; ثمانية عشر يومًا مع المجاهدين الأفغان ( الحلقة الثانية عشرة).. قرية نموذجية بين معسكرات المجاهدين | مجلة المجتمع

العنوان ثمانية عشر يومًا مع المجاهدين الأفغان ( الحلقة الثانية عشرة).. قرية نموذجية بين معسكرات المجاهدين

الكاتب د. نجيب الرفاعي

تاريخ النشر الثلاثاء 03-يناير-1984

مشاهدات 95

نشر في العدد 652

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 03-يناير-1984

دعينا لأكل طعام الغداء في قرية قريبة من المعسكر الذي بتنا فيه، وحقًا كان الطريق بين معسكر المجاهدين والقرية صعبًا للغاية ليس فقط على المشاة ولكن أيضًا على من ركب السيارات حيث المستنقعات الطينية والنتوءات الصخرية البارزة والممرات الضيقة كانت أجسادنا تهتز باستمرار مع ارتفاع سيارة الجيب على الصخور وانخفاضها وفي الطريق لم تستطع السيارة تكملة السير بسب وقوعها في مستنقع طيني كانت صيحات المجاهدين وهم يدفعونها تختلط بصوت ماكينة السيارة التي حفرت تحت عجلاتها ممرًا صغيرًا غاصت فيه هذه العجلات. كان المجاهدون يكبرون ويهللون كعادتهم أمام أي صعب وهذا مجاهد آخر يقرأ على السيارة بسم الله مجريها ومرساها وآخر يردد: اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلًا وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلًا.

كان معنا أحد الإخوة وقد أصيب بالأنفلونزا مما حدا بنا أن نكمل الطريق سيرًا على الأقدام حتى وصلنا إلى هذه القرية. أكلنا وجبة الغداء المكونة من ثريد الخبز وشيء من اللحم، وبعد الغداء تجولنا في هذه القرية وكان من أبرز معالمها الغنائم التي تكدست فيها من كل جانب فمن سيارات إلى مصفحات وحتى القنابل المحرمة دوليًا كالقنابل الجرثومية شاهدناها هناك كانت فرحة المجاهدين وهم يطوفون بنا بين هذه الغنائم لا توصف وكان لسان حالهم يردد: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾(محمد:7)، انظروا إلى نصر الله تأملوا فضل الله علينا إن الله ناصرنا لأننا من حزبه. الأطفال في القرية مع أستاذهم المجاهد الذي لا يأخذ راتبًا على عمله يرددون الأناشيدالحماسية ويقرأون القرآن بصوت خاشع جميل مررت على المخبز الذي كان يعمل فيه بعض الأسرى إذ كان عدد الأسرى في هذه القرية اثنين وعشرين أسيرًا.

قابلت أحدهم وسألته كيف انضممت إلى الجيش الأفغاني وكان شابًا في الثامنة عشرة من عمره فقال:

مع بداية حركة المجاهدين ضد الحكومة قبل أربع سنوات جعلت من بيتي محبسًا وكان ذلك حين علمت أن قوات الحكومة الأفغانية كانت تعمل على اختطاف الرجال من الشوارع من سن الثالثة عشرة إلى سن السبعين تحت مظلة التجنيد الإجباري. وحدث ذات مرة أن خرجت لشراء بعض الحاجيات وقدر الله أن رآني أحد أفراد الجيش الأفغاني فأخذوني إلى معسكر محاط بالأسلاك الشائكة ولم نكن نعطى السلاح إلا إذا أراد الجيش أن يهاجم المجاهدين وكانوا يقولون لنا إن الشيوعية هي المنقذة لنا من ظلام المجرمين ويعنون بذلك المجاهدين وفي معركة شاركت فيها منذ شهرين قريبًا من هذا المكان وحين شاهدت معظم الجنود قد قتلوا سلمت نفسي للمجاهدين.. 

قاطعته وقلت، وكيف ترى العيش مع المجاهدين؟

فرد قائلًا: إنهم حقًا رجال كرام يعاملوننا كما يعاملون إخوانهم لا فرق بيننا وبينهم في الأكل والشرب والمنام-لقد تعلمت الشيء الكثير منهم.

قلعة يحاصرها أربعون معسكرًا جهاديًا:

في تمام الساعة الثانية صباحًا أيقظت الإخوة إذ كنا على موعد مع المجاهد حكمتيار لزيارة معسكر يقع بالقرب من قلعة للحكومة الأفغانية هذا المعسكر يعتبر واحدًا من أربعين معسكرًا أحاطوا بهذه القلعة إحاطة السوار في المعصم. في الطريق إلى هذا المعسكر وتحت أشعة ضوء القمر الباهت كنا نمر أحيانًا على بعض الإخوة المجاهدين الذين تعودوا النوم بالعراء، المجاهد حكمتيار قال لي: تعود المجاهدون على هذه الطريقة «افتراش الأرض والتحاف السماء» لقد تعودت أجسادهم الصلبة وخز الصخور والحجارة وبرد الشتاء القارس.

وفي تمام الساعة الخامسة وقبيل شروق الشمس بنصف ساعة توقفت القافلة لأداء صلاة الفجر ولم يكن بيننا وبين القلعة إلا كيلومترات بسيطة قلت في نفسي: عجبًا لجراءة هؤلاء الأبطال لم ينسوا ربهم فلم ينسهم! وبعد نصف ساعة توقفت القافلة وتوزع رجال الحراسة ببنادقهم ورشاشاتهم على المرتفعات ومشينا على أرض امتلأت رائحتها برائحة الأعشاب الطيبة وعلى مدار ساعة ونصف مشينا فيها على التلال والجبال والسهول اتضح الفرق بين لياقة أجسادنا المنعمة وأجساد المجاهدين التي لم تعرف للشحم في أجسادها مكانًا. كنت ألاحظ بين الفينة والأخرى ابتسامات على وجوه المجاهدين حينما كنا نصعد الجبل ويأخذ الإرهاق والتعب مأخذه منا فتخرج من أفواهنا وأنوفنا زفرات ونفخات لا نستطيع كبتها أما هم فقد تعودت أجسادهم وتركيب عضلاتهم وعظامهم بحيث كنا نراهم يجرون كالغزلان بكل رشاقة وخفة في الوقت الذي كان العرق يتصبب منا ونطلب منهم الوقوف تحت ظل شجرة للراحة وشرب قطرات من الماء. كان الأول في صعود الجبال والتلال الشيخ ذي الستين سنة الذي استشهد جميع أبنائه الأربعة. إن جبال أفغانستان قد أعطت شباباً وحيوية لهؤلاء الشيوخ لقد كنا في هذه الساعة نحن الشيوخ على صغر أعمارنا وهم الشباب على كبر سنهم!!

حدثنا حكمتيار حول هذا الموضوع فقال: أذكر أننا أتينا بأربعة من الشباب الصغار أعمارهم لم تتجاوز الأربع عشرة سنة كانت أجسادهم ضعيفة وهزيلة حينما جاءوا في الأيام الأولى. كانوا مثلكم لا يستطيعون مواصلة السير ويتعبون بسرعة ولكن بعد شهر نمت عضلاتهم وسمنت أجسادهم وكانوا يسابقون الغزلان في سرعتهم وخفة حركتهم. حقًا إن دورة التدريب على جبال أفغانستان تخرج رجالًا يتحملون المشاق.

في الطريق كنا نسمع دوي مدافع الهاون بكل وضوح وشاهدنا عن بعد القلعة الحكومية التي كان يقصفها المجاهدون، القلعة مبنية على طين مساحتها قرابة كيلومتر مربع واحد فقط تمتاز بسور عريض عرضه يقارب الستة أمتار، الألغام مزروعة حولها ولذلك يقوم المجاهدون بقصفها من بعيد، أما التموين فيأتيها خلال الشهر بواسطة الطائرات العمودية حيث تلقي على سكانيها التموين بالمظلات!!

أما الهجوم على هذه القلعة وهو آخر قلعة حكومية في إقليم بكتيا فقط نظم من خلال أربعين معسكرًا جهاديًا انضموا تحت مظلة الاتحاد الإسلامي لمجاهدي أفغانستان، والهجوم لا يتوقف خلال الأربع والعشرين ساعة يوميًا. وإذا توقفنا للراحة كنا ننظر خلال المكبر إلى موقع القلعة والموقع المهاجم وقد علت على الموقعين سحابات بيضاء ولساننا وقلوبنا تردد: اللهم انصر جندك وثبت قلوبهم وسدد رميهم. بعد ساعة ونصف من المسير المجهد وصلنا إلى أحد هذه المعسكرات الجهادية حيث كان هناك خندقان كبيران للحماية ومن بعيد كانت هناك جاموسة وحصان وتوزعت بعض الخيام هنا وهناك وصلنا إلى الخيمة وكم كان التمر المبلل بالماء لذيذًا حينما قدم لنا مع الشاي، في الواقع لم نكن نطمع بأكلة أشهى مما قدم لنا!!

بعد صلاة العصر من ذلك اليوم اجتمع قادة المخيمات الأربعين وخطب فيهم حكمتيار والشيخ أحمد القطان بخطبة ذكرهم فيها بالله وتأييده ونصره لمن جاهد في سبيله، وضرب الأمثلة المنوعة من نصر الله لجيل الصحابة والسلف الصالح رضي الله عنهم أجمعين ومع غروب شمس ذلك اليوم ارتفعت الأيدي المتوضئة المجاهدة في سبيل الله بالدعاء إلى رب العزة وانحدرت الدموع من قلوب خاشعة مطمئنة على وجوه تعفرت بالتراب المختلط بالعرق وارتفع صوت المؤذن بالتكبير يردد صداه الجبال.. ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ (النمل:88) تراها بشموخها وصلابتها قد احتضنت معسكرات المجاهدين احتضان الأم لرضيعها ويصطف المجاهدون خلف الإمام لتأدية الصلاة فلا تسمع إلا همسًا.

فكرة للجهاد

قال تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾ (إبراهيم:31)

قل لعبادي الذين آمنوا: يشكروا ربهم بإقامة الصلاة. فالصلاة أهم مظاهر الشكر لله. وينفقوا مما أنعمنا عليهم به من الرزق سرًا وعلانية. سرًا حيث تصان كرامة الآخرين ومروءة المعطين فلا يكون الإنفاق تفاخرًا وتظاهرًا ومباهاة.. وعلانية حيث تعلن الطاعة بالإنفاق وتؤدي الفريضة. وتكون القدرة الطيبة في المجتمع. وهذا وذلك متروك لحساسية الضمير المؤمن وتقديره للأحوال، قل لهم: ينفقوا ليربو رصيدهم المدخر من قبل أن يأتي يوم لا تنمو فيه الأموال بتجارة، ولا تنفع كذلك فيه صداقة، إنما ينفع المدخر من الأعمال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾ (إبراهيم:31) «سيد قطب/ في ظلال القرآن»

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة. فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء. رواه مسلم.

سن السنة الحسنة ونشرها بين الناس هي وظيفة العلماء والدعاة والمعلمين ذات مرة سألت أحد القادة عن حاجاتهم الضرورية في الوقت الحاضر فقال إضافة إلى المال. العلماء والمدرسون لقد استشهد الكثير من علماء أفغانستان ومعلموها في ساحة الجهاد وبقي جيل ينتظر من يعلمه أمور دينه وأحرف كتابه وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم. فإن كنت مدرسًا- أخي القارئ- أو عالمًا تستطيع أن تجاهد بعلمك وتسد ثغرة واسعة مفتوحة الآن وتستطيع أن تخطط من الآن للذهاب إلى بشاور سواء في عطلة الربيع القادمة بعد شهرين أو خلال إجازة الصيف الطويلة وتقضى هناك وقتًا لا شك أنه سيكون من أسعد أوقات حياتك تقضيه مع الأيتام والأطفال والعامة أو غيرهم الذين سيسعدون أيما سعادة بحلول ضيف مسلم عليهم يعلمهم وأنت في هذه الحالة ستخرج بعدة فوائد منها تعليم الناس ومنها التعرف على أحوال إخوانك المجاهدين والمهاجرين ومنها إدخال السرور على قلوب مهمومة ومنها أخيرًا أنك ستحظى بنزول رحمة الله عليك ودعاء من الملائكة والنمل والأسماك لك بالخير والفلاح طوال إقامتك مع المهاجرين والمجاهدين.. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «إن الله وملائكته حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير»(1)

(1) صحيح الجامع الصغير.

الرابط المختصر :