تلقائية مجموعات من السكان المكون الأساس لها من الشباب أقاموا الحواجز أمام الشوارع، وتسلحوا بالعصي وأسياخ الحديد والمواسير، وصنعوا زجاجات المولوتوف، وقسموا أنفسهم إلى مجموعات تتناوب الحراسة طوال الليل من بعد صلاة العشاء وحتى الصباح، وقد أطلق على تلك المجموعات «اللجان الشعبية» استحضارًا لأعمال المقاومة التي تمت خلال حرب أكتوبر، خصوصًا في مدينة السويس التي حاول الصهاينة اقتحامها خلال حرب ۱۹۷۳م، ورغم سريان حظر التجوال؛ إلا أن اللجان الشعبية تتواجد في الشوارع الداخلية بمباركة الجيش، الذي أرسل إلى الأهالي رسالة نصية عبر الهاتف الجوال تقول: «القوات المسلحة تناشد رجال مصر المخلصين لمواجهة الخونة والمجرمين وحماية أهلنا وعرضنا ومصرنا الغالية»، ولعل كلمة «الخونة» تشير من طرف خفي إلى بعض رجال الأمن الذين خانوا أمانة الدفاع عن الوطن.
وكانت المشاركة الشباب أثر إيجابي كبير جدًا في نفوسهم، فللمرة الثانية خلال أيام يشعرون أن لهم دورًا محوريًا في المجتمع بعد أن عانوا من الإهمال والتهميش، فبعد أن صنعوا المستقبل بحركتهم يوم ٢٥ يناير ها هم يدافعون عن الحاضر أيضًا.
شبح تونس.. ودرس «بن علي»
هنا نعود إلى تسلسل الأحداث، فقد تأخر خطاب «مبارك» عدة ساعات، ثم أعلن البيت الأبيض أن الرئيس الأمريكي «أوباما» تلقى موجزا عن أحداث مصر استمر ٤٠ دقيقة، وهي مدة طويلة بمقياس جدول أعماله، وتأخر المؤتمر الصحفي للمتحدث باسم البيت الأبيض الذي خصص لحالة مصر، ثم جاء خطاب «مبارك»، وبعدها ألقى «أوباما» كلمة خاصة عن مصر لم تكن ضمن جدول أعماله.
نتائج سياسة تجفيف منابع التدين.. شباب مهمش لا يعرف الحلال والحرام انطلق للسطو والنهب والسلب!
للمرة الثانية خلال ربع قرن تتسبب أعمال الشرطة في الإخلال بالأمن وتكبيد الاقتصاد مليارات الجنيهات
هذا التسلسل يعني أن هناك محادثات مكثفة ظلت مستمرة بين القاهرة وواشنطن للبحث عن المخرج المناسب للأزمة، وأن واشنطن لا تريد أن تنهي الأزمة وفق السيناريو التونسي بخروج «مبارك» وحدوث فراغ في السلطة، فهنا تختلف مصر عن تونس بأن فيها قوى معارضة قوية موجودة بالداخل وأنه لا يستبعد عند حدوث الفراغ أن تسيطر المعارضة على السلطة بحكم الأمر الواقع فيما يشبه الثورة الشعبية خاصة إذا انحازت قواعد الجيش للمعارضة، وهنا غير مستبعد، وخاصة أيضًا أن رئيس أركان الجيش وعددًا من القادة كانوا وقتها في واشنطن، وكان وزير الدفاع مريضًا.
استفادت واشنطن من غلطتها في تونس حيث لم تكن تتوقع نجاح الانتفاضة، واضطرت في نفاق ظاهر - ومثلها فرنسا - إلى التغني بمناقب الشعب التونسي لتنزيل آثار موقفها السابق، وحين وقعت أحداث مصر، حاولت واشنطن إمساك العصا من المنتصف، فلم تتخل عن دعم التمرد، ولم تغضب الشعب فقد قال «أوباما»: إنه يلمس الإحباط المكبوت للشعب المصري، وقال المتحدث باسمه: إن الشعب المصري هو الذي عليه أن يحل المسألة خلال الأيام القليلة المقبلة، لكن «أوباما» قال أيضًا إنه يعتقد أن الوقت لم يفت بعد لإجراء إصلاحات، وهي جملة تعني أن عمر النظام المصري لم ينقض بعد، وقد تدخلت واشنطن لترتيب التصرف المناسب وكان مجلس الاستخبارات القومي الأمريكي والقيادة المركزية الأمريكية قد طلبا منذ أشهر من محللين استخباراتيين وضع سيناريوهات لمرحلة ما بعد «مبارك»، وكيفية تأثير رحيله على انتقال السلطة، فالسيناريوهات كانت معدة، وتدخل «أوباما» يوم الجمعة إنما كان من أجل اختيار السيناريو المناسب للحدث.
وكان السيناريو الذي تم اختياره أن يعين «مبارك» نائبًا له لأول مرة منذ ٣٠ عامًا، وجاء اختيار اللواء عمر سليمان مدير المخابرات العامة للمنصب غير مفاجئ، فلطالما رشحته التقارير لمنصب الرئاسة ممثلًا للمؤسسة العسكرية في مواجهة «جمال مبارك» الذي كان مرشح «الأسرة» والحزب في الغالب.
ثم جاء اختيار الفريق «أحمد شفيق»، وهو قائد سابق للقوات الجوية، ووزير الطيران المدني في الوزارة الأخيرة رئيسًا للحكومة غير مفاجئ أيضًا، فقد رشحته التقارير الأمريكية مؤخرًا لرئاسة الجمهورية، وهكذا يمكن توقع تخلي الرئيس «مبارك» عن السلطة بعد وقت قصير لنائبه سليمان «٧٥ عامًا»، لفترة لن تطول يكون بعدها «شفيق» قد ثبت أقدامه واكتسب الخبرة الكافية، وهي عملية أشبه ما تكون بتسليم الراية في العرف العسكري وترتيب خروج آمن لـ«مبارك».
هذا الاختيار يعتبره الكثيرون نوعًا من فرض الوصاية على الشعب وحرمانه من حقه في الاختيار الحر، فقد حدث مرتين أن تولى مع نائب الرئيس سلطة الرئاسة، حدث ذلك «السادات» و«مبارك»، كما أنه لا يلبي مطالب المعارضة بتشكيل حكومة ائتلاف وطني تتولى الإعداد لعهد جديد، ولو كان وجود شخصية عسكرية في المرحلة الراهنة أمرا مهما لضبط الأمن وإعادة الاستقرار، فليكن ذلك من داخل حكومة الائتلاف الوطني وليس بديلًا عنها.
فالتوجس وعدم الثقة لا يزالان قائمين وليس هناك ضمان لأن يقوم القادة الجدد بالإصلاحات المطلوبة كما يخشى أن يكون ذلك نوعًا من الالتفاف على انتفاضة الشعب لإجهاضها.
إن أحد الدروس المستفادة مما حدث في تونس أن تنخلع الشعوب من خضوع الحكومة للإرادة الأمريكية التي يظنها بعضهم قدرًا لا يمكن الهروب منه فأمريكا تخطط وتقدر لكن لا يعني ذلك أنها قادرة - على الدوام - على إنفاذ ما تخطط له، فقد خططت الإدارة الأمريكية لوقوع «الدول المارقة» الخارجة على الطوع في الفوضى، ولم تكن تونس منها، ثم جاءت الانتفاضة في تونس التي كانت من أكثر الدول العربية اتباعًا للنموذج الغربي فيخطط «أوباما» ورجاله كما يشاؤون وليفرض الشعب المصري كلمته وفق ما يرى.
موقف المسيحيين
اختار الأنبا شنودة الحديث عن القلق في آخر عظة له مع بدء المظاهرات، مطالباً المسيحيين بالهدوء وتجاوز هذه الحالة وأقام الكثير من الكنائس قداسات استثنائية للصلاة، وطالبت المسيحيين بعدم الخروج إلى المظاهرات، وقال «الأنبا مرقس»، رئيس لجنة الإعلام بما يعرف بالمجمع المقدس إن الكنيسة ترفض الأعمال التي تهدد بلدنا، والتي لا نعرف شيئًا عنها، فالكتاب المقدس يدعونا أن نتبع السلاطين والملوك مضيفًا: إن الكنيسة لا علاقة لها بالسياسة، وأن الدعوة للتظاهر تعد دعوة هدامة، ودعا جميع المسيحيين في مصر لعدم المشاركة في هذا العمل أو الفكر التخريبي، كما سماه، وهو موقف يثير الاستغراب في ظل تمرد الكنيسة أكثر من مرة على قرارات حكومية تتعلق ببناء الكنائس ورغم التوتر الطائفي في مصر الذي بلغ ذروته هذا الشهر بتفجير أمام كنيسة بالإسكندرية؛ إلا أن المظاهرات والفوضى لم تمس أي كنيسة، ما يعني أن التفجيرات كانت مخططة من جهات أخرى وقد تكون الكنيسة من بينها.
انهيار الحزب الوطني
الحزب الوطني الحاكم الذي اكتسح الانتخابات البرلمانية الأخيرة بنسبة تفوق ٩٥%، أصبح أشتاتًا، وقد صبت الجماهير جام غضبها عليه؛ فأحرقت مقره الرئيس وعددًا من مقاره الفرعية، واستقال منه أمين التنظيم «أحمد عز»، وسارع آخرون للتبرؤ منه وتوجيه الاتهامات لـ«أحمد عز»، وإلى الوزارة الراحلة بأنها لم تنفذ سياسات الحزب!! ولم يظهر للحزب أي دور شعبي في حماية البلاد، كما لم ينظم أي مظاهرة تأييد للرئيس كما حدث في اليمن.
د. محمد بديع: الإخوان متواجدون بين الشعب المصري ويتبنون مطالبه
اتهم المرشد العام الجماعة الإخوان المسلمين د. محمد بديع الرئيس حسني مبارك بالمسؤولية
عن كل ما يحدث في مصر، مؤكدًا أن أوامر استهداف المتظاهرين صدرت من الرئاسة مباشرة، ووصف ما حدث بأنه إرهاب دولة منظم»..
وأضاف بديع، في تصريح لقناة «الجزيرة» يوم الأحد الماضي: إن هذا النظام مارس القمع والقهر والاستبداد والفساد طوال ثلاثين عامًا من الحكم، واليوم حانت ساعة الحساب».
ودعا الشعب المصري إلى الاستمرار في انتفاضته وثورته، معتبرًا أن هذا الشعب عادت له العصمة وعاد له القرار أخيرًا.
وأعلن د. بديع أن جماعة الإخوان ترفض رفضًا كليًا التغييرات التي أجراها الرئيس حسني مبارك، منها تعيين نائب له، وهو رئيس المخابرات العامة اللواء عمر سليمان، وتكليف الفريق «أحمد شفيق» بتشكيل حكومة جديدة واعتبر أن هذه التغييرات هي محاولة من قبل النظام للالتفاف على مطالب الشعب، الذي يتظاهر منذ الثلاثاء قبل الماضي.
وبخصوص دور الإخوان المسلمين في هذه المرحلة الحرجة التي تشهدها مصر، قال د. بديع: إن الإخوان يتواجدون بين الشعب ويتبنون كل مطالبه، وكشف أنهم شكلوا لجاناً شعبية في جميع المحافظات المصرية، ومنها لجان للتغذية وأخرى للأمن والصحة. وقال: إن هذه التحركات تأتي بعدما تخلى الأمن المصري عن دوره في حماية المواطنين وتفرغ لقتلهم، مؤكدًا أن عدد القتلى هو أكثر من أربعة أضعاف المعلن عنه. ودعا إلى ضرورة توحد الجماعة وكافة القوى السياسية ضد النظام الفاسد مشيرًا إلى أن الإخوان ينسقون مع هذه القوى، مشيرًا إلى أنهم ملتفون مع الشعب وقد ضحوا من أجل الوصول إلى هذه اللحظة.