العنوان تونس: الصراع بين الأصالة والتغريب
الكاتب يحيى أبو زكريا
تاريخ النشر السبت 07-يوليو-2001
مشاهدات 82
نشر في العدد 1458
نشر في الصفحة 44
السبت 07-يوليو-2001
لجأ النظام الحاكم في تونس بقيادة الحبيب بورقيبة بعد الاستقلال إلى تطبيق الأنماط الغربية في تسيير شؤون الدولة والمجتمع، وكان بورقيبة يتفاخر بتطبيق العلمانية الغربية.
فبورقيبة الذي كان مشبعًا بالثقافة الفرنسية وأحد أبرز المعجبين بالطرح العلماني حاول بناء دولة تونسية علمانية على غرار ما فعله مصطفى كمال في تركيا، فلجأ في بداية حكمه إلى تجميد دور جامع الزيتونة الذي لعب أكبر الأدوار في تاريخ تونس المعاصر واحتضن رواد حركات التحرير من كل دول المغرب العربي.
ولم يقم بورقيبة بأي خطوة في سبيل استرجاع الاستقلال الثقافي بل ظلت تونس خاضعة ثقافيًّا للغرب، والأكثر من ذلك أنه أقصى كل المحسوبين على التيار الوطني والعروبي ووضع الكثير منهم في المعتقلات (1).
وكان الحبيب بورقيبة يوصف بأنه الصديق الحميم لفرنسا، ووطد علاقات تونس بالمحور الغربي وهو ما جلب له السخط من قبل بعض جيرانه ومن قبل العديد من الدول العربية.
ولم يكتف بتكريس العلمانية بشكلها الغربي والمتوحش بل ألغى كل قوانين الأحوال الشخصية المستمدة من الشريعة الإسلامية، كقانون تعدد الزوجات والإرث والطلاق وحتى فريضة الصوم أراد إلغاءها بحجة أن الصوم يضعف الإنتاج.
وفي عهده ازدهر دور الجالية اليهودية في تونس وخصوصًا بعد أن أصبح بعض اليهود التونسيين وزراء في أول حكومة تونسية ومنهم البير بسيسي، وتجدر الإشارة إلى أن أندري باروش مؤسس الحزب الشيوعي التونسي هو من اليهود التونسيين.
هذا الاتجاه السياسي ساهم إلى أبعد الحدود في انبلاج التيار الإسلامي الذي حمل على عاتقه لواء المحافظة على الهوية المصادرة والقيم الضائعة، وقاوم بكل ما أوتي من إمكانات ذلك الغزو الفكري والمسخ الثقافي لتونس.
في سنة 1970م وفي جامع سيدي يوسف بالعاصمة التونسية التقى راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو لتقديم مفاهيم عن البديل الإسلامي في مواجهة البديل التغريبي (2).
ويذهب بعض الباحثين ومنهم الدكتور إبراهيم حيدر على إلى القول إن التغريب في تونس ليس وليد البورقيبية، بل إن احتكاك تونس بالحضارة الغربية تم في مرحلة متقدمة من العهد البورقيبي وتعتبر تونس ومصر من أقدم الدول العربية في احتكاكها بالحضارة الغربية ومحاولة تبني عناصرها العملية والمفيدة فيما يخص المؤسسات والوسائل المادية (3).
والصراع بين القديم والجديد، وبين الأصالة والمعاصرة وبين الأسلمة والتغريب ظاهرة لا تقتصر على تونس وحدها بل هي ظاهرة عمّت البلاد العربية والإسلامية نظرًا للغزو الاستعماري الغربي لهذه البلدان.
وكانت الجيوش الاستعمارية تحمل معها قبل الذخائر الحربية المشروع الثقافي والفكري والأيديولوجي الذي كانت تعده سلفًا وزارات الخارجية والاستعمارية الغربية في ضوء ما لديها من معلومات عن الخصوصيات العربية والإسلامية التي استطاعت أن تحيط بها من خلال حركة الجواسيس والبعثات الاستكشافية الغربية المكثفة إلى بلادنا.
وكان إستراتيجيو الحركات الاستعمارية يعتقدون أنه عندما يسود الفكر الذي يحملونه معهم إلى البلاد المحتلة فإن هذا من شأنه أن يسهل عملية الغزو ويجعل الناس ترضخ للإرادة الاستعمارية.
في المغرب العربي كانت السلطات الاستعمارية الفرنسية تقوم بتشييد المعاهد التعليمية لا حبًّا في تثقيف الناس والقضاء على الأمية، بل لتكوين النخب المثقفة التي تؤمن بفكر المستعمر.
وفي تونس على وجه التحديد كان هناك تنافس كبير بين المدرسة الصادقية التي أنشئت عام 1875 وجامع الزيتونة، وهو صراع بين رمز المشروع التحديثي كما جسدته المدرسة الصادقية والتي كانت تنتج كوادر الدولة المتخصصة لإدارة الدولة والمجتمع في مواجهة جامع الزيتونة الذي يحاول الإبقاء على الأمر الواقع أو العودة إلى الماضي الذهبي (4).
وهذا الصراع انعكس سلبًا على الحركة الوطنية التونسية التي انقسمت على نفسها بين شخصيات تؤمن بالثقافة العربية والإسلامية وجدواها في الحياة السياسية وتسيير شؤون الدولة وحملة الثقافة الفرنسية الذين أبدوا انبهارهم بالمشروع الثقافي الغربي ومع هؤلاء تفاوضت الحكومة الفرنسية عندما أرادت أن ترفع يدها عن تونس لتتفرغ للثورة الجزائرية.
وبعد استقلال تونس ووصول بورقيبة إلى الحكم أو بالأحرى تسهيل وصوله إلى الحكم من قبل الفرنسيين انتقلت المعركة إلى أرض الواقع وذلك عندما شرع بورقيبة ومعه بطانته ذات الميول الفرانكفونية في تنفيذ المشروع التغريبي في بناء الدولة الوطنية الحديثة؛ «ولذلك أصدرت السلطة الجديدة سلسلة من القوانين والإجراءات الجديدة مثل إلغاء دور المجالس والمحاكم الشرعية، وإعلان مجلة الأحوال الشخصية التي أثارت جدلًا بسبب تناقض بعض بنودها مع أحكام الشريعة الإسلامية وإلغاء مؤسسة الأوقاف وحل الحبوس وألحقت معاهد الزيتونة بوزارة التربية وأصبحت الجامعة التونسية البديل القومي للجامعة الزيتونية للتعليم العالي» (5).
وعلى الرغم من أن النخبة الحاكمة في تونس كانت متحمسة لمشروع التغريب والتحديث ونفذته بالحرف، وفرضت هذا المشروع على المجتمع التونسي فرضًا إلا أن هذا المشروع أخفق ولم يؤت ثماره المرجوة، وسرعان ما تعرض حكم الحبيب بورقيبة إلى هزات وأصابه الفشل الذريع في ميادين الاقتصاد والمجالات السياسية والثقافية.
وقد ساهمت هزيمة يونيو 1967 في بداية بروز المعارضة التونسية التي كانت تحمل مشروعًا مغايرًا لمشروع الحبيب بورقيبة التغريبي، فكانت الحركة الإسلامية التونسية هي المشروع المغاير لمشروع بورقيبة كما قال المنصف ونّاس -في بحثه عن الدين والدولة في تونس بين 1956 و1987- تحمل فكرًا مغايرًا. وقبل الحركة الإسلامية كانت هناك الحركة اليوسفية التي كانت تعارض نظام الحبيب بورقيبة، وبرزت إلى الوجود قبل الاستقلال بقليل عندما عارض صالح بن يوسف التنازلات الخطيرة التي قدمها بورقيبة للسلطات الفرنسية. غير أن نظام بورقيبة تمكن من القضاء بقوة على اليوسفيين. وخطأ بورقيبة كما يقول خصومه السياسيون أنه أراد أن يفرض علمانية متوحشة على مجتمع مسلم متمسك بالعادات والتقاليد ولم يتحرر من معتقداته بتاتًا.
ولذلك جاءت حداثة بورقيبة منقوصة وعلمانية فوقية وتنمية تابعة وغير عادلة فدخلت تونس في مأزق الاقتصاد ومأزق التغريب.
وفي هذه الظروف بدأت حركة النهضة التونسية طرح مشروعها. وإذا كان نظام بورقيبة قد مثل ذروة التيار العلماني فإن حركة النهضة كانت تمثل التيار الإسلامي البديل الذي ساهمت عوامل تاريخية وفكرية وسياسية في بروزه.
وإذا كان الحبيب بورقيبة قد رحل فإن خطه السياسي ما زال قائمًا حتى في مرحلة العهد الجديد التي قادها ويقودها الجنرال زين العابدين بن علي.
الهوامش:
(1) راجع كتاب يحدث في تونس للصحفي قصي صالح الدرويش.
(2) انظر كتاب الإسلام الاحتجاجي في تونس لمحمد عبد الباقي الهرماسي.
(3) انظر كتاب التيارات الإسلامية وقضية الديموقراطية لإبراهيم حيدر علي.
(4) الدولة والمسألة الثقافية في تونس للمنصف ونّاس.
(5) انظر الدولة والمسألة الثقافية للمنصف ونّاس والإسلام الاحتجاجي في تونس لمحمد عبد الباقي الهرماسي.