; ثقافة الإسلام.. ثقافة الإنسان | مجلة المجتمع

العنوان ثقافة الإسلام.. ثقافة الإنسان

الكاتب محمد السيد

تاريخ النشر السبت 15-يونيو-2002

مشاهدات 72

نشر في العدد 1505

نشر في الصفحة 50

السبت 15-يونيو-2002

للكلمات حدان: حد ككتاب يطيب في مطالعته السهر، وتهيم في أحاديثه الفكر وتختزن كلماته  التاريخ والعبر وتترنم مقولاته بآفاق المقل، ويجوس الخيال العادل في خلواته والدرر، يرنو بعينيه إلى الأصيل والمستحدث بخصوصية الثقافة والهوية وغير منفك عما اختزنته طول السير، ولا منشغل عما يدور في العصر من جنى سائغ مستطر، جامعًا طرفي المعادلة، في صورة أريبة، تحاكي مخزون العقائد والشرائع عصرية الفهم والاجتهاد، بغير اعتساف ولا إلحاق بالآخر المتربص لحظة استدراج تهدیه استلاب القاصين الأمر.

وحد رفيق الغربة والخلط بين التقدم وعمى الاتباع الحرفي، الذي ينمو في وهج الانبهار بالآخر وذل الدونية، التي ترافق حياته، وتحدد مقامه، حرفًا مرذولًا، مدنس الأعطاف معيدًا ببغاوية حرف الآخرين وكتابهم الحياتي الذي يضج بالعنجهية والصلف والاستكبار والاستلاب للآخر.

وضمن هذا الحد الثاني، نقرأ لبعض الكتاب سطورًا تقول منطق التحليل الإسلامي للأمور والأحداث منطق ساذج تبسيطي، خارج عن منطق العصر وثقافته الفكرية والسياسية والاقتصادية ومن منطلق القول هذا يذهب الكاتب إلى دحض تقسيم الناس إلى مسلمين مؤمنين وغير مسلمين ويعتبر أن هذا التقسيم تغييب للثقافة الحقة- برأيه- التي تقسم العالم إلى عالم الأغنياء وعالم الفقراء وهو بهذا يعيدنا للدندنة حول فكر وثقافة الطبقية الماركسية التي انهزمت وثبتت مصادمتها المنطق والعقل والواقع الحياتي.

ولا نظن أن مثل هذا الطرح في هذه الأيام إلا صادرًا من اتجاه وجد له مجالًا واسعًا في وسائل الإعلام، يصر على استبعاد ثقافة الإسلام والإيمان من الساحة، ولو استبدل به أي ثقافة مهترئة مهزومة غير مقبولة، وفي سبيل تأييد هذا الطرح الثقافي والفكري الذي يطرحون، يقولون إن تحليل الأحداث على أساس أن الظلم المحيط بأمتنا كان بسبب إسلامها وإيمانها، وأن توجه الآخر للانتقام منها والسيطرة عليها كان من أجل ذلك، إن هو إلا عملية إلهاء الناس عن السبب الحقيقي والتحليل الصحيح اللذين يتمثلان في معيشتهم المتردية وفقرهم وتدهور أوضاعهم الحياتية.

إنهم يحاولون تغطية الشمس بغربال مخروق وكأن دعوة الأمة للتمسك بإسلامها وتحليل الأحداث على أساسه، يلهي الناس عن معالجة مشكلاتهم الحياتية، من فقر وجهل وتخلف وظلم وقهر، في حين أن الجميع يعلم أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي اهتم اهتمامًا حثيثًا بأوضاع الناس الحياتية. فخصص لها القرآن النصوص العديدة، وبين الرسول ﷺ في قوله وعمله الكثير الكثير من عناية الإسلام بالعدل في  توزيع الثروة، والعدل في الحكم والحض على التعليم والعناية القصوى بالفقراء وإصلاح حالهم، ويكفي في هذا السياق أن نذكر حديث الرسول ﷺ الذي يقول فيه: «ما أمن من بات شبعان وجاره إلى جنبه جائع وهو يعلم»، وأن نذكر بعض أدبيات الإسلام المعروفة المشهورة في هذا المجال من مثل:

§       كاد الفقر أن يكون كفرًا.

§       لو كان الفقر رجلًا لقتلته.

§       أغنى عمر بن عبد العزيز الناس حتى لم يجد القائمون بأمر الصدقات من يأخذها في عهده.

إنها ثقافة الإسلام المتميزة، وليست ثقافة البطون والعلف التي تعيد أسباب مشكلات العالم إلى حاجات الجسد والحسد والضرورات الدنيا.

إنها ثقافة الإسلام والإيمان المتوازنة الوسطية التي تجعل الإنسان إنسانًا بمعنى الكلمة وأبعادها وعمقها، وليس الحيوان الذي تحركه غرائزه الأرضية ويثيره منظر العلف لدى الآخرين، فيثور الدم في عروقه، ويتحرك بالهدم والهيمنة دون رادع من قيم ولا مبادئ ولا مرجعية حضارية حقة، إلا مرجعية الرفاه، ومحاولة امتلاك كل شيء. وإثارة الحروب، وإحداث الدمار من أجل ذلك.

 وقد كان هذا ديدن الحضارة التي يدعوننا إليها، وينادوننا أن هلموا إلى مائدتها الثقافية والفكرية، وإلى تحليل الأحداث بمنطق عصرها وإلى الاتباع والتقليد لها دون انتقاء ولا استيعاب وقد يعلم هؤلاء أن هذه الحضارة بجميع أوجهها الشيوعية والرأسمالية واليسارية، كانت خلال القرون الثلاثة الأخيرة الموجه والموجد للاستعمار وحمامات الدم والمجازر التي أدارها، وعمليات سلب ونهب الشعوب والإثراء على حسابها، كما كانت الموقد الأول لحربين عالميتين خلال ثلاثين عامًا دمرنا العالم وقتلنا ما يقارب ثمانين مليونًا من البشر، هذا فضلًا عن الحروب التي كانت مستمرة وحامية في أوروبا، وفضلاً عن حروب الإبادة للشعوب في كل من القارة الأمريكية وأستراليا على يد أهل هذه الحضارة التي صنعت منطق هذا العصر الذي تدعى للالتزام بمصطلحاته وتحليلاته فهل تلتزم؟ أم نقول حقًا وعدلاً : إن لدينا خصوصية وأصولًا في التحليل ومنطقًا في الفهم والتقسيم، يتلاءمان مع وضع الإنسان في المكان الذي أراده له خالقه الأعلم بما يصلحه ويسعده؟ 

الرابط المختصر :