العنوان ثقوب في جدار المقاومة
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 13-أبريل-2002
مشاهدات 67
نشر في العدد 1496
نشر في الصفحة 16
السبت 13-أبريل-2002
قد تتمكن آلة العدو العسكرية من هدم فلسطين بيتًا بيتًا، وقد تتمكن من إبادة المئات بل والآلاف في مجازر سيضعها التاريخ في واحدة من أسود صفحات الإجرام الصهيوني، لكنها لن تتمكن من سحق شعب اسمه «الشعب الفلسطيني» أو محو دولة فلسطين من خارطة الكون لسبب بسيط هو أن «فلسطين» -الأرض والدولة- ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ من جانب، وتعيش في كيان كل عربي ومسلم من جانب آخر، وفي نفس الوقت فإن الشعب ذاته ضارب بجذوره في الأرض كلما بتروا منه جذعًا أنبت جذورًا، ذلك بعكس الصهاينة الذين جاءوا من شتات الأرض، في أفواج استعمارية متتالية دون علاقة حياتية أو تاريخية سابقة بالأرض، ولذا فإن ارتباطهم بها هش.
ونلاحظ أن أبناء الأرض «أهل فلسطين» متشبثون بها حتى النزع الأخير رغم المحرقة التي نصبها لهم النازيون الجدد، بينما الهروب الصهيوني منها يتواصل، الطرف الفلسطيني صبر على الحصار وقدم ملحمة بطولية تبدد أسطورة الجيش الذي لا يقهر، بينما على الجانب الآخر هلع ورعب وتسابق للفرار إلى غير رجعة، هنا تسابق على الاستشهاد وهناك حرص ذليل على الحياة والهروب من الموت في كل لحظة، المقارنات كثيرة وكلها ترسم صورة المجتمعين متقابلين، مجتمع فلسطيني متماسك مطمئن لقدر الله يعرف طريقه جيدًا، إما النصر وإما الشهادة، ومجتمع صهيوني قلق مضطرب لا يريد أن يفيق من المهدئات من هول الخوف على الحياة.
حالة الشعب الفلسطيني هذه صنعت منه جدارًا منيعًا مستعصيًا على الهزيمة، وهو ما وضع العدو في مأزق صعب، ومن هنا كان التخطيط لاختراق هذا الجدار لتفجيره من الداخل، وتلك بالمناسبة من صنائع الاستعمار القديم والحديث مع الشعوب المستعمرة عندما تستعصى على التذويب والتطويع.
وهكذا يحاول الصهاينة اختراق جدار مقاومة أهلنا في فلسطين باصطياد عملاء يسهلون لهم مهمتهم في حربهم القذرة، لكن ربما يكون أمر هؤلاء العملاء هينًا فالشعب يطهر نفسه منهم أولًا بأول، لكن الخطر الحقيقي هو تلك النار التي تحت الرماد والتي تتمثل في المحاولات الصهيونية الغربية المحمومة لصناعة قيادة بديلة وعميلة في نفس الوقت، إن الواقع يؤشر على أن هناك من يسيل لعابه ويلهث منذ فترة ليست بالقليلة وراء الصهاينة ليحظى بعار تبوأ هذا الموقع مقابل تحقيق ما يسعى إليه اليهود من تنازلات في ملفات القضية المصيرية ورفضها عرفات.
وقد تابعنا الأنباء التي تناثرت عن مساع الجبريل الرجوب ليكون بديلًا العرفات أو ليكون «أنطوان لحد» فلسطيني، كما تابعنا المعركة الكلامية بينه وبين عرفات حول ذلك، وبينما الشعب الفلسطيني يخوض على قلب رجل واحد معركة الصمود ضد الاجتياح الوحشي نفاجأ بهذا «الرجوب» ينسلخ من شعبه ويفقد ما لديه من بقية قيم ووطنية بالوقوف في خندق العدو ويسلمه في تمثيلية محبوكة تسعة من مجاهدي حماس والجهاد وفتح، كانوا في سجونه ورفض الإفراج عنهم بعد الاجتياح الصهيوني مفضلًا تقديمهم عربونًا لتسويق نفسه لدى العدو حتى يقعدوه على كرسي «السلطة» فوق أنفاس الشعب الفلسطيني.
وليس بمستبعد أن يكون الرجوب قد أعد عدته مبكرًا وجهز كوادر إدارته ممن هم على شاكلته ليكونوا جاهزين لخدمة الحذاء الصهيوني بدلًا من التضحية في سبيل التراب الفلسطيني. ذلك هو الثقب الأخطر في جدار مقاومة أهلنا في فلسطين، لأنه يهدد الصف بالشق ويحدث اضطرابًا وارتباكًا داخل المجتمع يمكن أن يؤثر -بلا شك- على قوة مقاومته للهجمة الصهيونية، وهو الأمر الذي حذر منه المجاهد د. عبد العزيز الرنتيسي قائلًا: «الرجوب بكل بساطة يعد نفسه لأن يكون المشروع البديل عن عرفات، فلماذا الصمت عليه وخاصة أن الجميع يدرك أن وراء هذا الرجل شيئًا خطيرًا جدًا».