العنوان ثقافة الأستاذية.. أم ثقافة القطيع؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 07-سبتمبر-1999
مشاهدات 69
نشر في العدد 1366
نشر في الصفحة 45
الثلاثاء 07-سبتمبر-1999
يجب أن يعيش المسلم في الحياة ثقافة الأستاذية، وينطلق في المجتمعات بأفكار القمة ويمارس في الأمم أجواء الريادة في بلده وغربته يجب أن يفقه دروس الخيرية المرادة منه، ويتعلم خطاب القيادة المطلوب الوصول إليها، ومناهج الصدارة التي ينبغي بلوغها، وأساليب الزعامة التي يفترض أن يتربع على عرشها، وصدق الله : ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ﴾ (آل عمران:۱۱۰) كما يحرم على المسلم أن يعيش في أي وقت وأي زمان حياة القطيع حياة الذلة والقهر، وأن يحيا خادمًا لغيره وكلًا على سواء، وأن يعامل كسقط المتاع، لا في العبر ولا في النفير، وليس مؤهلًا لأي دور، ولا معدًا لأية رسالة أو مهمة، وأن يعيش عيش الغثائية التي حذرنا الرسول r منها: «توشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعي الأكلة إلى قصعتها قالوا: أومن قلة نحن يا رسول الله قال لا أنتم حينئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل وليقذفن في قلوبكم الوهن ولينزعن الله من قلوب أعدائكم المهابة منكم حتى تراجعوا دينكم» (رواه ثوبان مولى رسول الله r، المصدر: السلسلة الصحيحة).
وأظن أن حالنا اليوم قد بلغ هذا المنزل وأننا نعيش حياة القصعة التي ينبغي علينا أن نراجع عندها ديننا ومنهجنا وتراثنا الباعث من الموات وأن نسير من جديد على ضوء تلك المبادئ العظيمة حتى نرجع أساتذة المعالم كما كنا، وروادًا للبشرية كما عهدنا، على طول التاريخ وعرضه وللوصول إلى تلك المنزلة ينبغي السير على ما يلي:
1- يجب التدليل على أن المسلم في العالم ليس جسمًا غريبًا في أي مجتمع، وإنما هو عنصر عطاء وتخصص قادر على التكيف والاندماج قريب إلى فطرة الناس محقق لأمالهم وأحلامهم الطيبة الحسنة داعية إلى الخير بإحسان ناه عن المذكر بشفقة ورحمة مستعص على الذوبان والانحلال في الفساد، مؤثر لا متأثر.
2- يجب أن يجهز المسلم اليوم العمل لحمل الأمانة بالتربية والتنشئة الطبية واستثمار الطاقات الروحية والعملية والخلقية والأدبية والفكرية والمعرفية والتخصصية لنصرة الحق، والدعوة إليه : ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱرۡكَعُواْ وَٱسۡجُدُواْۤ وَٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمۡ وَٱفۡعَلُواْ ٱلۡخَيۡرَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَوَجَٰهِدُواْ فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَج مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيۡكُمۡ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ﴾ (الحج: 77-78)
3- يجب أن تحيا في المسلم من جديد فكرة أستاذية العالم والنموذج القدوة الحسنة، وعنصر الإبهار الثقافي والاجتماعي والإبداع الحضاري، وأن تحيا في النفوس مواقع الانتماء لرسالة رائدة في هذا المجال وأن يكون ذلك كله شاخصًا أمام أعيننا حيًا في نفوسنا جميعًا، فنحن الذين حررنا البشرية من الطغيان الجسدي والفكري والتعصب والعنصرية وأسسنا صروحًا للأخوة الإنسانية ونادينا بالتعايش بين الأديان والألوان والقبائل والثقافات.
4- يجب أن يعلم المسلم، أن الانتصار ليس في المعركة العسكرية على قوى الشر فقط وإنما الانتصار الفاعل الدائم هو في المعركة العقائدية والعلمية والثقافية والحضارية والاقتصادية والتنموية، فما انتصرت القوى الإسلامية قبل ذلك بالسيف والحرب فقط وما كانت أمة استعمارية ولكنها كانت أمة مبادئ وعلم وحضارة وفكر وخلق وإنسانية بهرت العالم وقلبت موازين الحياة الاجتماعية والفكرية وأعطت الناس الحرية والكرامة والعزة فدخل الناس في دين الله أفواجًا. وانطلقت بسببها العقول ونهضت من عقال لتمارس الدور الحضاري والعلمي، وتنشئ المدنيات في أرجاء المعمورة.
5- يجب أن يبتعد عن صناعة فلسفات الهزيمة التي بدأت تطغى على كثير من النفوس الضعيفة فتقعدها حتى عن النهوض القومي والأممى وتقصيها عن اللحاق التكنولوجي والإبداعي، فضلًا عن السبق فيه وتصيبها بالخنوع والكسل، والهم والحزن الذي تعوذ منه رسولنا لنتعوذ منه.
6- يجب أن يكون عند المسلم القدرة على استيعاب سنن الحياة، وعلى التفكير الاستراتيجي والقيادي، والاستنبات للطاقات والإبداعات وأن يكون عنده الإرادة التنموية في كل الظروف وحسن التقدير والتسخير لكل متاح وصولًا إلى مواقع جديدة.
7- قضية الأقليات أوهام، فنحن أولًا ثلث العالم تعدادًا، وثاني ديانة في العالم، والديانة الحقة المرشحة للريادة بآراء الجميع والأقليات الموجودة في بعض البلاد غير الإسلامية، مسنودة بأکثريات تشعر بشعورها، كما أن الأقليات إذا أحسن تنظيمها تكون أكثر من فاعلة في المجالات السياسية والمالية والاقتصادية والعلمية والدعوية إذا أحسن تنظيمها وتفعيلها، والدليل على ذلك ﴿ كم مِّن فِئَة قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَة كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ (البقرة:249)، والأقليات اليهودية على الرغم من أنها مفسدة للناس قد سيطرت على كثير من الدول الفاعلة بأساليب مالية واقتصادية، فما بالنا إذا كانت لنا تلك الأساليب ويزاد عليها أساليب إصلاحية والمسلم لا يشعر أبدًا بالغربة. فالأرض أرض الله، وقد حمل المؤمنون الرسالة إلى بقاع الأرض.
8- من طبيعة الإسلام الهجرة والسياحة في الأرض والتبشير بالإسلام والرعاية لأحوال البشرية والله ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولن يبقى بيت مدر ولا وبر إلا دخله الإسلام الحديث.
وما كانت الهجرة في البلاد للذوبان في ثقافاتها والضياع في فسادها، ولكنها كانت لإصلاح شأنها وردها إلى منهج الله ﴿يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ أَرۡضِي وَٰسِعَة فَإِيَّٰيَ فَٱعۡبُدُونِ﴾ (العنكبوت:56)، قال الإمام الماوردي - رحمه الله «وإذا قدر المؤمن على إظهار الدين في بلد من بلاد الكفر فالإقامة فيها أفضل لما ترجى من دخول الإسلام».
أما إذا خاف على نفسه وولده وأخلد إلى ضعفه، فالرجوع والفرار ضرورة والهجرة إلى المؤمنين فريضة وإلا يكون قد ظلم نفسه وأهله وباء من غضب من الله ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمۡۖ قَالُواْ كُنَّا مُسۡتَضۡعَفِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ قَالُوٓاْ أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَة فَتُهَاجِرُواْ فِيهَاۚ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا﴾ (النساء:97).
وبعد: فهل يستطيع المسلمون اليوم أن يمارسوا ثقافة الأستاذية أم يظلوا يمارسون سياسة الضياع، وللأسف قد تفرض عليهم في ديارهم سياسة القطيع اليوم، فلا حريات ولا نهوض نحو المعالي، ولا نزوع نحو شريعة أو إسلام، ولا سياسات تعليمية ترتشف من ينابيعه، وإنما محاربات وتهميشان وعمالات وشهوات وفرض توجهات بالحديد والنار، والكل يعرف مستقبل هذا وذلك ولكن هل يظل هذا أبدًا، لا أظن لا أظن، لأن في الأمة رجال صدق وسواعد عزم، وسيفرح المؤمنون إن شاء الله بثقافة الأستاذية، ﴿وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾(يوسف: 21).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل