; ثقافة.. النفاق | مجلة المجتمع

العنوان ثقافة.. النفاق

الكاتب د. حصيف عبدالغني

تاريخ النشر الثلاثاء 11-ديسمبر-1979

مشاهدات 75

نشر في العدد 462

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 11-ديسمبر-1979

إذا كانت الثقافة تعني مجمل العادات والتقاليد والأعراف والممارسات لمجتمع معين.... فمن الممكن... بل من المحتمل أن يكون للنفاق... ثقافة تطبع الفئة التي تتعاطاه. والنفاق «ثقافة» ذميمة يستنكرها الخلق الرفيع وتحتقرها النفوس الفاضلة، وهي مزيج من الضعف والجبن والرياء والتملق والخداع والأنانية. 

وإذا كان من السهل كشف النفاق الاجتماعي في الأفراد فالأمر كذلك بالنسبة للنفاق السياسي في الجماعات. ولعل النفاق السياسي في عالمنا العربي هو أكثر السلع رواجًا... يبيع المنافقون في العزة القومية والقيم الإنسانية الخيرة، ويعوقون ركب التحرر الكامل للمواطن والوطن فما يشكوان في مجتمعات التخلف من فقر وجهل ومرض وظلم واستعباد. 

وإذا كانت آية المنافق ثلاث كما قال الرسول الكريم- صلعم-: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان، فهذه أيضًا تنطبق على الجماعات التي تمتهن النفاق السياسي، فعندما تطبل وتزمر لكل حاكم ظالم... تمارس «الكذب» المفضوح، وعندما تتملق الحاكمين الفاسدين مهما أساؤوا فهي «تخون» أمانة الله الذي خلقهم، وأمانة الوطن الذي ولدوا فيه وتدرجوا على ترابه وأكلوا من خيراته... ثم باعوه بثمن بخس.

ويعلم الصغير والكبير أن الحاكم الفرد يجمع حوله عادة الفئات الانتهازية الطفيلية التي تسبح بحمد أي حاكم... سواء كان جاهلًا... أم غافلًا، ماركسيًا أو رأسماليًا أو ليبراليًا، مدنيًا أو عسكريًا، ويستخدم الحاكم الفرد هؤلاء المرتزقة المنافقين كما تستخدم الأحذية، يخوض بهم في الأوحال ليتلوثوا... وتبقى رجلاه بعيدتين عن الأوساخ، وعندما يستهلكون يغيرهم المستبد الظالم بمنافقين جدد لهم لمعان الأحذية الجديدة قبل اهترائها وتلوثها.

منذ صغري وأنا أسمع من يردد أن المدينة «الفلانية»، وهي عاصمة الإقليم- عريقة في النفاق السياسي لأن أهلها يلتفون حول أي حاكم... يسيرون له أموره كما يشتهي، ويستفيدون هم: أفرادًا ومدينة، من تحويل المنافع لهم وحدهم دون باقي الإقليم. وقد لا يكون من الحكمة التعميم في مثل هذا الاتهام وأنا أعرف بعض أبناء هذه العاصمة وهم من كرام القوم خلقًا وجهادًا، إلا أنني مع تعاقب السنين لاحظت أن ما كان يروجه بعض الناس عن العاصمة هذه، فيه بعض الصحة بالنسبة للمجموع، وكل الصحة بالنسبة لفئة معينة جلها من الموسرين الذين لا يفرقون بين تجارة الحاجيات... وتجارة الكرامات!

ومنذ قيام إسرائيل وبدء ألاعيب ال في نظم الحكم للبلاد المجاورة لها تعاقب على دس الحكم في العاصمة إياها عشرات الحكام يمينًا ويسارًا ووسطًا -على حد تعبير السيء الذكر ماركس- وجلهم من المستبدين الجاهلين الذين انتقاهم «العم سام»، على عينه، وفرضهم بقوة السلاح على رقاب البلاد والعباد، وما جاء واحد منهم إلا ولقي من فئة الموسرين في العاصمة من «يمسح له الجوخ» ويدخل في حاشيته ويستوزر في حكومته.... يأكل من خبز السلطان... الحرام ويضرب إخوته المواطنين الأبرياء بسيف الحاكم الظالم، وهو دائمًا «صوت سيده» يمدح من يمدح ويقدح من يقدح... وإذا لم تستح فإصنع ما شئت!! 

ومنذ الانقلاب الأميركي الأول الذي قبل فيه «المشير» التوقيع على اتفاقية الحدود مع إسرائيل وتخلى عن جزء غال من أرض بلاده... إلى العهد المشؤوم الذي صار فيه بائع الجولان «فريقًا»، والصورة إياها تتكرر في العاصمة.. أقدم حواضر التاريخ المدون. وهناك أمثلة كثيرة أستطيع تقديمها في هذا المجال لعل آخرها هو أقذرها فضيحة وأشدها ألمًا للمواطن المؤمن الواعي الذي يعرف «لعبة الشعوب» ويعرف من الذي يحرك «العرائس» على المسرح... ويعرف الخلفية الكريمة للمنافقة الجديدة!!!

في تموز-يوليو- الماضي طلعت مجلة (المعرفة) الشهرية وهي دورية رسمية 
المثقفة الخطيرة؟ معركة «تل الزعتر» ضد الأرامل والأيتام والمدنيين والأطفال الجائعين من إخوتنا الفلسطينيين؟ أم الانسحاب من الجولان بدون قتال؟؟؟... حتى الحرب السياسية المتفق عليها في تشرين ۱۹۷۳ خسر فيها جيشه العقائدي مزيدًا من الأرض. أما كان أولى لك أن تصمتي تحفظي ماء وجهك؟!!.... ثم تقولين (لافض فوك).

«وفهم على نحو عميق أن الثقافة لا تنتج في جو غير ثقافي جو منقوحي الحرية مدخول النوايا شديد القيود فعمل على توفير الحرية الفكرية وأطلق شعاره القائل لا رقابة على الفكر سوى رقابة الضمير، وكان هذا شعارًا للتطبيق لا للزخرفة».

ألا تخجلين من نفسك فتتحدثين عن إطلاق الحرية الفكرية -ودعينا من الحرية بصورة عامة- في تموز-يوليو- أي بعد أيام معدودات فقط من إعدام ثمانية عشر شابًا مؤمنًا من الكادحين والمثقفين، بتهمة انتمائهم الفكري والعقيدي لله ورسوله؟ وبعد اعتقال الآلاف لمحاسبتهم على «نياتهم» وتسريح أساتذة الجامعات لأنهم يتعاطفون مع الشباب المؤمن. هل سمعت، أيتها الوزيرة الخطيرة، في تاريخ البشرية الأسود عن عهد يحاسب الناس على (عواطفهم) فيسجنون ويعذبون بأرقى ما توصل إليه الذهن المنحرف الفاشي -الماركسي- الباطني، من أدوات حتى يقضي هؤلاء شهداء، حتى «الخواجات» في الغرب من جماعة «منظمة العفو الدولية» عرفوا أن ثمانية من المساجين استشهدوا تحت التعذيب ما بين عام ١٩٧٥و ١٩٧٨، وذلك كله بفضل الحرية الفكرية التي تسودين بها صفحات مجلتك التافهة.

 وتزيدين إمعانًا في ترهاتك فتقولين عن «قائدك»:
«والذي في وحدة الوطن الداخلية جمع كل القوى ووحدها وحشدها، وفي الوحدة القومية العربية وقادها في سياسة التحرير واسترداد الحقوق إلى مواقع متقدمة عربيًا ودوليًا».

 أما عن الوحدة في الداخل فالراسخون في العلم يعرفون أن التفتيت المجتمعي في بلدك الآن، والانقسامات الطائفية والدينية والحزبية والطبقية لم يشهدها البلد المنكوب طيلة تاريخه العريق أن الحزب القائد الذي استأجرك لتكوني (صوت سيدة) لم ينل في أيام عزه- قبل انشقاقاته وتبعثره أكثر من 5% من أصوات الشعب فهل تظنين أن المرتزقة من مخلفات العهد الناصري وعددهم لا يتعدى العشرات، وبعض أفخاذ العشائر النصيرية هي كل القوى في بلدك. والجبهة التقدمية ليست جبهة بل ذيلًا تابعًا حشد فيه أمثالك من صغار الانتهازيين والمستوزرين أو السماسرة المنتفعين من فساد الحكم وإفساده. 

أما أين؟ ومتى؟ وكيف؟ «استقطب وقاد» (رئيسك) «الجماهير العربية في سياسة التحرير» فإن اللغة العربية خجلى من هذه الكلمات التي ترددينها، ويرددها فقط بعض المراهقين دون فهم لمعاني الكلمات ومدلولاتها. قولي لنا أيتها الوزيرة الخطيرة، في أي بلد عربي يمكننا أن نجد تلك الجماهير؟ هل هم اللبنانيون أم الفلسطينيون أم العراقيون أم السعوديون أم المصريون؟!

وفي حديثك عن الحرية يناقض جانب من نفاقك الجانب الآخر حين تحاولين الدفاع عن حكم الفرد «إذا قيل إنه فرد وأن دور الفرد معروف في التاريخ فالجواب نعم -طيب الله الأنفاس- وهذا الدور يؤهله لكل ما نقوله (لاحظوا ضمير نحن) فيه وهيهات أن يعطي هذا البلد مثيلًا له كل مائة سنة مرة واحدة».

وتتويجًا للغباء الثقافي تنهي الوزيرة جريدتها النفاقية فتجعل السماء –لا بد أنها سماء واشنطن- حنونة على العالم العربي إذ تهب له حافظ بعد فقدان جمال لقيادة الأمة!!! اسمعوها تقول:
إن الرئيس (فلاني) وهذا ما أريد توكيده، تنطبق عليه هذه الكلمات انطباقًا كاملًا، وهذا هو السبب في أنه زعيم عربي كبير، وأمل عربي كبير وقائد لهذه الأمة التي افتقدت عبد الناصر فوهبتها السماء «فلان الفلاني». 

وفي هذه النقطة بالذات صدقت الدكتورة من حيث لم تدر فكلا المذكورين من معمل واحد ولهما أرضية مشتركة واسعة (فالعسكرتاريا)الأمريكية التوجه هي التي بارکت إنجازاتهما التاريخية في إضاعة البلاد وظلم العباد ونشر الفساد في الأرض.

 يا وزيرة الثقافة... لقد بلغت القمة!! -بضم أو كسر القاف... لا فرق -أنا متأكد من أنك درست القرآن الكريم- في ماضيك الطيب- وتعرفين ما جاء فيه:

﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ (سورة النساء: 145) .... صدق الله العظيم.

اللهم قنا عذاب النار، وجاز الوزيرة بما تستحق.
ولا حول ولا قوة إلا بالله 
والصبر الصبر يا أحفاد «آل ياسر» إن موعدكم الجنة

الرابط المختصر :