; ثلاث رؤى أمريكية للحركات الإسلامية «1من2 » | مجلة المجتمع

العنوان ثلاث رؤى أمريكية للحركات الإسلامية «1من2 »

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 21-يونيو-1994

مشاهدات 76

نشر في العدد 1104

نشر في الصفحة 29

الثلاثاء 21-يونيو-1994

منذ سقوط الاتحاد السوفيتي وإعلان نهاية الحرب الباردة، ومراكز الدراسات والتفكير وصناعة القرار في الغرب -والولايات المتحدة على وجه الخصوص- ليس لها شاغل سوى الإسلام والحركات الإسلامية كبديل مرتقب للمواجهة مع الغرب؛ حتى إنه لا يكاد يمر يوم أو يومان أو ثلاثة إلا وتكون هناك ندوة أو مؤتمر في جامعة أمريكية، أو مركز للدراسات والبحوث، أو هيئة فكرية، أو مركز من مراكز التفكير، عن الإسلام والصحوة الإسلامية في العالم الإسلامي. وتتفاوت أهمية هذه المؤتمرات من مكان إلى آخر حسب أهمية المركز الذي تعقد فيه الندوة وأهمية المتحدثين.

وكانت الندوة التي نظمها «مجلس سياسة الشرق الأوسط» في العاصمة الأمريكية واشنطن في السادس والعشرين من مايو الماضي حول «انبعاث الإسلام في الشرق الأوسط»، والتي شارك فيها كل من روبرت بيليترو مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط، والبروفيسور جون إسبوزيتو مدير مركز التفاهم الإسلامي المسيحي في جامعة جورج تاون، ودانيال بايبس مسؤول التحرير في مجلة الشرق الأوسط الفصلية، أهم تلك الندوات التي عقدت مؤخرًا في الولايات المتحدة حول الصحوة الإسلامية في العالم الإسلامي.

ولا تكمن أهمية هذه الندوة في كون القائمين عليها أو المشاركين فيها من الشخصيات الأمريكية البارزة والمهتمة بشؤون الشرق الأوسط والعالم الإسلامي فحسب، ولكن لأن المشاركين الثلاثة في الندوة يمثلون التيارات الأمريكية الرئيسية الثلاثة التي تتابع الصحوة الإسلامية والحركات الإسلامية والانبعاث الإسلامي في الأقطار الإسلامية.

وقد عكس كل مشارك من الثلاثة وجهة نظر تياره، وسياسة هذا التيار، ونظرته للحركات الإسلامية؛ فروبرت بيليترو يعكس وجهة النظر الرسمية الأمريكية المتمثلة في الحكومة والبيت الأبيض، وجون إسبوزيتو يعكس وجهة نظر المفكرين الأمريكيين المحايدين، والذين يشكلون دون شك ثقلاً في المجتمع الأمريكي، أما دانيال بايبس فهو يمثل التيار الصهيوني الذي يعتبر كل مسلم متطرفًا ويدعو إلى قمع الصحوة الإسلامية وإبادة الحركات الإسلامية. وعلى الرغم من ثقل التيار الثاني في أوساط المفكرين الأمريكيين، إلا أن التيار الثالث يكاد يسيطر على معظم وسائل الإعلام الأمريكية، وله نفوذه كذلك في الإدارة الأمريكية ووزارة الخارجية على وجه الخصوص.

ولعل اطلاعنا على خلاصة ما ذكره كل منهم يكشف مزيدًا من التفاصيل حول التيارات الثلاث ومدى رؤيتها للحركات الإسلامية وحركة الانبعاث الإسلامي في أقطار العالم الإسلامي.

ولنبدأ بما ذكره روبرت بيليترو مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط؛ يقول بيليترو: «ولقد دخلت منطقة الشرق الأوسط حقبة من التحولات المعقدة، والانبعاث الإسلامي هو جزء من المعادلات المحلية المتطورة، وبالتالي مصدر اهتمام لصانعي السياسة الأمريكيين».

ثم تحدث بعد ذلك عن المصالح الأمريكية في المنطقة وجعل «أمن إسرائيل وخيرها»، على رأس هذه المصالح؛ ثم «سلام دائم مع العرب» و«ضمان تدفق النفط إلى الولايات المتحدة» و«فرص الاستثمار الأمريكية» وبعض العموميات الأخرى. ثم تحدث عن مصطلح الإسلام السياسي، وتطرق بعد ذلك إلى موقف الحكومة الأمريكية الرسمي من الإسلام فقال: «لقد أوضح الوزير كريستوفر وغيره من الناطقين باسم الحكومة أننا نكن للدين الإسلامي عظيم الاحترام، فالإسلام هو إحدى الحركات الحضارية في التاريخ التي أثرت على ثقافتنا الخاصة، وفي عدد من الأماكن حيث ترسخ الإسلام خلال الأربعة عشر قرنًا الماضية ازدهرت الآداب والعلوم، وأمة الإسلام تتكون من ما يقرب من مليار مسلم بمن فيهم عدة ملايين من الأمريكيين، وأية حركة ذات تاريخ غني كهذا لا يمكن أن نضعها في مجرد قالب عادي».

ثم تحدث بعد ذلك عن بعض التعميمات الخاطئة عن الإسلام والحركات الإسلامية وقال: «واليوم تتباين الجماعات السياسية الإسلامية في مواقفها وأفكارها حول تلبية حاجات مجتمعاتها، فبعضها يختار المشاركة في الأنظمة الانتخابية لبلدانها آملة أن تحدث تغييرات ضمن الهياكل السياسية القائمة، في حين ينكر بعضها الآخر على نفسه دورًا كهذا ويرفض نظم الانتخابات الأساسية، وفي حالات أخرى اختارت جماعات إسلامية أن تلجأ إلى أعمال العنف ضد الحكومات القائمة».

وأضاف بيليترو قائلًا: «وفي حين أن من الصحيح أنه يمكن لمفاهيم الإسلام ورموزه أن تستغل أحيانًا، بل هي تستغل فعلًا من قبل المتطرفين، فإن ذلك يجب ألا يجعلنا نغفل مشروعية النقاش والدراسة الأرحب للدور الصحيح للإسلام في مجتمعات وحكومات المنطقة».

وأشار بيليترو إلى أن حكومة الولايات المتحدة من خلال هذا تؤيد بقوة مراكز الدراسات والأبحاث الأمريكية التي «تمكن الحقوقيين والعلماء من المجتمعات الغربية والإسلامية أن يلتقوا، وأن يعمقوا فهمهم لقيم وإنجازات بعضهم البعض بما يعود بالفائدة على الجانبين».

وحول نهج حكومة الولايات المتحدة تجاه الإسلام والحركات الإسلامية يقول بيليترو: «نحن كحكومة لا خلاف لنا مع الإسلام، إننا نحترمه كأحد الأديان الكبرى في العالم وكحركة تحضر عظيمة، إلا أن قيمنا الاجتماعية وكذلك مصالحنا القومية تدعونا إلى الاختلاف مع سمات معينة للانبعاث الإسلامي أو تأكيدها».

وبعدما ضرب بيليترو بعض الأمثلة حول هذه النقطة، انتقل إلى الاستشهاد حول موقف محدد، وهو موقف الولايات المتحدة مما يدور الآن في الجزائر من أحداث فقال: «إن هناك ضرورة ملحة لحوار سياسي حقيقي في الجزائر، وينبغي على النظام أن يجد سبيلًا لاجتذاب العناصر المستاءة من الشعب التي غايتها وضع نهج جديد وديمقراطي للجزائر. إننا نتفق مع الأحزاب الجزائرية الكبرى التي تصر على أن هذه العملية ينبغي أن تتضمن توسيع مجال المشاركة السياسية لكي يشمل جميع القوى السياسية في البلاد، بما في ذلك الزعماء الإسلاميون الذين يرفضون الإرهاب، وقد تابعنا باهتمام مؤشرات من الجزائر تدل على أن المسؤولين في الحكومة اجتمعوا مع ممثلي الجبهة الإسلامية للإنقاذ، ولكننا لم نشهد بعد ثمارًا لمثل هذه الاتصالات».

ويختتم بيليترو كلمته قائلًا: «إن الولايات المتحدة لا تعتبر الإسلام الأيديولوجية التالية التي تواجه الغرب أو تهدد سلام العالم، إلا إننا نعترض بشدة عندما نوصف بأننا «الشيطان الأكبر»، أو تصبح حضارتنا وقيمنا موضع هزء أو سخرية، أو يؤخذ مواطنونا رهائن، أو يمارس العنف والإرهاب إما عشوائيًا أو تحقيقًا لمطمح سياسي. وستواصل الولايات المتحدة العمل من أجل تعزيز السلام والاستقرار والازدهار في الشرق الأوسط؛ لأن في ذلك سلوكًا لنهج قويم، كما أنه يخدم على أحسن صورة مصالحنا الرامية إلى أن يكون لنا شركاء مسالمون ومستقرون ومزدهرون في هذه المنطقة المهمة».

هذه باختصار هي الرؤية الأمريكية الرسمية للإسلام والحركات الإسلامية في المنطقة التي قدمها روبرت بيليترو مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط، وبقيت هناك رؤيتان لكل من جون إسبوزيتو ودانيال بايبس..

الرابط المختصر :