العنوان ثمانية عشر يومًا مع المجاهدين الأفغان (الحلقة الثالثة عشر).. ثلاث طلقات تفتح قلعة
الكاتب د. نجيب الرفاعي
تاريخ النشر الثلاثاء 17-يناير-1984
مشاهدات 114
نشر في العدد 654
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 17-يناير-1984
زا مجاهد زوان ياماه
بعد صلاة العصر من يوم ١٥/٨/١٩٨٣م اجتمع قادة معسكرات إقليم بكتيا لرسم خطة هجوم جديدة على القلعة ومع غروب شمس ذلك اليوم انتقلنا إلى معسكر مجاور.. استقبلنا هناك المجاهدون وقيادتهم ولفت أسماعنا تلك الألحان الجميلة التي تخرج من أفواه ثلاثة من المجاهدين كانوا يرددون نشيدًا حماسيًا جهاديًا رأيت في هذه اللحظة الدموع تنحدر من بعض المجاهدين كلمات النشيد لم أفهمها إلا من كلمات عربية تتخللها مجاهد حرب فرعون ظاهر شاه کارمل الأداء كان يثير حماسنا وحماسهم لذا؛ كنا نسمع بين الفينة والأخرى أحد المجاهدين يقول بأعلى صوته: تكبير، فيكبر المعسكر بصوت واحد وتكبر معه الجبال بصداها الله أكبر الله أكبر المقطع الذي لا يزال يرن في أذني مع جهلي بترجمته هو «زا مجاهد زوان ياماه» فقد كان هذا المقطع الذي كان يردده الجميع بعد نهاية مجموعة أبيات من القصيدة وينتهي المنشد بقوله «ومن الله تعالى» ويصرخ آخر زند باد إسلام ويردد المعسكر زند باد أي يحيا الإسلام ويردد المعسكر بصوت جهوري واحد الله أكبر يقاطعه صوت مؤذن المعسكر داعيًا المجاهدين لصلاة المغرب بصوت جميل رخيم.
أول غنيمة
التقيت بالمجاهد عبد الصبور وهو مؤلف أناشيد المعسكر عمره في الأربعينيات، ثغره دائم الابتسامة متفائل بنصر الله قلت له: ما هذا السلاح الذي معك؟ قال: هذا سلاح رشاش أخذته من إحدى السيارات التابعة للقوات الشيوعية التي هجمنا عليها ويعتبر هذه السلاح أول غنيمة أخذها المجاهدون من القوات الروسية قلت له: هل من كلمة؟ قال: «إنني على يقين أن الله تبارك وتعالى سيهزم قوات الكفار والمشركين من أمريكا وروسيا وأن النصر لقوات المجاهدين قريب إن شاء الله تعالى وإنني بعد هذا النصر سوف أتوجه لتحرير فلسطين من الغاصبين اليهود» إن الجهاد يجري في أجسادهم مجرى الدم لذا؛ لا يعرفون لعجلة الجهاد توقفًا لسبب واحد فقط إنهم مرتبطون بالقرآن فالمسلم لا يعرف الوقوف عن الجهاد حتى تتحرر كل أرض إسلامية من أيدي الغاصبين بغير الإسلام لن يكون هناك تحرير أو جهاد أوجه هذه العبارات بالدرجة الأولى لإخواني الفلسطينيين ولنأخذ الدرس العملي والواقعي جميعًا من إخواننا المجاهدين الأفغان أولئك الذين تكالبت عليهم قوى العالم كلها وحتى ممن تسموا بالمسلمين ومع ذلك فهم ينتقلون من نصر إلى نصر ومن فتح إلى فتح على قلة الإمكانات والأسلحة فيا مسلمي فلسطين أحيوا الإسلام في نفوسكم يأتيكم نصر ربكم وصدق الله العظيم ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ ﴾ (الرعد: 11)
ثلاث طلقات فتحت قلعة
الأخ «أبو طارق» أفغاني الجنسية درس في إحدى الجامعات الإسلامية في السعودية تخرج منها منذ سنوات شارك في عدة معارك ضد العدو السوفياتي.
تعجبك طريقته السريعة في الترجمة من البشتو إلى العربية حيث كان هو مرافقنا طول الرحلة والمترجم الوحيد في القافلة أحيانًا يترجم الكلمات مقلوبة دون أن يشعر رغبة منه في الترجمة السريعة.
أخذته ذات صباح وجلسنا تحت شجرة من أشجار الصنوبر العالية التي غطت المخيم واحتضنته بأوراقها المدببة، قلت له: هل لك أن تحدثني عن موقف عشته وتحبه كثيرًا؟
في إحدى المعارك التي أحبها كثيرًا كان لنا أخ مسلم في الحكومة يعمل ضابطًا في الجيش اتصل بي ذات يوم قائلًا: «إنني مستاء مما أراه وأسمعه من هؤلاء الشيوعيين وإنني أريد أن أقدم خدمة للمجاهدين إنني أشعر أن هؤلاء الشيوعيين قد احتلوا أراضينا دون وجه حق وقد أظهرت لهم أنني شيوعي مثلهم». كنا على اتصال دائم به وفي فترة وجيزة رتب أموره وركز من تواجد مؤيديه معه في نفس الكتيبة وأظهر للشيوعيين حبه لهم بقراءة كتبهم وتلبية رغباتهم مما حداهم أن يرقوه إلى رتبة نائب قائد الكتيبة. وفي ليلة من الليالي رتب أمور الحراسة بحيث أن جميع الحراس كانوا من مؤيديه وكانت نوبتهم من الساعة الثانية عشرة ليلًا حتى الساعة الثانية صباحًا واتفق معنا أن نهجم على القلعة في هذه الليلة وأننا قبل الهجوم نشعل نارًا في أعلى الجبل المقابل للقلعة ثم بعد عشر دقائق نطلق طلقة وبعد خمس دقائق نطلق طلقة ثانية وبعد خمس دقائق نطلق طلقة ثالثة ونفذنا الخطوات الأولى من الخطة فقام هذا الضابط ومؤيدوه باغتيال قائد الكتيبة والقيادات الشيوعية المتواجدة في نفس المكان.
وفتح القلعة لنا فدخلناها وحررنا المجندين الذين أجبروا على التواجد في القلعة وأبقيناهم معنا في المعسكر عدة أيام فبعضهم انضم معنا والآخر رحل إلى أهله داخل الأرض الأفغانية وأخذنا من القلعة التي لم تكلفنا إلا ثلاث طلقات ما يقارب من مائة قطعة من السلاح الخفيف ومدفعين كبيرين وآلاف الذخائر هذه قصة عجيبة يزداد فرحي وسروري كلما تذكرتها.
فكرة للجهاد
قال تعالى: ﴿ مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ٢٦١).
إن الدستور لا يبدأ بالفرض والتكليف، إنما يبدأ بالحض والتأليف إنه ستجيش المشاعر والانفعالات الحية في الكيان الإنساني كله إنه يعرض صورة من صور الحياة النابضة النامية المعطية الواهبة صورة الزرع هبة الأرض أو هبة الله الزرع الذي يعطي أضعاف ما يأخذه، ويهب غلاته مضاعفة بالقياس إلى بذوره يعرض هذه الصورة الموحية مثلًا للذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ﴿ مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ٢٦١) أن المعنى الذهني للتعبير ينتهي الى عملية حسابية تضاعف الحبة الواحدة إلى سبعمائة حبة أما المشهد الحي الذي يعرضه التعبير فهو أوسع من هذا وأجمل وأكثر استجاشة للمشاعر، وتأثيرًا في الضمائر إنه مشهد الحياة النامية مشهد الطبيعة الحية مشهد الزراعة الواهبة ثم مشهد العجيبة في عالم النبات: العود الذي يحمل سبع سنابل والسنبلة التي تحوي مائة حبة وفي موكب الحياة النامية الواهبة يتجه بالضمير البشري إلى البذل والعطاء إنه لا يعطي بل يأخذ، وأنه لا ينقص بل يزداد وتمضي موجة العطاء والنماء في طريقها تضاعف المشاعر التي استجاشها مشهد الزرع والحصيلة إنه الله يضاعف لمن يشاء. يضاعف بلا عدة ولا حساب يضاعف من رزقه الذي لا يعلم أحد حدوده، ومن رحمته التي لا يعرف أحد مداها: «والله واسع عليم» واسع لا يضيق عطاؤه ولا يكف ولا ينضب عليم يعلم بالنوايا ويثبت عليها، ولا تخفى عليه خافية. ولكن أي إنفاق هذا الذي ينمو ويربو؟ وأي عطاء هذا الذي يضاعفه الله في الدنيا والآخرة لمن يشاء؟ إنه الإنفاق الذي يرفع المشاعر الإنسانية ولا يشوبها الإنفاق الذي لا يؤذي كرامة ولا يخدش شعورًا. الإنفاق الذي ينبعث عن أريحية ونقاء، ويتجه إلى الله وحده ابتغاء رضاه «سيد قطب/ في ظلال القرآن».
أثناء تجوالنا في أحد مخيمات المهاجرين توجهنا إلى إحدى المدارس هناك. المدرسة مبنية من الطين تحوي قرابة العشرة فصول دراسية في أحد هذه الفصول لاحظنا وجود فجوة في سقفه بسبب ذوبان الطين وانهيار هذا الجزء على الأرض كل الفصول تعتمد على التهوية الطبيعية لا توجد كراسي ومراحل للطلبة لا توجد نقاط كهرباء وبالتالي لا يوجد بها إضاءة أو مراوح الشيء الجميل الوحيد في هذه المدرسة ساحتها التي ازدانت ببعض الأشجار والورود ومع كل هذه الأمور تعتبر هذه المدرسة أجمل بقاع المخيم التي يحرص الطلبة على الحضور إليها حفاة الأقدام معهم أقلامهم وألواحهم يفترشون الأرض وينهلون من العلوم المختلفة بإشراف اللجنة التعليمية لاتحاد المجاهدين الأفغان أفاد المشرفون على هذه العملية التعليمية التربوية الصعبة عن حاجات عديدة بإمكانك- أخي القارئ- أن تساهم حسب قدرتك وطاقتك في الأمور التالية:
1- بناء المدارس.
٢- تغطية نفقات الكتب.
3- تغطية نفقات الهيئة التعليمية والإدارية.
4- تغطية نفقات حاجات الطلاب من سكن وملابس وأغذية.
إن إمدادك بالمال بهذه النية نية التعليم لها أجر عظيم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «سبع يجري للعبد أجرهن، وهو في قبره بعد موته: من علم علمًا، أو أجرى نهرًا أو حفر بئرًا، أو غرس نخلًا أو بنى مسجدًا، أو ورث مصحفًا أو ترك ولدًا يستغفر له بعد موته» «صحيح الجامع الصغير».
أخي المجاهد تستطيع أن تساهم بأي قدر من مالك أرسله إلى جمعية الإصلاح الاجتماعي لجنة العالم الإسلامي «مشروع تعليم أبناء المجاهدين الأفغان».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل