العنوان ثغرة في الأمن العربي أمام شواطئ لبنان
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 29-أغسطس-1989
مشاهدات 97
نشر في العدد 930
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 29-أغسطس-1989
نقول ابتداء.. إن وجود هذه الحشود
العسكرية البحرية لفرنسا أمام شواطئ لبنان أمر مرفوض.. وإذا كان هذا التصرف
الفرنسي مبرر عند الغربيين بتمادي سورية في ضرب قوات ميشال عون في لبنان، فإننا-
كمسلمين وعرب- نرفض اعتبار فرنسا نفسها وصية على لبنان الذي شلته الإرادة
العربية.. ونرفض أن تتمثل فرنسا دور
الأم الرؤوم لبعض طوائف لبنان.
- التحرك الفرنسي
إن دفع فرنسا ببوارجها الحربية
وحاملات الطائرات قبالة الشواطئ اللبنانية يمس ما تبقى من السيادة العربية وهيبة
الكيان العربي إن بقي لذلك الكيان هيبة بين الأمم بعد أن أفشل المتعنتون مهام جميع
اللجان العربية التي سعت لحل الصراع اللبناني.
وما هو أهم من هذا أن الحشد الفرنسي
أمام شواطئ لبنان يفتح ثغرة واسعة في جدار الأمن العربي تمر من خلالها مطامع
ومقايضات الدول ذات المصالح في المنطقة العربية بأسرها، ولعل الفرنسيين الذين
عايشوا العرب في بلاد الشام طيلة سنوات الربع الثاني من القرن العشرين يدركون أكثر
من غيرهم أهمية إقليم الشام الذي تلاعبت فيه الاستراتيجيات الدولية قديمًا.. والذي
ما زال عرضة للمقايضات السياسية بين القوى الكبرى في لعبة سياسية لا يمكن اعتبار
اليهود خارجها.. وهذه المعرفة الفرنسية تزيد في حماس الإليزيه للسعي من أجل الحفاظ
على المواطئ القديمة لأقدامها في لبنان، مما يكفل لها تأدية المهمة الكنسية في
نصرة الطوائف المسيحية التي تخوض حلقة من حلقات الثأر التاريخي مع كل من دروز
جنبلاط وشيعة بري على أنهم جبهة إسلامية!
- هل هي جبهة إسلامية؟
وعلى هذا فإن هذا التشابك بين ثارات
الماضي بين الدروز والشيعة والنصارى من ناحية، وأطماع الدخلاء من عرب ومن يهود من
ناحية أخرى يجعلنا نتساءل:
إلى أي مدى يمكن اعتبار كل من جنبلاط وطائفته وبري
وطائفته ومن معهما يمثلان الجبهة الإسلامية أو المحور الإسلامي في لبنان؟!
فمن الجانب العقدي والفقهي- التي
يصعب التوسع بها في هذا المقام- تجمع مذاهب المسلمين على عدد من الصفات
والإيمانيات والشعائر.. بحيث يتعذر في مقاساتها اعتبار محور جنبلاط- بري جبهة
إسلامية.
ومن الجانب الميداني الذي يشمل
الأعمال العسكرية والتوجه السياسي فقد شهد العالم انقضاض قوات كل من جنبلاط وبري
مرة بعد مرة على مخيمات الفلسطينيين فهشموها وأحرقوها.. وسفكوا دماء أهلها وهم
مسلمون.. كما كثر إيذاء قوات جنبلاط وبري للمسلمين السنة في طرابلس وبيروت وصيدا
وغيرها.. ولعل مواقف هذين الرجلين ومدافعهما لا تفرق حتى الآن بين مسلم ونصراني في
بیروت.. فهي تسعى فقط لتحقيق الذات السياسية.
وهكذا فإن محور جنبلاط- بري ومن
معهما لا يمكن اعتباره جبهة إسلامية تواجه جبهة نصرانية.. بعد أن فرغت في السنوات
الماضية من قتل المسلمين في المخيمات الفلسطينية، ومدن أهل السنة وقراهم في لبنان،
كما أن محور عون وحلفاءه الذين يتعاونون مع اليهود في فلسطين المحتلة لا يمكن
منحهم الشرعية الوطنية وهم يهللون لمقدم البوارج الفرنسية، ويفتحون البوابة
الجنوبية للبنان أمام اليهود، ليصبح لبنان وفق هذه المعادلة البغيضة ممزقًا بين
اليهود والصليبيين والفرق الباطنية.
على أننا كثيرًا ما نبهنا إلى خطر
تصعيد الحرب التي تخفي وراءها مؤامرة مشتركة لتقسيم لبنان إلى كانتونات تحقق أولًا
وأخيرًا جزءًا هامًا من نظرية الأمن الصهيونية التي تعمل لإيجاد ذلك الحزام
الطائفي على الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة.. وإذا كان المتعنتون الرافضون
الانصياع إلى النداءات العربية والإسلامية الحقة ضالعون إلى هذا الحد في تنفيذ
المؤامرة بتصعيد الاقتتال لتحقيق المصالح اليهودية والصليبية، فإن الاستمرار في
استجرار القوات الأجنبية البحرية إلى قبالة شواطئ لبنان بفعل عربي متعنت، يشكل
أكبر خطر ليس على لبنان فحسب وإنما على الأمة العربية والأمة الإسلامية بأسرها،
وإزاء هذه الوضعية للتشابك اللبناني.. من تراه يفك هذا التشابك؟
-
لقد سدت
الأبواب أمام اللجنة العربية الثلاثية التي اشتركت فيها المملكة العربية
السُّعُودية والمغرب والجزائر.
-
كما ازداد
أوار الجحيم اللبناني بعد إعلان اللجنة الثلاثية المذكورة توقفها في السعي إلى
إيجاد مخرج بسبب الموقف المتعنت الذي سد الأبواب أمامها.
وإلى جانب هذا وذاك ازدادت طلعات
الطيران اليهودي فوق الأراضي اللبنانية التي توغلت مرارًا في الأعماق دون أن توجه
إليها أية قذيفة من مدافع جنبلاط وبري وعون وأية قوة أخرى في لبنان.
- لا للتدويل:
لا يمكن بحال من الأحوال أن يترك
العرب الحبل على الغارب في لبنان ليعبث به الدخلاء واليهود والصليبيون.. ولا يمكن
السكوت على اقتراب البوارج الحربية الفرنسية من لبنان والتي تعتزم تنفيذ بعض
المهام التي تمس بالأمن العربي كله.. ولا يمكن أن تغفو الأمة واليهود يغذون
الأطراف المتحاربة ليستمر ذلك الجحيم في لبنان.. كما أنه ليس من المقبول تدويل
المسألة اللبنانية بعد أن وصلت اللجنة العربية الثلاثية إلى طريق مسدود.. وليس من
المقبول أيضًا إدخال الملف اللبناني مرة أخرى إلى ثلاجة الأمم المتحدة أو مجلس
الأمن الذي يعالج القضية وفق حسابات الأطراف الدولية التي تسعى إلى تأمين مصالحها
ومصالح الكيان الصهيوني المغتصب فقط.
-الحل:
وعلى هذا يبقى الحل بيد العرب أنفسهم ومعهم الشرفاء من
أهل لبنان.. أولئك الذين لم يتورطوا في الفتنة القذرة مع الأطراف الصليبية أو
اليهودية.
إن الحل يجب أن يكون عربيًا
إسلاميًا.. ولابد أن تتوفر للمجموعة العربية المفوضة بحل الأزمة اللبنانية صفات
الحزم المطلوبة لردع الطرف المتعنت مع فرض المقاطعة الاقتصادية والسياسية عليه
لحمله على الاستجابة للحل الذي يقتضي ابتداء خروج الدخلاء واليهود وسائر الفئات
العابثة من لبنان.. وبلا هذا الحزم.. ودون إعلان الموقف الصريح.. ودون اتخاذ
الإجراءات الشجاعة.. فإن الباغي سيزداد في بغيه.. وستمتد النار اللبنانية لتأكل
الجسم العربي جزءًا بعد آخر.. فهل تشهد المرحلة القادمة ذلك الحزم والجرأة
والشجاعة العربية المطلوبة في فضح الباغي والضرب على يديه.. وهل يحقق الموقف
العربي المطلوب حلًّا يبطل الثملات والحجج الفرنسية لحماية المسيحيين في لبنان من
بطش المحور الذي نصب نفسه ممثلًا للمسلمين في ذلك القطر المنكوب بفتن الدخلاء
وملوك الطوائف؟!
إننا بانتظار ذلك الموقف العربي الذي
يجب أن يسد ثغرة الأمن العربية ويمنع الفرنسيين وغيرهم من التدخل في لبنان، وهذا
لن يكون إلا إذا توفر للعرب موقف يكون واضحًا وشجاعًا وحازمًا وقادرًا على ردع كل
الفرقاء الذين ما زالوا يعيشون فسادًا متجاهلين المحصلة الكبيرة التي كسبها اليهود
من وراء الفتنة في لبنان.. فهل يكون ذلك؟