العنوان الدكتور عبد السلام الهراس في حوار أدبي مع المجتمع
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 01-ديسمبر-1992
مشاهدات 107
نشر في العدد 1027
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 01-ديسمبر-1992
حظيت المجتمع بهذا الحوار الأدبي الممتع مع الدكتور عبدالسلام الهراس أستاذ الأدب العربي بجامعة فاس في المملكة المغربية:
الصفات المشتركة للأدب الإسلامي
المجتمع: الأدب العربي- التركي- الهندي...إلخ. ما الصفات المشتركة التي تجعل منها أدبًا إسلاميًّا؟
د. الهراس: الذي يجمع بين هذه الآداب هو نفسه الذي يجمع بين أدبائها من عقيدة وإيمان وسلوك وفق ذلك بحيث يصبح موقف الجميع موقفا إسلاميا إزاء الكون والحياة وقضايا الإنسان، وبما أن موقف المؤمن وسلوكه ينبثق انبثاقًا تلقائيًا وطبيعيًا من تشبعه بالعقيدة فكذلك أدبه وكلامه، وبهذه المناسبة فالأدب الإسلامي لكي يرقى إلى المستوى اللائق يجب ألا يقتصر فقط على جانب المضمون الإسلامي، بل إن جانب الصياغة والتعبير وجمال الأسلوب وروعة الإبداع لهو شرط أساسي في اكتساب الإنتاج الكلامي صفة الأدب.
قوة التأثير الشعري وأخلاقيات الشعراء
المجتمع: لقد كانت القصيدة تلقى في المناسبة فتهز المشاعر وتغير الاقتناع، كيف نرقى بالشعر إلى درجة الفاعلية والتأثير؟
د. الهراس: إن القصيدة هي تعبير عن صاحبها فإذا خرجت من حس منفعل متأثر أشد التأثر مقتدر على جمال الصياغة والتعبير عن انفعاله فإنها تهز الآخرين وتؤثر فيهم تأثيرًا قويًا بما لها من قوة وبما لإلقائها من روعة، غير ناسين الأحوال والظروف التي تقرأ فيها هذه القصيدة، أما إذا صدرت القصيدة من حس خامد وشعور بارد فإنها لا تؤثر ولو كان صاحبها قوي التعبير فما بالك إذا كان ضعيف النسج ركيك العبارة غامض اللغة، لذلك نجد كثيرًا من الإنتاج الذي يطلق عليه اليوم «شعرا» لا يثير في النفس أي تأثير بل قد يثير الغثيان والاشمئزاز إلا أن هناك من الشعراء من أوتوا ذكاء ودربة وقدرة على صياغة الشعر العربي في قوالبه الموسيقية المعروفة، وأوتوا أيضًا موهبة ودربة غير قليلة على الصياغة والانتقاء لكنه يستخدم ذلك في موضوعات شيطانية لا تخدم إلا الغرائز ولا تثير إلا الشهوات، فهذا الشعر لا يتجاوب معه ولا ينفعل به إلا المنحرفون أو من فيه قابلية للانحراف بسبب خلو مشاعره وأحاسيسه من هموم أمته ومصائبهم وما يعانونه من أهوال ومآس لا تترك للمواطن الصالح فسحة في إحساسه وشعوره للنزوات والشهوات.
إن هذا الشاعر مثله كمثل راقصة بارعة تدخل دار العزاء وتقدم عزاءها بفنها الهابط فتقوم وسط أهل الميت ترقص أمامهم رقصها المتقن وتمر على كل واحد لتقف بجانبه برهة وهي تحاول أن تثير فيه شهوة! فهذه الراقصة تتعرض حتما للسخط والطرد، لكنها قد لا تعدم في الحضور من يستجيب لهز بطنها وتحريك أطرافها لأنه لا يشعر بالمأساة ولا بالحزن ولا ينفعل بالجو السائد في هذا البيت فهو غريب عن هذا المجتمع المتألم، وهكذا فإن رواج قصائد من هذا النوع أي قصائد الفجور والانحلال في وسط ما يدل على هبوط هذا الوسط وبلادة حسه وقابليته للتدهور والخراب، كما وقع للمجتمع العربي منذ منتصف الخمسينيات وحتى هزيمة 1967 الذي مجد كثيرا نوعان من القصائد، إما القصيدة المتملقة المنافقة، وإما القصيدة المتعلقة بالجنس والنزوات والشهوات.
أثر الاتجاه العلمي على الأدب العربي
المجتمع: الاتجاه العلمي هو الاتجاه المفضل عند غالبية الدارسين، ما أثر ذلك على مسيرة الأدب؟ ولماذا أصبحت صورة الأدب والدراسات العربية باهتة في أنظار الناس؟ ومن المسؤول عن هذا الأمر؟
د. الهراس: هذا الاتجاه أمر طبيعي لأن الناس شغلوا بالخبز وضمان المستقبل المادي والمعنوي فاندفعوا للدراسات المهنية والتقنية من أجل كسب عيش محترم أو الوصول إلى وظائف تضمن لهم مستوى حسنا من الحياة المادية، هذا ما دفع الآباء كلهم عند توجيه أبنائهم.. فما أظن أن نسبة كبيرة من الآباء المثقفين ينتظرون من أبنائهم أن يسلكوا طريق الأدب إلا في حالة ضعفهم في العلوم أو في ظروف مادية ضعيفة.. فسوق العمل ومتطلبات الحياة المادية هي التي أثرت في اتجاه الناس الدراسي، ومن ناحية أخرى فإن المناهج الدراسية السائدة في بلادنا أسهمت بشكل فعال في ضعف المستوى الأدبي مما جعل الأديب أو دارس الأدب في الحالة التي أشرت اليها، إلا أن مجتمعنا رغم انشغاله- كما قلت سابقا- بتوفير الجانب المادي المحترم لأبنائه ما يزال يتأثر بالكلمة الجميلة وينفعل بالقول الرائع ولهذا ما يزال متعلقا بآدابه الحديثة والقديمة، غير أنه يفتقد في العصر الحاضر ذلك التآلف الأدبي الذي كان فيما مضى وإن كنا لا ننكر أن المجتمع العربي بدأ يتجه إلى قراءة أنواع أدبية غير الشعر كالقصة والرواية، كما أنه صار ينشغل عن الأدب المقروء بما يعرض على الشاشة من مسرحيات وأفلام، أما ملاحظتك الجيدة عن ضعف الدراسات الأدبية في المناهج الدراسية من الابتدائي إلى العالي والتي تهتم بالشهادات وتقيس المتعلمين بالأوراق دون اعتبار للعلم والتحصيل، ولذلك نجد أن النابغين في الدراسات الأدبية غالبا ما يكونون من النوع الذي لا يحمل الشهادات.
أهداف رابطة الأدب الإسلامي
المجتمع: رابطة الأدب الإسلامي هل هي نقابة مهنية أو ناد للتعارف؟ أم أنها مؤسسة متخصصة تهدف إلى تجميع وترشيد المواهب الأدبية ثم تفجيرها بعد ذلك لتحقيق ثورة رائدة في عالم الأدب؟ وهل من بوادر لذلك؟
د. الهراس: لعل أول من فكر في تكوين رابطة الأدب الإسلامي لهو المصلح الإسلامي الكبير أبو الحسن الندوي حفظه الله وقد كنا نتحدث كثيرا عن هذا الموضوع في لقاءاتنا في المدينة المنورة وقد حقق له أمل إيجاد هذه الرابطة الأدبية التي يرأسها بنفسه ويبذل لها من جهده ونصحه الشيء الكثير، وقد كان تكوين هذه الرابطة للحاجة الماسة لتجميع المواهب الأدبية في العالم الإسلامي في اتحاد واحد تقوية للروابط والتواصل من أجل دفع الأخطار عن المسلمين ومواجهة الأدب المنحرف الذي طغى على المجتمعات الإسلامية، فالرابطة هذه هي مشروع عظيم وفكرة جليلة يجب مساندتها بجميع الإمكانات المعنوية والمادية، وإنني لأرجو أن تتسع دوائرها لتشمل كثيرا من أدبائنا الذين لا يزالون خارجها لسبب أو لآخر، وإن مسؤولية الرابطة مسؤولية جسيمة فعليها أن تثبت جدارتها في إقناع الجماهير الإسلامية بجدواها في خضم الصراع المرير الذي يخوضه أدباء المسلمين في ظروف جد صعبة وقاسية.
روائع الأدب العربي المعاصر مقارنة بالماضي
المجتمع: في أدبنا العربي القديم روائع كثيرة في الشعر والنثر سواء كانت وصفا لموقعة أو ردًّا على تحد.. هل في أدبنا المعاصر مثل هذه الروائع مع ملاحظة تغير المناسبات والأهداف؟
د. الهراس: لا يخلو عصر من العصور من روائعه وإن كانت هذه الروائع في العصر الحاضر قليلة بالنسبة للعصور السابقة وخصوصا عصور الازدهار الأدبي.. إن العصر الحاضر شهد روائع في النثر ولاسيما في المقالة أكثر مما شاهد من روائع في الشعر، وهذا- كما قلنا سابقا- لرواج فنون النثر أكثر من رواج الشعر وأظن أن لنا أدباء كبارا أصحاب إنتاج رائع في النثر يصل حاضرنا بماضينا وهذا لا ينفي أن هناك بعض الروائع في الشعر ولكنها قليلة، وإننا لنلحظ أن الانتفاضة الفلسطينية والجهاد الأفغاني وما تقاسيه بعض الشعوب من طواغيتها كل ذلك ينتج أدبا رائعا ولاسيما في الشعر، ولقد قرأت أن قصائد تعتبر من روائع الشعر العربي الحديث إلا أنها لا تصادف في ظروفنا مناسبة لنشرها وتوزيعها والترويج لها، ولست أدري لماذا تبقى هذه القصائد حبيسة بعض النشرات والمجلات الضعيفة التوزيع بل إني أحس أن هناك إنتاجا شعريا ونثريا كبيرا حبيس الأدراج لم ير النور بعد، إلا في إطار محدود جدا خوفا من صاحبه على نفسه أو على أسرته، وأنا أعرف شعراء تركوا قصائد رائعة في موضوعات حساسة لم تر قصائدهم تلك النور إلى الآن ولعلها اختفت تلك البدائع والروائع بسبب الخوف على النفس والأهل والولد إذ إن الأدب لا يزدهر إلا في جو من الحرية أو عند الأحرار الذين لا يبالون بالأذى ولا بما يصيبهم في سبيل نصرة الحق الذي يعتقدون.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل