العنوان ثمانية عشر يومًا مع المجاهدين الأفغان مع المهاجرين
الكاتب د. نجيب الرفاعي
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أكتوبر-1983
مشاهدات 57
نشر في العدد 642
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 25-أكتوبر-1983
الدكتور زيدان: إنها والله فرصة لا تعوض لكسب الأجر والثواب والمشاركة في هذا الجهاد المبارك.
يا أطباء العالم من المسلمين الصالحين أما اشتقتم إلى هذه البقعة المباركة؟
الأطباء المجاهدون
التقيت معهم قبل الرحلة بأيام، أطباء من كافة التخصصات فمن أمراض الأنف والأذن والحنجرة إلى أمراض الأطفال والباطنية وحتى التخصصات الدقيقة كالجراحة العامة أطباء- يشهد الله- متحمسون للذهاب إلى أرض الجهاد إلى الأرض المباركة لخدمة إخوانهم المجاهدين والمهاجرين في بشاور وفي مناطق الجهاد على الحدود الأفغانية الباكستانية.... هؤلاء الأطباء المجاهدون أثروا قضاء إجازتهم السنوية التي عادة يقضيها غيرهم على سفوح جبال سويسرا وبساتين قبرص وأسواق باريس ولندن أثروا قضاءها في الجو الرطب الحار والأمطار الغزيرة مع المرضى والجرحى في مستشفيات بدائية ذات تجهيزات ومعدات قليلة يمسحون على رأس هذا ويواسون ويداوون ذاك.
كنت أتأمل وجوههم الباسمة وقد بدا عليها التعب والإعياء حال رجوعهم من مهمتهم اليومية.. كل واحد فيهم قدم ما عنده... بل أكثر من ذلك لقد قاموا بأعمال يعجز عنها طاقم من الخبراء وكل هذا بفضل الله ومنته.
فالدكتور هشام فرغ نفسه لتجهيز أحد المستشفيات بكل احتياجاتها من الناحية الإدارية والدكتور فوزي بدأت أنامله الرقيقة تتحرك مع المشرط والمقص والإبرة كي تزيل ورمًا خبيثًا تكون بفعل أحد الرصاصات.
التقيت مع الدكتور زيدان أخصائي أمراض الأطفال سألته: كم يتردد عليك من الأطفال يوميًّا؟
فأجاب: يتردد على ما يقارب المائة طفل ومع أن العمل مع هؤلاء الأطفال وذويهم متعب إلا أنني اشعر بسعادة لا تقدر وأنا أقوم بعلاجهم وخاصة الأطفال اليتامى أو الأطفال الذين انخرط آباؤهم في سلك المجاهدين وأحيانًا أسأل الأم: أين أب هذا الطفل؟ تردد الأم بكل افتخار وعزة: إن أباه مجاهد... إن أباه مجاهد..
ماهي مشاعرك الآن وقد رجعت من العمل اليومي؟
على الرغم من الازدحام الشديد الذي أواجهه بمفردي وما ألاقيه من تعب وذلك لقلة الإمكانيات الطبية والمكانية وخاصة أن كثيرًا من المراجعين يصطفون دون نظام ويهجمون على من كل اتجاه وصوب مع ذلك كل هذا يجعلني أشعر وكأنني مع المجاهد، أشارك بحق الجهاد الأفغاني هو يمسك المدفع والبندقية للدفاع والهجوم وأنا أمسك السماعة والمشرط للعلاج والدواء.
من واقع تجربتي لم أكن قبل مجيئي أتصور أنني سأعالج هذا العدد الكبير من الأطفال!! هي والله فرصة لا تعوض لكسب الأجر والثواب والمشاركة بحق في هذا الجهاد المبارك.. وإنني أدعو من يستطيع من أطباء العالم المسلمين أن يشارك في أسرع وأقرب وقت فالمرضى والجرحى كثيرون والحاجة ماسه لكل طاقة وتخصص.
تركت الدكتور زيدان وأنا أنظر إلى الواقع الأليم الذي نعيش فيه؛ ماذا أرى؟ ... أرى كثيرًا من المستشفيات التنصيرية يضحي فيها هذا النصراني بما عاش فيه في بلده من رغد العيش وعلو المكانة والخدمات المتنوعة ولذة الدنيا، يضحي بكل هذا في سبيل عقيدة باطلة تدعو إلى الكفر والضلال يخدمها ويرعاها في أرض المهاجرين.
يدعو إليها بخدماته التي يقدمها للمرضى والجرحى بينما أرى في الكفة الأخرى الأطباء المسلمين وقد أثروا العيش الرغيد والمنصب والجاه والخبرات إلا فئة قليلة جدًا تعد على الأصابع آلمهاما يعيشه المهاجر والمجاهد من جراح وأمراض فآثرت ثواب الله والدرجات العلا على هذه الدنيا الفانية... آثرت العيش مع بدايات الخلافة الإسلامية الجديدة- إن شاء - تحفها وترعاها؛ فأسأل الله تعالى لكل من ساهم في هذه البدايات الأجر الواسع الهانئ وأن يبارك الله فيما عندهم وأن يكثر من أمثالهم.…
ويا أطباء العالم من المسلمين الصالحين أما اشتقتم إلى هذه البقعة المباركة؟ متى تؤدون زكاة علمكم وخبرتكم؟ إن وجودكم هنا بين أيدي المجاهدين هو من الضرورة بدرجة لا يعلمها إلا الله والمجاهد في سبيل الله في ثغور أفغانستان؛ إن زيارة واحدة منكم ستنبئكم بالخير الذي حرصت النفس والشيطان على إخفائه عنكم.. فهل سيرى الاتحاد الإسلامي لمجاهدي أفغانستان وفودًا جديدة من الأطباء المجاهدين؟!
صرخات الإيمان مقابل صرخات الكفر
قال محدثي المجاهد محمد ياسر: إخوانكم في أفغانستان إذا تقابلوا مع الكفار الروس في معركة بالسلاح الأبيض يصرخون في وجوههم صرخات ملؤها الإيمان والعزة بالإسلام واستصغار الأعداء كصرخة: الله أكبر يا أحفاد ماركس ولينين.
وأما هم فإنهم يصرخون بكل جبن وخوف وهلع يا إخوان الشياطين يا عملاء أمریکا، يا أبناء الخميني!! فشتان ما بين صرخة تخرج من قلب مجاهد مسلم ملؤها الإيمان العميق، تخرج من فمه كالقنبلة وكالقذيفة تدخل مسامع عدوه يزلزل الله بها قلبه ويشيع الرعب بين جوانحه وصرخة تخرج من قلب رجل تربى على حب الدنيا والالتصاق بها إنها بركة الجهاد، بركة القتال في سبيل الله بركة الانخلاع من الدنيا والتشبث في الآخرة ولينصرن الله من ينصره.
مع المهاجرين
سألني الشيخ أحمد القطان بعد نهاية الزيارة لأحد مخيمات المهاجرين ما هو شعورك بعد هذه الزيارة؟ قلت: سبحان الله... إن الإنسان لا يعرف النعمة التي كان عليها ألا بعد أن يفقدها أو يرى من هم دونه... لقد شاهدت اليوم قرية بأكملها حوت منازل من خيام محاطة بأسوار من الطين مقطوعة من الكهرباء والماء إلا من مضخة للماء توضع بين هذه الخيام الطينية تفتح مرتين في اليوم وشاهدت تجمع الأطفال والنساء حول إحداها وهم يغسلون ملابسهم ويملؤون جرارهم بالماء العذب.
والحكومة الباكستانية تمنع المهاجرين من بناء بيوتهم من الطين وتستثني المدارس والمساجد والمستشفيات حتى لا تعطي شعورًا بالاستقرار للمهاجر سألت أحد الإخوة المجاهدين عن السبب في عدم هجرة الأفغان إلى داخل الأراضي المحررة منها؟ فقال: السبب يرجع اللي انعدام الأمان حيث إن العدو الروسي يعمد في كثير من الأحيان إلى قصف القرى وحرق المزارع ذات مرة دخلت قوة قوامها عشرون دبابة يحميها عدد من الطائرات فقصفت القرية وأحرقت المنازل وجمعت الأطفال وأمرتهم بإرشادهم إلى مخابئ وأماكن تجمع المجاهدين إلا أن الأبطال الصغار أصروا وبكل شجاعة على عدم إخبارهم فما كان من هؤلاء الغزاة إلا أن ضربوا الصغار بالعصي حتى أهلكوهم.
ومن الأشياء التي لاحظتها في مخيم آخر للمهاجرين تلك الخيمة الكبيرة المهلهلة البالية المرقعة وقد فرش تحتها بعض الحصر التي عافتها الأرض... اجتمع الناس حولها يشكون إلينا وإلى الإخوة الأفغان المسؤولين الذين كانوا معنا سوء حال مسجدهم ويطلبون المسارعة في بناء مسجد قوي الأركان بدلًا من هذه الخيمة التي لا تقي المصلي أمطار بشاور القوية والتي لا تصمد أمام الرياح العاتية والرطوبة التي أهلكت قماش الخيمة قلت في نفسي كم من مسلم صالح في الكويت بنى مسجدًا فخمًا وزانه بنقوش وزخارف وكلفه الآلاف من الدنانير كان يمكن أن يحصل على أجر مضاعف أضعافًا كثيرة، أولًا: من ناحية الإخلاص فلا أحد يعرف اسمه وثانيًّا: من ناحية عدد المساجد الممكن بناؤها بتكلفة بناء مسجد واحد في الكويت وثالثًا: بعدد المصلين الذين سيصلون في هذه المساجد، فهل سيعي ذلك أصحاب القلوب الخيرة؟ وهل ستعمد وزارة الأوقاف إلى حث المنفقين على بناء المساجد خارج الكويت؟!
فكرة للجهاد بالمال
قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ۖ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ ( التوبة:18)
يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: شهد تعالى بالإيمان لعمار المساجد كما قال الإمام أحمد أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان». وأيضًا قوله- صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية والناحية فإياكم والشعاب وعليكم بالجماعة والعامة والمسجد.. فإن كانت هذه الأحاديث والآية السابقة تدلل بكل وضوح على أهمية لزوم المسجد؛ فكيف بمن سعى في بنائها؟. وكيف بمن بناها في أماكن يحتاج إليها المسلمون؟
أوجه دعوتي إلى المحسنين الذين يريدون الأجر والثواب حتى تمتلئ صحائفهم بذكر الذاكرين واستغفار المستغفرين وصلاة المسلمين أن يبادروا ببناء المساجد في أرض قلت فيها بيوت الله ولم يجد المسلمون هناك إلا الصلاة تحت خيام مهلهلة تخر من سقفها أمطار الصيف والشتاء وتتلوث الأرض بالطين والتراب؛ فهل سيرى المهاجرون الأفغان مساجد الله تبنى في مخيماتهم عن قريب؟