; تونس.. عبق الاستقلال بعد ٥٥ سنة من التبعية.. استقلت تاريخيا عام 1956م وتحررت فعليًّا هذا العام | مجلة المجتمع

العنوان تونس.. عبق الاستقلال بعد ٥٥ سنة من التبعية.. استقلت تاريخيا عام 1956م وتحررت فعليًّا هذا العام

الكاتب عبد الباقي خليفة

تاريخ النشر السبت 02-أبريل-2011

مشاهدات 70

نشر في العدد 1946

نشر في الصفحة 22

السبت 02-أبريل-2011

  • لأول مرة يخرج الناس إلى الشارع بمحض إرادتهم للاحتفال.. وكانوا قبل ذلك لا يعطون اهتماما لهذه المناسبة.
مرت ذكرى الاستقلال في تونس (۲۰ مارس) هذا العام بشكل مختلف عما سبقه من أعوام تجاوزت أكثر من نصف قرن، وتحديدًا ٥٥ عامًا.. فلأول مرة يشعر التونسيون بأنهم استقلوا فعلًا، ولأول مرة يخرج الناس إلى الشارع بمحض إرادتهم للاحتفال وكانوا من قبل لا يعطون أهمية كبرى لهذه المناسبة؛ بل كانوا يتندرون على نشيدهم الوطني، ويغيرون بعض كلماته لتناسب الواقع الموضوعي الذي يعيشونه.. فقد كانت حريتهم مقيدة والتعبير عن الرأي ممنوعًا، والتنظيم جريمة، ونقد الحكومة خطيئة وكارثة تحل بمقترفها وتدفع به إلى السجون وسلخانات التعذيب، إضافة إلى حرمانه من جميع حقوقه المدنية.
وما يحدث هذه الأيام بعد الثورة التونسية هو محاولة لتحاشي تكرار ما حصل عندما تم توقيع وثيقة «الاستقلال» في ٢٠ مارس ١٩٥٦م؛ حيث كان الشعب مغيبًا عن الاشتراك في رسم حاضر البلاد ومستقبلها وسطت نخبة معينة بزعامة «بورقيبة» على القرار السياسي والاختيارات المجتمعية والخطط الاقتصادية، وغيبت بقية النخب تمامًا، وفرضت تصوراتها فرضًا على تونس وشعبها، وهو ما تحاول بعض النخب فرضه اليوم في تونس ولكنها لا تدرك أن الزمن تغير، وأن الشعب لن يسمح بحدوثه مرة أخرى، وأن ما تم قبل ٥٥ عامًا وخلالها يتعذر تكراره اليوم بعد رحيل الدكتاتورية، واستعداد الشعب للتضحية مجددًا حتى لا تعود . 
ومن أوجه التدافع السائدة التي ستحتدم في تونس في الفترة القادمة طبيعة الدولة التونسية وهويتها وموقع الإسلام الذي يشكل هذه الطبيعة وهذه الهوية، فالإسلام هو الذي يشكل هوية تونس منذ أكثر من ١٣٥٠ عامًا، وما سبقه لم يعد له من وجود سوى بعض الآثار الخاوية، التي لا حياة فيها، وما طرأ على تونس في فترة الاحتلال وما بعدها غبار وشوائب تحتاج إلى تنظيف عميق وفعال.
وتحاول بعض الأطراف جس نبض الشارع التونسي من خلال مظاهرات تدعو إلى الرثاء والشفقة تنادي بعلمانية تونس، وبرفض المادة الأولى من دستور البلاد، التي تشير إلى أن الإسلام دين البلاد والعربية لغتها.. فهذه المظاهرات «مدفوعة الثمن» نوع من الهذيان والعمالة الرخيصة، وتكريس للاحتلال الثقافي والتشريعي في تونس. 
الاحتكام إلى الشعب
لقد دأبت بعض النخب المتغربة في تونس على شطب الشعب من المشاركة في أي خيارات قانونية أو اجتماعية، أو اقتصادية أو سياسية.. وتواصل الآن هذا النهج كما لو أن الشعب قطعان من الأغنام، أو قطع من الصلصال تشكلها كيف تريد، وتختار لها ما تريد.
وفي هذا الإطار، تتنزل محاولات ما يُسمى بـ «النساء الديمقراطيات» في تونس وهي جمعية مأزومة لا تزال مرتبطة بالاحتلال الفرنسي؛ حيث قامت بالحج إلى «باريس» بعد الثورة، والتقت رئيس بلدية فرنسيًا استمع لما يمكن أن تواصل به هذه الجمعية سياسة بلاده القديمة في تونس.. هذه الجمعية لا تفتأ عن التشويش المأجور، ومن ذلك المطالبة بتغيير مجلة الأحوال الشخصية التي تنظم مجال الأسرة، معتبرة إياها – على لسان رئيستها «سناء بن عاشور» ملغية أو بتعبيرها «لم تعد تفي بالحاجة» وأنها «لا تستجيب لتطلعات النساء التونسيات»، واضعة نفسها وجمعيتها متحدثة رسمية باسم نساء تونس بدون موجب حق، وهو انتحال يُفترض أن يعاقب عليه القانون.
وتنطلق هذه الجمعية من أساس أن هناك صراعًا بين الرجل والمرأة في المجتمع، وأن هذا الصراع يستوجب مساواة «في العلاقات الأسرية بين المرأة والرجل، وخاصة فيما يتعلق بتصريف شؤون الأسرة والأبناء، وعدم المساواة بين الجنسين في الإرث.. كما تدعو الجمعية إلى إشراك أبناء الزنى في الإرث سواء كان ذلك عن طريق الخطيئة، أو الاختلاف في الدين.
أمر واقع
حزب «النهضة» الإسلامي، الذي حصل على حق العمل الـقـانـوني في 1 مارس ٢٠١١م، أعرب عن قبوله لمجلة الأحوال الشخصية على علاتها، معتبرًا إياها ضمن الاجتهاد الإسلامي الذي لا ينفي غيره من الاجتهادات.
وقال المفكر الإسلامي الشيخ راشد الغنوشي: إن «موقف الإسلاميين من مجلة الأحوال الشخصية واضح، وهو أنها ضمن الاجتهاد الإسلامي، فقد أعدها ثلة. من علماء الزيتونة أمثال «جعيط» و«النيفر»، وذلك في إطار إصلاحي يهدف إلى تطوير أحوال المرأة والنهوض بها.. لكن ما حدث بعد ذلك هو التغافل عن هذه الميزة، وتغريب المجلة وإبعادها عن أصولها العربية والإسلامية». 
وتابع: «هذا الموقف أعلناه كثيرا ونعيده الآن، موضحين أن مجلة الأحوال الشخصية مستمدة من روح الاجتهاد داخل منظومة انتخابات الفكر الإسلامي الحديث». 
وأكد «الغنوشي» قائلًا: إن «حركة النهضة متمسكة بالفصل الأول من الدستور، ويخطئ من يعتقد أن تغيير هذا الفصل ممكن؛ لأن الشعب التونسي عربي مسلم، وهو أمر واقع ومفروغ منه، وبالتالي لا يمكن لنخبة معزولة أن تتسلط على هذا الشعب وتفرض إرادتها عليه وهو في أوج سيادته بتغيير هذا الفصل».. وشدد على أن «الذين يريدون فصل الدين عن السياسة لا يدركون ما يفعلون، فالدين والسياسة مرتبطان بعضهما بعضًا».
وينص الفصل الأول من الدستور الذي تم تجميده على أن «تونس دولة حرة مستقلة ذات سيادة؛ الإسلام دينها، والعربية لغتها والجمهورية نظامها».
التفاف على الحقائق
وفي خضم هذا التدافع، ليس هناك من حل لإنهاء هذا التراشق سوى بالعودة إلى الشعب، ونقله من كونه موضوعًا للنزاع إلى حكم بين المتنازعين؛ ليحدد موقفه.. وفي الوقت الذي يقبل فيه الإسلاميون بهذا الحل فإن أعداء الشعب - الذين يرفضون تحرره من العبودية ومن الوصاية المقيتة – يحاولون بكل الطرق الالتفاف على هذه الحقائق بحجج تدينهم، من بينها أن الشعب مشبع بالقيم الإسلامية، وبالتالي سيختار الإسلام في أي تصويت حقيقي لمعرفة آرائه وحكمه الناجز! 
لقد نادى الإسلاميون قبل أكثر من عشرين عامًا بعرض مجلة الأحوال الشخصية على الاستفتاء، ولكن الأصوات التي ترتفع اليوم بتغيير بعض بنودها، أو تغييرها بالكامل اعتبرت ذلك مسًا بالمكاسب، فقد كانت هذه المجلة مكسبًا في عرفهم، ثم انقلبوا عليها لأن الإسلاميين قبلوا بها!
رفع الوصاية
إن كان للثورة التونسية من مكاسب حقيقية، فإن رفع الوصاية على الفرد والمجتمع في مقدمة هذه المكاسب، وهي مكاسب تتعرض للعديد من التحديات السياسية والاجتماعية والثقافية، حيث عانت تونس منذ «استقلالها» سنة ١٩٥٦م من الوصاية الخارجية، وفي مقدمتها الوصاية الفرنسية التي رعت عملية بناء دولة علمانية «فرانكفونية» دكتاتورية، تقطع مع المكون العربي الإسلامي في تونس، وهي الصفقة التي وصل بها «بورقيبة» إلى الحكم المطلق في تونس، وورثه «بن علي» بالشروط نفسها.
وهناك مخاوف من انقلاب على المجلس التأسيسي حصل سنة ١٩٥٥م، حيث انقلب «بورقيبة» على الملكية الدستورية، وأقام جمهورية دكتاتورية يتمتع فيها بالحكم المطلق.. ولذلك، فهناك حرص بأن يكون المكون الإسلامي المعبر عن جوهر وروح الشعب التونسي، هو الأساس لإحياء دور الشعب والتمتع باستقلال وطني حقيقي - في إطار المكون العربي الإسلامي من «طنجة» إلى «جاكرتا» - يفخر به جميع التونسيين بدون استثناء.
مصالحة حقيقية
ويشجعنا على ذلك، أن القوى «الفرانكفونية» طوال الحقبة «البورقيبية» وعلى مدى ٥٥ عامًا لم تنجح في تحقيق أهدافها كاملة، وهي سلخ الشعب التونسي من هويته، فقد جربت كل الأفكار الدخيلة التي فشلت في عزل تونس عن محيطها العربي الإسلامي.
ويرجى أن تكون المصالحة التي دعا إليها الرئيس التونسي المؤقت «فؤاد المبزع» بمناسبة ذكرى الاستقلال، مصالحة حقيقية مع الهوية الإسلامية في تونس، وأن تشمل العقوبات كل من أجرم في حق هذه الهوية... فقد دعا «المبزع» إلى مصالحة وطنية تقوم على أساس «محاسبة عادلة وشفافة»، مؤكدًا أن المصالحة تؤمن صلابة البنيان وتماسكه وديمومته وحصانته من الارتداد، كما أنها تُعَدُّ الضامن لانخراط الجميع في خدمة هدف مشترك تجسده مصلحة تونس وشعبها، مهما تنوعت المسالك وتعددت المناهج، أو اشتد التنافس الديمقراطي النزيه».

الرابط المختصر :