; ثمرات رمضان (2) الكرم.. الصحة.. الصدق | مجلة المجتمع

العنوان ثمرات رمضان (2) الكرم.. الصحة.. الصدق

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 20-سبتمبر-2008

مشاهدات 62

نشر في العدد 1820

نشر في الصفحة 58

السبت 20-سبتمبر-2008

يقول أمير الشعراء:

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت 

 فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا 

ولقد ظل رصيد الأمة الإسلامية من الأخلاق قرونًا طويلة من الأزمان، إذ كان الإسلام أخلاقهم، وكان واقعًا عمليًّا في حياتهم ومعاملاتهم، ومن ثم فقد كانوا بذلك سادة وقادة، فلما ضعفت الأخلاق ضعفت الأمة  وفي شهر رمضان فرصة لقطف ثمراته الأخلاقية العظيمة، وفي حلوله دعوة ربانية لأمة ربانية كي تعود إلى أصلها، فتبني أخلاقها، ولتقتدي في ذلك بنبيها الذي وصفه ربه بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: 4)، لذلك كان من هديه وإرشاداته ﷺ قوله: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا». ويقول أيضًا: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن».

وثمة ثمار أخلاقية تستطيع حصادها في رمضان وكلها مهمة، بيد أنني أركز على ما غاب منها عن حياة الناس غياب هجران.

الكرم والعطاء 

يقول أحد الحكماء: ألا أخبركم بشر الناس؟ قالوا: بلى، قال: العلماء إذا فسدوا، والأغنياء إذا جحدوا، والبخلاء إذا وجدوا ولقد امتدح الله عز وجل الأنصار لكرمهم وإيثارهم، وخلد ذكرهم في كتاب ربهم، قال تعالى في وصفهم: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: 9) وينبغي لك أيها الصائم الكريم أن تنظر بعين العطف إلى المحتاجين، وأن تتواضع عندما تكرمهم، فليس من الخلق أن تمنَّ عليهم، فالمال مال الله، استخلفك عليه وائتمنك، فمن الأدب مع صاحب المال والمنة أن تأتمر بأمره، وأن توزعه كما وجهك، فليس فضلًا منك ولا منة، بل هو حق كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ (المعارج: 23:22).

يقول أحد الحكماء في الكرم والسخاء: «نعم الخصلة السخاء، يسترق بها الأحرار، وتستمال بها الأعداء، ويستكثر بها الأولياء، ويحسن بها الثناء».

وشهر رمضان شهر الكرم والجود، فلقد حرص الشرع الحكيم على أن يحث الناس على إكرام ذوي الحاجات والإنفاق عليهم بسخاء، ففرض صدقة الفطر، ودعا المسلم إلى إطعام الصائمين، كما حثه على أن يكسو اليتامى والمحتاجين، وإنك لترى في هذا الشهر في ربوع العالم الإسلامي خيرًا يؤكد خيرية هذه الأمة، تجد الحريص طوال العام يعطي في هذا الشهر، وتجد كثيرًا من المسلمين يخرجون زكاة أموالهم وتجارتهم في هذا الشهر الكريم، طلبًا لمضاعفة الأجر والثواب، كما أخبر الرسول الكريم ﷺ عن فضل هذا الشهر المبارك وفي مقابل الكرم، ينبغي أن يكون الآخذ عفيفًا، فلقد امتدح الله عز وجل هؤلاء المتعففين وأوصانا بهم خيرًا، وهم الذين ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ (البقرة: 273).

 ومن طرائف الطفيليين -الذين لم يتحلوا بالعفة- ما رواه الأصمعي، قال: جئت بأعرابي إلى منزلي، وقلت لزوجتي: اصنعي لنا دجاجة، فصنعتها، وجلست أنا وولداي وابنتاي وزوجتي وقلت له: اقسم بيننا. فاحتز الرأس وقال: الرأس للرأس، ثم خلع الجناحين وقال: الجناحان للولدين، ثم اختلع الفخذين وقال: الفخذان للبنتين، ثم فك العجز وقال: العجز للعجوز، ثم قلع الأوراك والصدر وقال: الزوائد للزائر، فأكلها ولم نطعم منها شيئًا. فقلت لزوجتي: اصنعي لنا خمس دجاجات، فصنعتها وحضرنا جميعًا، وقلت في نفسي: لعلي أغلبه، وقلت له: اقسم بيننا. فقال: تريدون شفعًا أم وترًا؟ فقلت: إن الله وتر يحب الوتر، فقال: أنت وزوجك ودجاجة وتر، وابناك ودجاجة وتر، وابنتاك ودجاجة وتر، وأنا ودجاجتان وتر. قلت: لا أرضى بهذه القسمة، قال: كأنك تريد شفعًا؟ قلت: نعم. قال: أنت وابناك ودجاجة شفع، وزوجتك وابنتاك ودجاجة شفع، وأنا وثلاث دجاجات شفع، والله لا أحول عن هذه القسمة والصائم الكريم لا يُسأل إلا ويعطي، فهذه سنة رسولنا الكريم ﷺ، فما سُئل ﷺ إلا وأعطى، وعلمنا شرعنا الكريم أننا لأن نخطئ ونعطي خير لنا من أن نخطئ ونحرم محتاجًا وليس معنى ذلك أن الصائم يعطي من يحتاج ومن هو في غير حاجة، فالسائل إما أن تعرفه وهنا لا توجد مشكلة، فإن كان محتاجًا أعطيته، وإن لم يكن محتاجًا فاسأله لعل ظروفًا ألمَّت به فصار محتاجًا. وإما لا تعرفه فالأولى أن تعطيه، فلأن تخطئ في إعطاء غير المحتاج خير لك من أن تخطئ فتحرم ذا الحاجة وأذكر أناسي عرفناهم جاؤوا ليتفننوا في أخذ ما ليس من حقهم، وجاء أحدهم ذات مرة في نهايات الشهر الكريم وصلى معنا التراويح، وبعدها أعلن أنه يحتاج إلى تذكرة سفر، فاقترحت عليه أن يبقى معي قليلًا حتى يشرب الشاي وأرسل شابًّا يشتري له تذكرة السفر، فغضب وتركني لأن خطته لم تنجح في التسول. وفي المقابل أتت امرأة بعد أن وزعنا ما نسميه بـ«شنطة رمضان» على الفقراء والمحتاجين، فطلبت المساعدة، وكانت السلع قد نفدت، فأرسلت من يوصل إليها نصيبها فوجدها تسكن في شقة راقية، لكنه بالسؤال عن أحوالهم اتضح له أن عائل الأسرة ابتُلي بمرضين شديدين قضيا على الأخضر واليابس من رصيد الأسرة. فكل إنسان مهما امتلك من المال ربما يتعرض في وقت ما إلى ضائقة مالية أو صحية، أو اجتماعية، فيصير محتاجًا، برغم أن الناس يرونه وينظرون إليه باعتبار ما كان!

 العناية بالصحة

لما قدم المقوقس إلى النبي ﷺ هدية وقدم مع الهدية طبيبًا، قبل النبي ﷺ الهدية، ورد الطبيب إلى المقوقس قائلًا: «نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع».

 إن قول النبي ﷺ ذلك يؤكد ما للصوم من آثار إيجابية على صحة الإنسان، فالمسلم في شهر رمضان إذا ما أصاب سنة النبي ﷺ في التعامل مع شهوة البطن نال خيرًا عظيمًا.

يقول الرئيس ابن سينا:

 اجعل طعامك كل يوم مرة

واحذر طعامًا قبل هضم طعام 

ولئن كان أطباء العصر لم يتقيدوا تمامًا بشطر البيت الأول، فإنهم مجمعون على وجوب الالتزام بشطر البيت الثاني.

ولابن سينا أيضًا:

جميع الطب في البيتين درج

 وحسن القول في قصر الكلام 

فقلِّل إن أكلت وبعد أكل 

تجنَّب فالشفاء في الانهضام

وليس على النفوس أشد باسًا

من إدخال الطعام على الطعام

 وقال أحد الحكماء: 

الدواء الذي لا داء معه أن تقعد على الطعام وأنت تشتهيه، وتقوم عنه وأنت تشتهيه.

وصدق القائل:

يا ويح أجسام الأنام

 وما تطيق من الأذى

خُلقَتْ بالغذا

 ء وسُقمها ذاك الغذا 

ومن أقوال عبد الله بن المقفع في كتابه «الأدب الكبير»: «أصل الأمر في صلاح الجسد ألا تحمل عليه من المآكل والمشارب إلا خفافًا، ثم إن قدرت على أن تعلم جميع منافع الجسد ومضاره والانتفاع بذلك كله، فهو أفضل».

وقال أحد الحكماء: «من يأكل قليلًا يعش سليمًا طويلًا، وإن الإفراط في اللحوم قتل الأسود في فلواتها».

ولقد تحدث الأطباء المسلمون وغير المسلمين في منافع الصوم، ومردوده على الصحة العامة، وأشاروا إلى أنه يقي من أمراض كثيرة، وفي الوقت ذاته فإنه علاج لداءات عديدة.

خلق الصدق

بوسع الإنسان أن يبتعد عن أعين الناس في يوم رمضان، فيأكل ويشرب ويفعل ما يشاء، بيد أن هذه العبادة بين العبد وربه كما بلَّغ رسولنا الكريم عن رب العزة: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به». لذا فإن عبادة الصوم تُعد تدريبًا للمسلم على الصدق مع ربه ثم مع نفسه والآخرين.

 ولكي يكون الإنسان صادقًا فإنه يحتاج إلى صدر يسع هموم الحياة، ويتحمل عناء العيش، كما يحتاج إلى قلب يحتمل قلوب الناس، ونفس تصبر على الإيذاء والابتلاء، فحاله كحال المجاهد الذي يبذل المال والنفس ليحرز النصر أو الشهادة أو هما معًا، وشهر رمضان يهبنا ذلك الصدر الذي يسع الهموم، ويتحمل عناء العيش، وذلك القلب الذي يحتمل الناس والنفس الصابرة ولله در عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما قال: لئن يضعني الصدق، وقلما يفعل، أحب إليَّ من أن يرفعني الكذب، وقلما يفعل  وقال بعض الفضلاء: الصدق مُنجيك وإن خفته، والكذب مُرديك وإن أمِنته وقال آخر: الكذوب مُتهم وإن صدقت لهجته، ووضحت حجته وقد بلغ من مقت الصالحين والحكماء للكذب أن نصحوا بتنزيه السمع عنه، فقال أحدهم: «نزه سمعك عن سماع الكذب، كما تنزه لسانك عن التفوه به».

وقد أحسن شاعرنا في قوله:

صفة الصدق تجلت        

                لعوام وخواص

فهي تجري مثل شمس

         بين دانينا وقاص 

وهي تُنجي يوم حشر 

                 يوم أخذ بالنواص

يوم لا ينفع مال

                عند أهوال القصاص

ينفع الصدق ذويه 

                 وبه نالوا الخلاص 

وبهم للفوز تسري 

        والنجا نجْب القلاص

وبغير الصدق يخزي

                كاذب حاص ولاص

وله دنيا وأخرى

                شرُّ خِزيٍ لا مناص

إذ تراه يوم عرض

               في سعير النار غاص 

ومن أشد الكذب خطورة ذلك الذي يمدحك بما ليس فيك، يقول علي بن أبي طالب كرم الله وجهه محذرًا من هذا الصنف من الناس: «من مدحك بما ليس فيك من الجميل وهو راض عنك، ذمَّك بما ليس فيك من القبيح وهو ساخط عليك». 

قال أبو حيان التوحيدي: الكذب شِعارٌ خَلق، وأدب سيئ، وعادة فاحشة. وقلَّ من استرسل معه إلا ألفه، وقلَّ من ألفه إلا أذلَّه.

الرابط المختصر :