العنوان ثورات شعب فلسطين بين الوصاية والاحتواء والتصفية
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 12-أبريل-1983
مشاهدات 62
نشر في العدد 616
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 12-أبريل-1983
- هل يجوز لمن هو واقع تحت الوصاية أن يكون
وصيا؟
- نحن أمة أعزها الله بالقرآن فأذلت
نفسها بالابتعاد عنه.
- ليس هناك من يملك حق التفريط
والاعتراف بإسرائيل.
ما
من مرة ثار فيها شعب فلسطين لتحرير وطنه من الغرباء الإنجليز أو اليهود إلا وانبرت
الأنظمة العربية لاحتواء هذه الثورة وفرض الوصاية عليها ثم تصفيتها.
حدث
هذا في الثورات المتلاحقة لشعب فلسطين منذ صدور وعد بلفور المشئوم
في 2/ 11/ 1917 الذي بموجبه وعدت بريطانيا اليهود بإنشاء وطن
قومي لهم في فلسطين ولما تنته الحرب العالمية الأولى بعد حتى إذا ما انتهت تلك
الحرب بانتصار الحلفاء على المحور واستولت بريطانيا من ضمن ما استولت على فلسطين
باسم الانتداب وعينت أول مندوب سام لها في فلسطين هربرت صموئيل وهو يهودي عمل بكل
جهده على تهجير اليهود إلى فلسطين تنفيذًا لوعد بلفور. ومن ثم كانت أول
انتفاضة لشعب فلسطين سنة ۱۹۱۹
ثم تلتها انتفاضات وثورات متلاحقة 1929،1933، 1936 كان أكثرها دقةً وتنظيمًا
وأصالةً ثورة الشيخ عزالدين القسام الذي استشهد في غابات يعبد ١٩٣٥ وكان أكثرها
عنفًا وشمولًا ثورة ١٩٣٦ والتي رافقها أطول إضراب عرفه التاريخ استمر شاملًا
وعامًا في أرجاء فلسطين لمدة ستة أشهر متواصلة.
فلسطين والأوصياء:
وهنا
ظهر الأوصياء من بعض الحكام العرب الذين طالبوا الشعب الفلسطيني بإنهاء الإضراب
وإنهاء الثورة اعتمادًا على حسن نوايا ووعود الصديقة الكبرى بريطانيا وانخدع
الفلسطينيون في الأوصياء الوسطاء وأوقفوا الثورة انتظارًا لوعود بريطانيا
لأصدقائها الحكام العرب من أنها ستوقف الهجرة اليهودية إلى فلسطين
وأنها ستمنح شعب فلسطين الاستقلال وكانت بريطانيا تكذب وكان الوسطاء الأوصياء
أقل من أن يعتمد عليهم.
وما
أشبه الليلة بالبارحة هناك وعود أميركية وهناك وسطاء عرب وما أكذب أميركا وما
أهون شأن العرب هذه الأيام.
وقبل
أن نتناول ما يجري على الساحة العربية هذه الأيام من أمور غاية في الخطورة.. لنعد
إلى التسلسل التاريخي مع الثورات الفلسطينية والوصايات العربية.
حكومة عموم فلسطين:
عام
١٩٤٨ حاول شعب فلسطين أن ينشئ له حكومة في الجزء المتبقي من فلسطين والذي كان لا
يزال يحمل هذا الاسم وإن كان مقرونًا بالخضوع (المنطقة الخاضعة لرقابة القوات
المصرية في فلسطين) وهو ما يسمى اليوم بقطاع غزة. نقول أنشئت حكومة عموم
فلسطين في قطاع غزة فألقت السلطات المصرية الفاروقية القبض على هذه الحكومة
ورحلتها إلى القاهرة ومنذ ذلك التاريخ وحتى قيام منظمة التحرير الفلسطينية ظلت تلك
الحكومة اسمًا بلا مسمى وهيكلا بلا لحم ولا دم حتى وافتها المنية بل إنها ماتت منذ
ولادتها، أي منذ إلقاء القبض عليها بأمر الإنجليز وترحيلها إلى القاهرة لتقيم في
شقة عتيقة تصدر فيها جوازات سفر.
تنظيم المقاومة:
ثم
كان تململ الشعب الفلسطيني بعد العدوان الثلاثي الذي بدأ في 1956/10/29 حيث
احتلت أجزاء كبيرة من سيناء وكذلك قطاع غزة الذي شهد أول تنظيم عملي للمقاومة في
ظل الاحتلال اليهودي وبعيدًا عن عيون المخابرات العربية. وما إن انسحب اليهود من
القطاع في 1957/3/6 حتى كانت هناك نواة الثورة الفلسطينية
المعاصرة. وما إن عادت الإدارة المصرية إلى القطاع في عهد عبدالناصر حتى كان
همها الأول احتواء الحركة الوطنية الفلسطينية التي ترعرعت في عهد الاحتلال، ولما
كان النظام المصري خجلًا من أن يبطش بالحركة الثورية الفلسطينية بشكل سافر فقد
أشار عليه المخططون المركزيون أن لابد من طرح تنظيم حركي بديل في أوساط الشعب
الفلسطيني ينادي بالوحدة والتحرر والثأر، والدم والحديد والنار، وبالوحدة طريق
العودة وبزعيم عربي واحد، وبعلم عربي واحد، ومن المحيط الهادر إلى الخليج الثائر
رايات عبدالناصر.. على أمل أن يمتص هذا التيار «المدعوم» ذلك
التيار «الفالت». ورغم كل المضايقات التي أحدثها التيار الأول التابع
للتيار الثاني الحر إلا أنه لم يستطع أن يحتويه أو يوقف زحفه وانتشاره وللحقيقة
والتاريخ أن الإسلام كان موجودًا في التيار الثاني ولكن شدة بطش عبدالناصر
بالإسلاميين وتشويه سمعتهم جعل الكثيرين يتحرجون من الإعلان عن حقيقة
انتمائهم العقائدي. وما أشبه الليلة بالبارحة مرة أخرى! فهناك كثيرون من
الذين واكبوا امتداد هذا التيار ليومنا هذا يتحرجون من الإعلان عن حقيقة انتمائهم
العقائدي لأن هنالك بعض الحكام في هذا الوقت أشد بطشًا بالإسلاميين من
سابقيهم.
هيمنة عبدالناصر:
نقول
إن انتشار الحركة الثورية الفلسطينية أقلق عبدالناصر-زعيم العرب غير المنازع في
وقته- فاستدعي الشقيري وكلفه بإنشاء منظمة التحرير الفلسطينية لتكون تحت
هيمنته في الوقت الذي تنفق عليها الجامعة العربية.
وترفع
هذه الشعارات:
الوحدة
الوطنية، والتعبئة القومية والتحرير لتسحب البساط الجماهيري من تحت أقدام «فتح».
ومن
غرائب الصدف أن أسلحة تأتي للمنظمة من الصين يستولي عليها عبدالناصر تمامًا مثلما
استولى أحد الطواغيت على أسلحة جاءت للمنظمة من روسيا.
ولن
نستطرد في الحديث عما حدث بعد ذلك بين فتح ومنظمة التحرير فهو معروف لكل متتبع
للأحداث. ولكن ما دمنا بصدد الحديث عن الوصاية العربية على المقاومة
الفلسطينية فإننا نشير هنا إلى أن «القيادة العربية الموحدة» التي أنشئت
قبيل حرب ١٩٦٧ والتي سميت في وقتها بـ«البلادة العربية الموحدة» والتي عقدت أول
اجتماع لها في القدس -على ما نظن- وقررت مطاردة رجال الثورة الفلسطينية ومنعهم
منعًا باتًا من اجتياز الحدود إلى إسرائيل لمقارعة اليهود فإذا أفلت أحدهم أو
بعضهم واستطاع أن يغرس لغمًا في طريق تمر به قوافل الجيش الإسرائيلي أو يفجر
مولدًا كهربائيًا أو خزان مياه أو يلقي قنبلة يدوية على سيارة عسكرية
إسرائيلية، ثم عاد إلى أي من الحدود العربية فالأوامر الصادرة لحرس الحدود على
إسرائيل اضربوه بالنار، فإن أفلت منكم فلتتولِ أمره المخابرات العربية.. هكذا
كان! فكان الشهيد الأول أحمد موسى قد لقي مصرعه برصاص عربي أثناء عودته إلى
الضفة الغربية بعد تنفيذ أول العمليات الفدائية ليلة 1965/1/1م وأما الشهيد
الثاني جلال كعوش فقد تولت أمره المخابرات العربية بعد أن قام بمهمته
الفدائية في الأرض المحتلة ثم عاد إلى لبنان فألقى به رجال المخابرات من أعلى
المبنى فصرعوه.
والظاهر
أنه لابد لشعب فلسطين بحسب تصورات بعض الحكام ولاسيما حكام الشعارات الثورية
إلا أن يخضع لوصايتهم وإلا لقي جزاءه.
والسؤال
هو: هل هذه الأنظمة نفسها خالية من الوصاية حتى تفرضها على الشعب الفلسطيني؟
وهل يجوز لمن هو واقع تحت الوصاية أن يكون وصيًا؟ نحن لسنا هنا في مجال
تساؤلات قانونية وإنما نشرح واقعًا مرًا ابتلينا به نحن أبناء هذه الأمة التي
أعزها الله بالقرآن فأذلت نفسها بالابتعاد عنه.
ولما
رفع الشعب الفلسطيني منذ أطلق رصاصته المعاصرة عام ١٩٦٥ شعار «لا وصاية ولا تبعية
ولا احتواء» خرج من يقول: إنهم انفصاليون إقليميون انشقاقيون وظلت محاولات
الأوصياء مستمرة للسيطرة على حركة الشعب الفلسطيني، ولكن من أجل ماذا؟ هل من أجل
الأخذ بيد هذا الشعب لما فيه تحرير وطنه فلسطين؟ نظن أن القارئ لا يخفى عليه
الجواب وحتى نضع النقاط على الحروف نبدأ بالكبار.
الوصاية الدولية:
فالوصاية
البريطانية على فلسطين والتي سمیت بالانتداب هي التي غرست في فلسطين هذا النبت
الشيطاني الذي يسمى إسرائيل ولن نتحدث عن دور بريطانيا في البلاد العربية الأخرى
فليس هذا مجالنا كما أننا لن نتحدث عن دور فرنسا منذ البداية فيما آلت إليه
الأوضاع الآن في لبنان ومنذ أن كانت فرنسا تتولى أمر لبنان فتصبغه بالصبغة
الطائفية المارونية فهذا ليس مجالنا.
والوصاية
الأميركية سواء بالأصالة أو بالوكالة أي عن طريق الأوصياء الصغار يعرف الجميع
دورها التخريبي الإجرامي ضد الفلسطينيين باعتبارهم مسلمين ولصالح اليهود هذا
الدور الذي لا يزال مستمرًا.
والوصاية
الشيوعية سواء الروسية أو الصينية التي حاولت أن تصل إلى المنطقة عن طريق بعض
الرموز الحاكمة أو الحزبية في الوطن العربي هل تريد حقًا تحرير فلسطين؟ وهل يريد
أتباعها اليهود أمثال شاوشيسكو وكرايسكي خيرًا بشعب فلسطين المجاهد الصابر الروس
الذين أغدقوا على إسرائيل جحافل المهاجرين اليهود يهمهم أن ينتشر مذهبهم في هذه
المنطقة وهم يعلمون تمامًا أن القضاء على إسرائيل وعودة فلسطين للمسلمين يعيق
انتشار هذا المذهب ولذلك كما يدعون «أصدقاء» الشعب الفلسطيني بما لا
يتعارض مع هذه النظرية.
ولما كان
هناك علاقة قوية بين انتشار الإسلام وتحرير فلسطين فكل منهما يساعد على الآخر لذلك
يمكن أن نفهم بالضبط ما هي حقيقة الموقف الروسي.
والصين
التي كان كل همها أيام «ماو» نشر الكتاب الأحمر مشفوعًا بميداليات تحمل
صورة ماو لم يكن تعاطفها مع الشعب الفلسطيني إلا بمقدار ما يخدم هذا الأمر، فإذا
قال أحد الفلسطينيين لمندوبهم ذات يوم: لدينا كتاب أنزله الله على نبينا
محمد -صلى الله عليه وسلم- يغنينا عن كتابكم. اكفهر وجهه وأسقط في يده
وانكفأ يكتب تقريره لحكومته أن لا أمل في أن يتحول هذا الشعب إلى شعب «ماوي»،
فإن شئتم أن تساعدوه على هذا الأساس فافعلوا.
هل قبل الفلسطينيون الوصاية؟
نعود
إلى الوصاية العربية، حاول عبدالناصر أن يفرض وصايته على المقاومة الفلسطينية
لتسير وراءه في الصلح مع إسرائيل بعد قبوله مشروع روجرز، ولما رفضت المقاومة كان
لابُدَّ من المذابح، وحاول السادات أن يجر المقاومة معه للصلح مع إسرائيل فلم
يستطع ويحاول حسني مبارك اليوم وهناك محاولات أخرى من هنا وهناك تخللتها مذابح
للفلسطينيين ليقبلوا بالوصاية وبالتالي بالصلح مع إسرائيل. فهل قبلوا
أخيرًا بهذه الوصاية وما تجر إليه؟ هذا ما ستكشفه الأيام القادمة.
أما
الإسلاميون في كل أرجاء الأرض فهم يحذرون كل من يفرط في فلسطين
ويعترف بإسرائيل بأنه لا يملك هذا الحق، وإذا كانت الأمة في هذا الوقت لا
تملك مقومات الجهاد والنصر فلابدَّ أن تملك هذه المقومات يومًا ولابُدَّ أن
تعود فلسطين إلى الحظيرة الإسلامية بأمر الله وأيدي المسلمين.