العنوان تونس بعد خمس سنوات من حكم بن علي
الكاتب مختار البدري
تاريخ النشر الثلاثاء 17-نوفمبر-1992
مشاهدات 84
نشر في العدد 1025
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 17-نوفمبر-1992
تحتفل الحكومة التونسية
هذه الأيام بالذكرى الخامسة للإطاحة بالرئيس السابق الحبيب بورقيبة من طرف وزيره
للداخلية خلال عشرية الثمانينيات، ورئيس وزرائه خلال شهر له في الحكم زين العابدين بن علي.. وتمر هذه الذكرى وسحابة من الكآبة والحزن تخيم على جزء كبير من الشعب
التونسي منذ ما يزيد عن العامين بسبب آثار الحملة الأمنية التي استهدفت آلافًا من
الإسلاميين وتعطلت معها حركية مؤسسات المجتمع المدني من أحزاب وجمعيات، وصحف،
وجامعات، ونقابات.. حتى أصبحت الاستقالة هي السمة البارزة التي تميز الساحة
الفكرية والسياسية والاجتماعية في تونس.. وفيما يلي محاولة لقراءة مسيرة السابع من
نوفمبر واستشراف آفاقه المستقبلية.
ظل موضوع
الحريات وحقوق الإنسان والديمقراطية هو محور الصراع بين الشعب والنظام الحاكم
تأطير تاريخي
بلغت تونس في آخر مرحلة
حكم الرئيس السابق بورقيبة التي تواصلت اثنتين وثلاثين سنة دون انقطاع طورا خطيرا
من التأزم وحالة من انسداد لم تعرف لها مثيلًا من قبل.. لقد بدأ بورقيبة تجربته في
الحكم بصراع مع بقايا جامع الزيتونة الثقافية والسياسة في محاولة لقطع البلاد عن
جذورها الإسلامية والعربية باعتبارها في تقديره أهم عوامل تخلفها باذلًا في وضعها
على طريق اللحاق بركب الأمم المتقدمة، وقد استغرق ذلك منه النصف الثاني من عشرية
الخمسينيات لكي تطمئن النخبة الحاكمة والمثقفة فيما بعد على أن تونس قطعت صلتها
نهائيًا مع الإسلام ويممت وجهها شطر العواصم الغربية وخاصة باريس تستلهم منها
عاداتها، وأنماط عيشها، وفنونها، وثقافتها.. لكن الحلم لم يدم طويلًا، إذ لم ينقض
عقد الستينيات والسبعينيات حتى استعاد الإسلام فعاليته وظهر في الساحة مجددًا في
شكل حزب سياسي تقدم بطلب الاعتماد القانوني تحت لافتة «حركة الاتجاه الإسلامي» يوم
6/6/1981 كان ذلك سببا في صدام أول بين هذا التيار المجدد والدولة أدى إلى سجن بضع
مئات من قياداته وتواصلت المشكلة ثلاث سنوات لكي تبدأ بعدها مرحلة جديدة من
التعايش على غير أسس متينة مما عجل بتوتر العلاقة من جديد.. استشاط رائد العلمانية
في تونس غضبًا فصرح في مؤتمر للحزب الذي يترأسه أنه سيعيش عشر سنوات أخرى يسخرها
لمقاومة واستئصال الإسلاميين.. هكذا وبدأ فعلًا تنفيذ مشروعه الاستئصالي فاستنفر
كل أجهزة الدولة للقيام عليه، وأوكل لجهاز الأمن- الذي كان يرأسه بن علي- نصيب
الأسد في الخطة.. واشتدت المواجهة بين المقاومة المدنية والأجهزة الأمنية ولما
أوشكت البلاد على الانهيار فكرت أكثر من مجموعة عسكرية في تدارك الموقف، وكان بن
علي أسبقهم إلى ذلك.. فأعلن يوم ٧ نوفمبر ۱۹۸۷ عن الإطاحة ببورقيبة
ونصب نفسه بديلًا عنه.
مشروع السابع من نوفمبر
لم تكن دوافع الإطاحة
بالرئيس السابق اقتصادية، ولا كانت نتيجة أزمة اجتماعية حادة، بل كانت أساسًا
إفرازًا لأزمة سياسية تمثلت في سيادة منطق الإقصاء في تعامل الدولة مع أهم مكونات
المجتمع.. وفي اعتمادها على الأسلوب الأمني العنيف في معالجة قضايا الفكر والسياسة..
كان النظام السياسي المعتمد من طرف الدولة بصفة رسمية تعدديًا، وكان وإلى جانب
الحزب الحاكم ثلاثة أحزاب معارضة.. لكن بورقيبة وحزب الدستور لم يكونا يقبلان
المنافسة الجادة من أي طرف، ولم يعترف بثلاثة أحزاب معارضة إلا بعد الاطمئنان على
أنها لا يمكن أن تنازعه سيطرته على الحكم.. أما حركة الاتجاه الإسلامي فتيار شبابي
متنام لا يبعد رغم حداثة ظهوره على الساحة أن يتألق لو أتيحت له فرصة النشاط
بحرية.. هكذا نظر إليه الحزب والدولة وما يزيد الأمر تعقيدا التناقض بين خلفيته
الفكرية ومشروعه الحضاري وبين علمانية الحزب الحاكم والدولة، فكانت النتيجة هي
الإقصاء وغلق الأبواب.. ومن قبل كانت نفس العوامل تقريبًا سببًا في الصراع مع
الحزب الدستوري الحر بقيادة الشيخ عبدالعزيز الثعالبي، وفي القضاء على الجامعة
الزيتونية ومطاردة مشايخها وطلبتها، وفي الصدام مع صالح بن يوسف، ومع الاتحاد
العام التونسي للشغل، ومع اليسار والقوميين.. كلما برز منافس في الساحة إلا وقمع
قبل أن يشتد عوده.. وعمومًا ظل موضوع الحريات وحقوق الإنسان والديمقراطية محور
الصراع السياسي خلال عشرية الثمانينيات، وظلت الحياة السياسية محكومة بثنائية
الاتجاه الإسلامي/ حزب الدستور الدولة وبلغ الصراع أشده خلال سنة ۱۹۸۷، فجاء خطاب «العهد
الجديد» واعدًا بمعالجة الأزمة التي تعيشها البلاد ليس فقط في ظاهرها السياسي، بل
وأيضًا في عمقها الثقافي، ومن أهم الوعود التي قطعها على نفسه أو الشعارات التي
رفعها.
- لا ظلم بعد اليوم..
- إن الحريات والديمقراطية والتعددية
السياسية التي لا تستثني طرفًا واحترام حقوق الإنسان هي أساس النظام السياسي
الجديد.
- إن حرية الصحافة والتعبير مكفولة.
- وإن استقلال القضاء خيار الدولة.
- ولن يبقى وراء القضبان سجين رأي وبقدر
إدانته لسياسة الدولة الثقافية السابقة أعلن عن ضرورة مصالحة البلاد
مع هويتها العربية والإسلامية.
جاء الخطاب السياسي
معبرًا إلى حد كبير عن مطالب الشعب التونسي في العدالة، والحرية والديمقراطية
والهوية.. ونجح صائغوه في ملامسة مشكلات البلاد الحقيقية فحاز مساندة أغلب
قوى المجتمع بما في ذلك التيار الإسلامي الذي كان لا يزال مناضلوه وقياداته داخل
السجون.
وكانت الخطوات الأولى
في تجربة بن علي في الحكم منسجمة إلى حد ما مع مضمون الخطاب السياسي.. فأطلق سراح
كل المعتقلين السياسيين تقريبًا، وأعلن عن عفو تشريعي عام واعترف باتحادين طلابيين
أحدهما مدعوم من الإسلاميين وخطا خطوات متواضعة جدًا على طريق إعادة الاعتبار
للهوية العربية الإسلامية للبلاد/ من مثل رفع الأذان في الإذاعة والتلفزيون-
اعتماد التقويم الهجري إلى جانب التقويم الميلادي في المجلة الرسمية للدولة-
اعتماد الرؤية في تحديد بدايات الأشهر القمرية.. اختلف المراقبون في تفسيرها بين
قائل بأنها خطوة على طريق المصالحة الطويل وبين مستريب اعتبرها نوعا من التلهية أو
التسكين ربحًا للوقت الكافي لتركيز أركان الحكم الجديد الذي لا يستطيع أن يعلن عن
حقيقته منذ البداية، وإذا كان السبب الرئيسي الذي أدى إلى سقوط بورقيبة هو صراعه
مع الإسلاميين فإذا بن علي يتعامل مع هذا الملف منذ البداية بحذر شديد.. فبعد
إطلاق سراح المساجين لم يخط في هذا الملف خطوة ذات بال إلى الأمام.. لم يُرجع آلاف
المطرودين منهم إلى سالف وظائفهم التي فصلوا منها، ظل العفو التشريعي العام مكسبًا
يمتن به الخطاب السياسي دون أن تكون له آثار على المنتفعين به الذين لم يسترجعوا
حقوقهم السياسية ولا المدنية ولا الاجتماعية، ووصل الأمر إلى درجة تقنين منع
الاعتراف بالأحزاب على أساس ديني وتقنين هيمنة الدولة على المساجد وإقرار قانون
منع الحجاب...إلخ.
في هذه الأثناء لم تكن
خيوط الاتصال مقطوعة بين الإسلاميين والرئيس بن علي، فجرت بين الطرفين حوارات
متقطعة وبطريقة غير مباشرة وصلت حد التقاء الرئيس والشيخ الغنوشي- زعيم
التيار الإسلامي- في قصر قرطاج لقاء بروتوكوليا دام مدة لم تتعد عشرين دقيقة.. ومن
خلال جولات الحوار تلك تمحورت مطالب الإسلاميين التي حظيت بالقبول والوعد بالحل
حول تسوية آثار اعتقالات ۱۹۸۷ الاجتماعية بإرجاع كل المطرودين إلى
أعمالهم وتمكينهم من استرجاع حقوق المواطنة كاملة.
- تمكين الحركة من منبر إسلامي تعبر من خلاله
عن آرائها ومواقفها.
- أن يتوج ذلك بالاعتراف بالحركة
والسماح لها بالنشاط العلني والقانوني.
أما المحاورون من جهة
الدولة فكانت ردودهم وشروطهم تتلخص في:
- أن بن علي مستعد لتلبية تلك المطالب بشرط
انضباط الحركة للقانون ومنه قانون الأحزاب الذي يمنع الاعتراف بالأحزاب
على أساس ديني أو قومي.
- أن تتحلى الحركة بالصبر وعدم التسرع مراعاة
للظروف التي تمر بها البلاد والتي لا تسمح- بزعمهم- بالاعتراف فورًا
بحزب الغنوشي.
- أكد جميع الوسطاء وفي مقدمتهم
الدكتور منصر الروبي وزير الشؤون الاجتماعية وقتها على أن الرئيس لا
يقبل الضغط، وأن ما على الحركة إلا أن تقدم مطالبها وأن تثق في
أن الرئيس، والرئيس وحده، هو الذي يقدر الموقف الصحيح في الوقت المناسب.. وأن
أي نوع من الضغط يكون نتائجه لديه عكسية لأن الدولة في نظره أعلى من أن يفاوضها أو
يضغط عليها أحد.
لم يكن ذلك الموقف
مقبولًا لدى قواعد الإسلاميين وهو ما سبب للقيادة صعوبات كبيرة في
الاقتناع بالأسلوب الهادئ، الذي توخته في التعامل مع النظام الجديد، وبخطابها
المتفهم للدولة والقابل بالتدرج في معالجة الملفات والمثنى على
بيان ۷
نوفمبر وما تضمنه من توجه تصالحي ديمقراطي والداعم للرئيس بن علي، وفي هذا الإطار
وتذليلًا للصعوبات التي تحول دون تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة قبلت حركة
الاتجاه الإسلامي التنازل عن اسمها استبعادا للصفة الإسلامية البارزة فيه، نزولًا
عند مقتضى قانون الأحزاب، فاستبدلته بحركة النهضة، كما قبلت المشاركة في مؤسسة
الميثاق الوطني والإمضاء عليه رغم ما لديها من اعتراضات على مضمونه.
وبخلاصة كانت خطوات بن
علي خلال سنة حكمة الأولى مقتصرة على تحقيق الوعود التي قطعها على نفسه..
وبالمقابل كانت سياسة حركة النهضة- رغم الرفض الظاهر- لدى قواعدها وعدم الرضا لدى
قيادتها متفهمة.
انتخابات ۱۹۸۹ والمنعرج الخطير
بعد سنة من الانقلاب
اتجهت السلطة الجديدة إلى تجديد شرعية المؤسسات حتى تضفي على التغيير صفة شعبية
زيادة على المبررات التي قدمها بن علي لانقلاب يوم ٧ نوفمبر ۱۹۸۷ فأعلنت عن اعتزامها
تنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية سابقة لأوانها.. وتبارت المعارضات القانونية على
الترشح للتنافس على مقاعد البرلمان.. إلا أن عوائق قانونية وسياسية حالت دون
مشاركة حركة النهضة في تلك الانتخابات لأن وزارة الداخلية لم تمكنها من الاعتماد
القانوني.. ومن أجل الوصول إلى حل في هذه القضية نشطت الاتصالات السياسية بين
الطرفين فانتهت إلى إصرار السلطة على جملة من المسائل أهمها:
- عدم الاستعداد للاعتراف بالنهضة
على الأقل قبل الانتخابات وأن هذا الموضوع مازال مؤجلًا حتى يقرر فيه
الرئيس بما يراه صالحًا.
- إن النهضة بإمكانها أن تشارك
بطريقة غير مباشرة في الانتخابات شريطة ألا تعمل على الإخلال بالموازنة
السياسية القائمة في البلاد.. وأن يكون ذلك بأحد أسلوبين: إما بالترشح
على قائمة وفاق وطني بين جميع الأحزاب الموقعة على الميثاق الوطني (أي كل
الأحزاب)، أو أن تدعم بعض القوائم المستقلة.
كل ذلك مع مراعاة الشرط
الأساسي طبعًا احترام التوازن القائم- استمرار هيمنة «التجمع الدستوري
الديمقراطي» على مؤسسات الدولة والمجتمع مع السماح بفتح نافذة (متنفس) صغيرة
لإشراك بقية العائلات السياسية بما يعطي لشعار الديمقراطية والتعددية
والمصالحة الوطنية نوعا من المصداقية.
لا شك أن الخيار أمام
حركة النهضة كان صعبًا للغاية.. وأن التوتر داخلها كان يتصاعد.. كان مناضلوها
يعتبرون أنفسهم أصحاب الفضل في الإطاحة ببورقيبة وأن بن علي إنما سرق منهم الجهد..
وأنه لولا مراعاتهم للمصلحة العليا للوطن والحرص على تجنب العنف وإراقة الدماء لما
استتب الأمر للنظام الجديد.. كانوا ينتظرون أن يكونوا على الأقل شركاء في المغنم، فإذا
بهم يجدون أنفسهم أبعد الأطراف عن الاستفادة من التغيير في مختلف المجالات
السياسية والثقافية والاجتماعية، وكان ذلك يشكل ضغطًا قويا على القيادة السياسية
للنهضة، ولكن يبدو أنها غلبت التفهم والرضا بالقليل والإصرار على المطالبة
باسترجاع الحقوق بالتدريج.. فقبلت الترشح على قائمة موحدة تجمع الأطراف الموقعة
على الميثاق الوطني واكتفت بالنسبة التي تعطى لها ضمن قائمة الوفاق، ولكن الخيار
فشل بانسحاب السيد أحمد المسيري رئيس حركة الديمقراطيين الاشتراكيين الذي رفض صيغ
الوفاق وطالب بانتخابات نظيفة حرة يأخذ كل حزب فيها حظه بحسب وزنه الشعبي.. أدى
ذلك إلى رفض الحزب الحاكم نفسه الوفاق مع بقية الأحزاب، ذلك أن حركة الديمقراطيين
الاشتراكيين كان ينظر لها على أنها زعيمة المعارضة القانونية بالنظر إلى
نتائج انتخابات سابقة حصلت في ۱۹۸۱
وحازت فيها
نسبة محترمة، ولكن السلطة زيفتها.
لم يبق أمام بقية
المعارضات إلا أن تترشح كل على قائمة مستقلة، وأمام حركة النهضة إلا أن تدعم قوائم
مستقلة إذا اختارت المشاركة، ولكن بأي حجم غير مسموح طبعا بتغيير المعادلة
السياسية القائمة بالانتخابات.. اتسم أداء النهضة السياسي ما قبل
الانتخابات بالتريث وتفهم تردد الدولة في التعاطي مع مطالبها- كما أشرنا- لكن
موقفها في الانتخابات وبعدها اضطرب في تقديري.
- قررت في البداية ألا تدعم أكثر من خمس أو
ست قوائم وأن ترضى بنجاح حد أدنى من أنصارها في الانتخابات البرلمانية.. وألا
تنافس بن علي في الترشح للرئاسة بل أن تدعمه حتى يفي بما وعد.. كان ذلك هو أقصى ما
يمكن أن تتحمله تجربة ديمقراطية هشة لا تنبني على خيارات مبدئية تخصها، ولا تراث
تعددي ولا تيار شعبي يحميها.
- لم تكن القوائم المستقلة التي ترشحت قد
انطلقت جميعها من قرار النهضة فقد رشحت مجموعات مستقلة تمامًا في كل الدوائر
الانتخابية تقريبًا.. وهنا انزلقت قيادة النهضة بأن نزلت عند ضغوط قواعدها
المطالبة بحقها في أداء واجبها الانتخابي بكل ديمقراطية بعيدًا عن الصيغ الوفاقية
بين النخب السياسية على اعتبار أن الشعب هو سيد الموقف في مثل هذه المناسبات.
- أخطأت القيادة أيضًا عندما لم تحسن تقدير
وزن الحركة الشعبي ووزن خصومها.. إذ لم تتصور أن القوائم المستقلة ستحظى بذلك
الحجم من الالتفاف الشعبي.. أقصى ما توقعت أن تحصل عليه هو 30% في كل الدوائر كما
لم تكن تنتظر أن الحزب الحاكم رغم تجربته الطويلة في الحكم وسيطرته على وسائل
الدعاية وكل مؤسسات الدولة سيكون على تلك الدرجة من الضعف والانحسار، وكانت
الانتخابات المناسبة التي عرت حقيقة الصراع وطبيعة الاستقطاب الثقافي والسياسي في
المجتمع.. فتبين منذ الحملة الانتخابية أن هناك طرفين متقابلين في الساحة السياسية
التونسية النهضة ممثلة لتيار الهوية ومدعومة بأوسع القطاعات الشعبية والشبابية
والحزب الحاكم ممثلًا لتيار التغريب والعلمانية مستندًا في بقائه إلى جهاز
الدولة الذي يحتكره.. وأصبح جليا أن الاستقرار أو الاضطراب، ونجاح التجربة
الديمقراطية أو فشلها مرهون بنوعية العلاقة التي ستحكم هذين الطرفين.. ثم جاءت
نتائج الانتخابات لتدعم نفس الاستنتاج.. أعلنت السلطة أن الحزب الحاكم تحصل على
80% وأن
القوائم المستقلة المدعومة من النهضة تحصلت على 18%، وأما أحزاب المعارضة
القانونية الستة فتقاسمت فيما بينها 2% (والأرقام تقريبية بدون فواصل)، لكن كل
الأحزاب صرحت بأن الانتخابات تعرضت لضروب من التزييف كثيرة بدأت بالتلاعب بتسجيل
الناخبين ثم بالضغط على المرشحين ورفض عدد كبير منهم وصولًا إلى تزييف خطير لنتائج
الانتخابات.. وكان أعنف بیان احتجاجي أصدره الأستاذ راشد الغنوشي حمل فيه مسؤولية
التزييف للحزب الحاكم ووزارة الداخلية، ثم غادر البلاد إثر ذلك ولم يعد إليها إلى
اليوم.. أما المشكلة الثانية التي رفضتها المعارضة في تلك الانتخابات فتمثلت في
القانون الانتخابي ذاته، ومن أوجه الاحتجاج عليه أن 20% من أصوات الناخبين التي
حصلت عليها المعارضة حسب النتائج الرسمية لم يكن لها أي تمثيل في البرلمان الذي لم
يشذ عن سابقيه، فجاء كعادته بلون واحد مما اعتبرته المعارضة شاهدًا لا يرد على
تزييف إرادة الشعب ومنذ ذلك التاريخ بدأ العد التنازلي في علاقة السلطة بالمعارضة
وخاصة حركة النهضة ورغم تواصل بعض حلقات الحوار بعد ذلك، ورغم السماح للنهضة
بإصدار جريدة الفجر.
إلا أن العلاقة بين
الطرفين ظلت متوترة وبشكل متصاعد.. فأوقفت «الفجر» أكثر من مرة، واعتقل العديد من
الإسلاميين أو المتعاطفين معهم.. وتم التضييق على المساجد.. وقرب الشيوعيين من
مؤسسات الدولة وعينوا وزراء ومسؤولين على قطاعات حساسة في الدولة والمجتمع
كالتعليم والإعلام والثقافة والشؤون الاجتماعية واتخذت منهم الرئاسة المستشارين،
وعين منهم الحزب الحاكم لجان الدراسات والتفكير، وتوج هذا المسار خلال شهر
مايو ۱۹۹۰ بافتضاح
خطة عنيفة صاغها الحزب الحاكم لمواجهة التيار الإسلامي(1).
ولم تلبث تلك الخطة أن
تحولت إلى برنامج عمل يومي للحزب والدولة فشنت من جديد حملة شاملة لاستئصال حركة
النهضة قضت علي الحريات والديمقراطية في المجتمع كله.. وأذكر مثلًا أن الأساتذة
الجامعيين غضبوا واحتجوا على الأسلوب الوحشي الذي عاملت به الشرطة طلبة العلم خاصة
بعد مجزرة ٨ مايو ۱۹۹۱
التي ارتكبتها أجهزة الأمن في المركب الجامعي بتونس العاصمة وذهب ضحيتها عديد من
الطلبة بين قتلى وجرحى، فاجتمع بهم وزيرا التعليم والداخلية وخاطبهم الثاني
بما معناه أن الدولة في حالة حرب شاملة مع التيار الأصولي وأن للحرب
أحكامها الخاصة وما على الجميع إلا القبول بذلك والتعاون على إنجازه!
ولم تنته الحملة عند
انتهاك حقوق الإنسان بأصنافها المختلفة وقد تحدثت عنها بإطناب تقارير المنظمات
الإنسانية المحلية والأجنبية، ولا بتعليق الديمقراطية والمطالب الاجتماعية بدعوى
التفرغ لتصفية «الظلاميين»، وإنما تعدتها إلى إعلان حرب على الإسلام كدين وكهوية،
على اعتبار أن التطرف لا يكمن في التنظيمات الإسلامية فحسب، بل في الفكر
الإسلامي ذاته(2).
وهنا أيضًا أعتبر أن
النهضة أخطأت مع نفسها ومع المجتمع إذ حاولت- الطوفان سيغمر الحرث والنسل- أن
تستنهض الهمم لمقاومته في إطار خطة بعنوان «فرض الحريات للجميع من خلال
المواجهة المدنية»(3).
أخطأت مع نفسها لأنه لا
يكفي في تقديري أن تشخص الداء تشخيصًا صحيحًا (إن مشكلة تونس تتمثل في استبداد
الدولة)، أو أن ترسم أسلوبا نظريًا صحيحًا في معالجته وإنما وأساسًا أن تكون قادرة
فعلًا على تجسيد ذلك العلاج وعلى درء الفساد وإلا وقعت في أسره وهو ما حصل
للأسف.
وأخطأت في حق المجتمع
لأنها جانبت الصواب في تقدير استعداد مؤسساته المدنية لأن تكون موازنًا فعليا
لهيمنة الدولة المركزية.. لا أشك في أن الدولة كانت على خطأ كبير، ولكن أسلوب
التصدي لمظالمها لم يكن مأمون العواقب.. كان يحتمل النجاح والفشل.. ولما فشل غذى لدى
الدولة المغرورة بنجاح منهاجها الأمني اعتزازها بالإثم وإصرارها على الظلم..
لقد كان أرفق بالنهضة وبتونس أن تصبر أكثر حتى تستجمع مزيدًا من شروط فرض
الحريات للجميع.
ماذا بقي من 7 نوفمبر؟
خلال خمس سنوات من
الحكم بدأت بخطاب سياسي وثقافي واعد بالحرية والديمقراطية والمصالحة الوطنية
وإعادة الاعتبار للهوية العربية الإسلامية ليمكن أن نرصد الحصيلة التالية:
في موضوع الديمقراطية
- لم تحقق الدولة في هذا الملف غير إضافة
الاعتراف بحزبين سياسيين برئاسة السيدين عبدالرحمن التليلي ومنير الباجي لتزيين
الواجهة لا غير وتبرير إقصاء أحزاب حقيقية وجادة.. كان السيد عبدالرحمن التليلي
مثلًا عضوا في اللجنة المركزية للحزب فأقيل من الحزب لكي يتقدم في نفس الأسبوع
لمطلب للاعتراف بحزب ادعى القومية لسحب البساط من الأحزاب القومية المحظورة
بالقانون وكلا الحزبين لم يحصل في انتخابات ۱۹۸۷ حتى على 1% من أصوات
الناخبين.. في حين أن المعارضات الحقيقية همشت وقمعت أنها ديمقراطية الواجهات
المزيفة.. إن السلطة في تونس تختار معارضيها فتزكي هذا وتمنع.
مازال برلمان الحزب
الواحد شاهدًا على انعدام الديمقراطية في تونس.
في موضوع الحريات
- تمت مصادرة أكثر من ١٢ صحيفة مثل الرأي-
المغرب- الفجر.
- زج بقرابة ۳۰۰۰۰ مواطن داخل السجون
بسبب آرائهم وانتماءاتهم السياسية.
- قضاء تابع للسلطة التنفيذية.
- حل الاتحاد العام التونسي للطلبة وإخضاع
الجامعات للرقابة الأمنية الدائمة «عسكرة الجامعة».
- حل الرابطة التونسية للدفاع عن
حقوق الإنسان.
- حظر نشاط أحزاب سياسية،
وإسلامية، وقومية، ويسارية.
- في موضوع حقوق الإنسان نكتفي هنا بإيراد
مقتطفين من تقارير منظمة العفو الدولية في هذا الموضوع:
«إن التعذيب أصبح عملاً روتينيًا يمارس في
مراكز الشرطة والحرس الوطني ومقر وزارة الداخلية ويلقى التشجيع عليه من أعلى هرم
السلطة السياسية.. وأحصت نفس المنظمة ما لا يقل عن 8 حالات وفاة يشتبه في أن تكون
تحت العذيب وقد أقرتها لجنة شكلتها السلطة للتحقيق لنفس الغرض برئاسة السيد رشيد
إدريس.. في حين تشير معلومات من جهات أخرى أن عدد القتلى في مصالح الداخلية تحت
التعذيب يتجاوز الستين.
نفت نفس المنظمة
ومنظمات كثيرة أخرى أي شرعية على محاكمات حركة النهضة لاسيما تلك التي جرت أمام
محاكم عسكرية خلال شهري يوليو وأغسطس الماضيين، وطالبت إما بإعادتها على أسس عادلة
أو بإطلاق سراح المعتقلين وحفظ القضية وفتح ملف التحقيق في شكاوى التعذيب
وحالات الوفاة التي تسبب فيها(4).
في موضوع المصالحة الوطنية
أمل التونسيون في أن
يروا فعالياتهم الوطنية متعاونة متكاملة في خدمة الوطن.. لكن الذي حصل هو إقصاء كل
الشخصيات والهيئات الوطنية التي يمكن أن تمثل منافسًا للحزب الحاكم أو لرئيسه.
فمن الشخصيات الوطنية
نذكر مثلًا:
السادة: الحبيب عاشور
الرئيس السابق للاتحاد العام التونسي للشغل، محمد مزالي الوزير الأول الأسبق،
أحمد بن صالح رئيس حركة الوحدة الشعبية، أحمد المسيري رئيس حركة الديمقراطيين
الاشتراكيين، الأستاذ عبدالفتاح مورو، والأستاذ راشد الغنوشي الأمين العام
ورئيس حركة النهضة، ولم ينج من ذلك حتى صائغ بيان السابع من نوفمبر نفسه وأول
رئيس حكومة في عهد بن علي السيد الهادي البكوش ولا عضد بن علي الأيمن في انقلابه
سنة ۱۹۸۷
وأول وزير داخلية في حكومته السيد الحبيب عمار...إلخ.
ومن الهيئات نعدد:
الاتحاد العام التونسي
للطلبة.
الاتحاد العام التونسي
للشغل.
الرابطة التونسية
للدفاع عن حقوق الإنسان حركة النهضة.
حركة الوحدة الشعبية- اشتراكية.
حزب العمال الشيوعي
التونسي
حركة التجمع القومي
العربي.
حزب البعث العربي.. إلخ
في موضوع الهوية
بدلًا من إعادة
الاعتبار للهوية العربية الإسلامية كما وعد خطاب التغيير استقرت سياسة الدولة على
النقيض من ذلك تمامًا على تجفيف منابع التدين في المجتمع، على أساس أن أنجح أسلوب
في مقاومة الصحوة الإسلامية يكمن في مقاومة الفكر الذي أفرزها- أي الإسلام ذاته.
وننتهي من هذا العرض
إلى أن 7 نوفمبر قد مات سياسيا وانتهى ثقافيًا ولم يبق منه غير جهاز الأمن والدولة
الذي مازال يمسك البناء القائم.. لقد ارتدت تونس إلى عهد أكثر ظلاما مما خلفها
عليه بورقيبة.. فهل من سبيل لإنقاذها؟
__________
هوامش:
1- خطة التجمع الدستوري الديمقراطي بخصوص
التصدي للتيار الظلامي المتطرف نشرتها مجلة الأسبوع العربي في أحد
أعدادها سنة ۱۹۹۱
وفلسطين المسلمة في عدد شهر أغسطس ۱۹۹۲ وقضايا دولية عدد ١٣٤
السنة الثالثة 2-27/8/1992.
2- راجع مقال تجفيف الينابيع للسيد عبدالله عمامي الملحق
الإعلامي بالسفارة التونسية بالقاهرة الصادر بجريدة الأهرام يوم 11/4/1992.
3- راجع التغطية الصحفية لمحاكمة قيادة النهضة وخاصة
تصريحات الموقوفين وإجاباتهم عن الأسئلة الموجهة إليهم خال شهري
يوليو وأغسطس ۱۹۹۲.
4- تقرير منظمة العفو الدولية لشهر مارس 1992.