العنوان ثمن أكبر من الحرية وإسقاط النظام!
الكاتب فادي شامية
تاريخ النشر السبت 30-مارس-2013
مشاهدات 102
نشر في العدد 2046
نشر في الصفحة 25
السبت 30-مارس-2013
مر عامان على الثورة السورية، ودخلنا في العام الثالث، لا تشبه سورية أمسها أبدًا، فكل شيء تغير عما كان عليه قبل الثورة، وحدهم من لم يفهموا «القضية السورية» يسألون عن الثمن، لكن العارفين يجيبون أن ما يدفعونه ليس ثمن «بشار»، وليس ثمن الكرامة فقط، وإنما ثمن التخلص من مشروع اتخذ من شطبهم عن سجل الحياة الكريمة معبرًا له إلى المنطقة كلها.
لا أحد في سورية يمكنه العودة إلى الوراء، الكل أحرق مراكبه وتقدم باتجاه هدف رهن عليه عمره ومستقبل أجياله بعده، الغضب من العالم كله تجده في المناطق التي مرت عليها الثورة، هنالك رأى الناس قسوة حاكم «نادرة» في التاريخ الحديث، وشكيمة شعب عجيبة في الزمن الراهن، وخذلان عالم لا يمكن أن يجد تبريرًا لنفسه أمام حكم التاريخ، عندما حملوا مشعل الثورة ظنوا أنهم جزء صعب من «الربيع العربي»، لكن لعنة التاريخ والجغرافيا فرضت عليهم أن تكون ثورتهم أكبر وأعظم من أخواتها العربيات؛ حتى قيل: إنها ثورة الأمة التي صنعها الله!
بعد عامين من دخول نفق الحرية المؤلم؛ تبدو مظاهر القسوة مهيمنة على كل شيء، الناس غير ما كانوا من قبل، الثوار في سورية أكثر من المسلحين فالثورة شملت كل شيء، حتى الناس ثاروا على ذواتهم، وولدوا أنفسهم من جديد، البيوت أثخنت الجراح عمارها، قبل عمرانها، وبينها سالت احقاد ظلت مكبوتة لسنين، والفوضى عارمة من المعابر التي خسرها النظام، إلى الأرياف التي سيطر عليها الثوار، وصولًا إلى المدن التي زرع القتال فيها مصائد للموت.
منذ أن قرر الثوار «فتح» حلب انعدمت قدرة جيش النظام على استعادة ما يخسره، في كل يوم يمر يزداد الجيش المقابل له عددًا وعدة ومعنويات، وهو يخسر من عديده؛ موتًا وجرحًا وتسربًا وانشقاقًا ورفضًا للجندية، ومن معنوياته رغم تخمة السلاح الذي يملكه والذي يصله، لا يعبر جيش «الأسد» اليوم إلا عن حال كانت نفسها أحد أسباب الثورة؛ ٩٠٪ من ضباط الجيش السوري من طائفة واحدة، وقد باتت الطائفة «العلوية» قليلة العدد، تئن من حمل «بشار» الذي ما فتى يخوفها من عواقب سقوطه.
أوضاع صعبة
في المقابل يبدو «الجيش الحر» اسمًا أكبر من مضمونه ثلاثمائة ألف هم أكثر من جيش النظام، لكن ينقصهم السلاح، والخبرة القتالية ووحدة القيادة والعقيدة والرؤية، ويجمعهم قتال «بشار الأسد» حتى الرمق الأخير، بين هؤلاء -كما بين الشعب السوري كله- تتزايد الروح الدينية الوسطية، والمتطرفة في آن، قسوة الموت مرت على الأفكار والمعتقدات أيضًا.
لا انسجام بين الناس في الداخل وبين ممثليهم في الخارج، سوء الظن شمل هؤلاء، كما شمل كثيرًا ممن تصدوا لتمثيل الناس ومساعدتهم في الداخل أيضًا، العذابات جعلتهم يرون الصلاح فيمن يدفع عنهم الأذى أو يقدم العون مباشرة، لا يرون بوضوح أي شيء غير مباشر في بلد تسوده اليوم ظروف إنسانية أكثر من صعبة، وانفلات أمني واجتماعي وأخلاقي ونفسي شديد.
لا اقتصاد بقي في سورية، ولا مطارات ولا طرقات آمنة، معامل حلب انتقلت إلى أماكن أكثر أمنًا أو بيعت آلات أو حديدًا، البنى التحتية مدمرة، أماكن التربية والتعليم صارت ثكنات، الإدارات المدنية أجسام عسكرية، ولقمة العيش صارت جزءًا من الصراع مع الموت والجميع نازح في وطنه، و«بشار» مسؤول عن هذا كله؛ هو من سل سيوف الناس دفاعًا عن بقائهم وأعراضهم وأموالهم بعد شهور من السلمية، وهو من زين البلاد لكل راغب بالجنة، بعد سماع ومشاهدة تأليهه وأخيه الشقي، وهو الذي ما زال يكابر القدر غير أبه إن قدم سورية كلها ثمنا لدفعه عنه!
العاصمة دمشق تدرك أن ما أصاب حلب وما حل بحمص ينتظرها أيضًا، وعينات منه تحدث في أطرافها كل يوم، السير نحوها بطيء لكنه متواصل، ووتيرته مرهونة بسلاح ينتظره من لا ينقصه إقدام ولا أقدام، والوجع الأشد هو التخلص من المستبد وأعوانه، عندها يستفيق الناس على هول ما أصابهم، وكما في الثورات الشاملة في التاريخ، فإن حجم الدماء ينتج قسوة حتى مع الذات.
من ينقذ الناس والمدن والأرياف من مصيرها، في صراع هو أكبر من ثورة، وأشد من إسقاط نظام؟ لا جواب غير قولهم: «يا الله ما إلنا غيرك يا الله».