; تونس: الشعب يريد.. الثروة بعد الثورة | مجلة المجتمع

العنوان تونس: الشعب يريد.. الثروة بعد الثورة

الكاتب عبد الباقي خليفة

تاريخ النشر الأربعاء 01-يوليو-2015

مشاهدات 90

نشر في العدد 2085

نشر في الصفحة 40

الأربعاء 01-يوليو-2015

"وينو البترول؟" حملة شعبية شارك فيها أكثر من مليون تونسي بمواقع التواصل الاجتماعي لمعرفة الإنتاج الحقيقي للنفط

الحملة امتدت للمعاهد والكليات بل هناك من طلبة الثانوية من ذيَّل أوراق الإجابة على الامتحانات بعبارة "وينو البترول؟"

التونسيون تظاهروا أمام السفارة الفرنسية تعبيراً عن رفضهم لنفوذ باريس ببلادهم واعتباره شكلاً من أشكال الاحتلال غير المباشر

الغنوشي: الحكومة يتعين عليها كشف الغموض والإجابة عن كل التساؤلات بخصوص ملف البترول

المرزوقي ينفي اتهامات وقوفه وراء الحملة ويتمنى لو كان بالفعل من أطلقها

تعيش تونس هذه الأيام على وقع حملة شعبية كبيرة تهدف لمعرفة الإنتاج الحقيقي للنفط ومحتويات بنود العقود مع الشركات الأمريكية والأوروبية وغيرها، ويتواصل نسق الحملة التي تتم تحت عنوان "وينو البترول؟" (أين البترول؟) بشكل متصاعد أقلق الأوساط الدبلوماسية الغربية، وانعكس ذلك على بعض وزراء الحكومة والسياسيين بمستويات مختلفة.

وتشير التقديرات إلى أن أكثر من مليون تونسي شاركوا في الحملة على مواقع التواصل الاجتماعي، وأصبحت الشغل الشاغل لكل المواطنين، وسط ظروف اجتماعية صعبة زادت من صعوبتها تبخر الوعود الانتخابية للحزب الذي حاز على المرتبة الأولى في انتخابات عام 2014م، ودخوله في صراعات داخلية لا تنتهي.

تحركات شعبية

ولم يكتفِ الناشطون بالنضال على مواقع التواصل الاجتماعي؛ "فيسبوك"، و"تويتر"، وغيرهما، من أجل معرفة حقيقة ثروات بلادهم وتحديداً النفط، ومعرفة الجهات التي تعقد الصفقات وحظ التنمية من تلك الصفقات، وما إذا كان هناك غبن لحقوق الشعب من تلك الثروات، بل نزل إلى الشارع في وقفات احتجاجية، ومنها وقفة يوم السبت 6 يونيو الماضي، عدد كبير من المواطنين رافعين شعارات "وينو البترول؟"، و"ثروات بلادي لي ولأولادي"، و"الثروة ليست ملكاً خاصاً.. لا خوف لا رعب البترول ملك الشعب"، مطالبين بالكشف عن الثروات التونسية، من بترول، وغاز، وفوسفات، وغيرها.

وكانت الوقفة أمام السفارة الفرنسية معبرة، حيث رفع المتظاهرون شعار" تونس حرة حرة.. والمحتل على برا"؛ وذلك في إشارة واضحة تؤكد وعي الشعب بأن ثرواته تنهب لاسيما من قبل فرنسا، والتي يمكن اعتبار نفوذها في تونس حالياً شكلاً من أشكال الاحتلال غير المباشر، خاصة على الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية. 

المظاهرات التي شهدها شارع الثورة في تونس لم تخلُ من اعتداءات أمنية طالت أبرز الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي وفي الشارع، وطالت الصحفيين، وطالبت على إثر ذلك نقابة الصحفيين وزارة الداخلية بفتح تحقيق في الاعتداءات التي تعرض لها 6 إعلاميين. 

وقد وصلت الحملة إلى قاعات الدراسة في المعاهد والكليات، ففي الزيارة التي أداها الرئيس "الباجي قايد السبسي" إلى أحد المعاهد لتفقد امتحانات الثانوية العامة، سأله الطلاب: أين البترول؟ فرد بدبلوماسية، وبشكل دغمائي: أنتم البترول! بل هناك من الطلاب من ذيَّل أوراق الإجابة على الامتحانات بعبارة "وينو البترول؟"، ولم تنطلِ عليهم ردود "السبسي": أنتم البترول. 

وقد وجهت اتهامات لبعض السياسيين ونواب الشعب بأنهم يقفون وراء الحملة المتصاعدة، بل اتُّهم الرئيس السابق منصف المرزوقي بأنه يقف وراء الحملة، وهو ما نفاه الأخير، وتمنى لو كان فعلاً وراءها.

تحركات برلمانية

ورغم ما شاب الانتخابات الأخيرة في عام 2014م من ملاحظات وخروقات، فإن مجلس نواب الشعب (البرلمان) يعبر وبشكل لا يقبل الشك عن نسبة كبيرة من إرادة الشعب؛ حيث عقدت يوم 8 يونيو 2015م جلسة استماع مشتركة حول الطاقة والثروات الطبيعية تحت إشراف رئيس المجلس محمد الناصر، وجرى خلالها الاستماع إلى وزير الطاقة والصناعة والمناجم، والرئيس العام للمؤسسة التونسية للأنشطة البترولية، والمدير العام للطاقة، إلى جانب المدير العام لشركة فوسفات قفصة، والمدير العام للمناجم. 

وقال المدير العام للطاقة بوزارة الصناعة والطاقة والمناجم رضا بوزوادة: إن كل التفاصيل والمعطيات التي تخص الطاقة بتونس متوافرة بالإدارة العامة للطاقة، كما توجد مجلة خاصة بالطاقة تصدر منذ عام 2013م تهتم بهذا الشأن، ومن المنتظر أن يتم إطلاق موقع خاص بالمجلة ينشر كل الأخبار والمعلومات حول عدد الآبار ومقدار الإنتاج اليومي والسنوي، وفاق عدد الآبار المكتشفة الـ114 بئراً بطاقة إنتاجية بلغت نحو 53.4 ألف برميل يومياً حتى نهاية مايو 2015م، وجرى حفر أكثر من 700 بئر استكشافية، حتى التاريخ السالف ذكره، أفضت إلى إسناد 53 امتيازاً، منها 38 امتيازاً في طور الاستغلال والإنتاج، لكن مصادر في حملة "وينو البترول؟" أكدت أن المعترف به هو نصف الكمية التي تنتجها البلاد، وذهبت أطراف أخرى للقول: إن تونس تسبح فوق بحيرة من النفط. 

وزير الصناعة والطاقة زكريا حمد، ذكر بأن وزارته تعاملت بجدية مع حملة "وينو البترول؟" منذ انطلاقها، داعياً إلى التصدي لها، معتبراً الحملة مرفوضة تماماً؛ لأنها تسببت في بث الفتنة، وإشعال النعرات الجهوية، لكن أخطر ما ذكره الوزير ودفع الرأي العام لطرح مزيد من الأسئلة هو قوله: إنه يتلقى اتصالات من سفراء في تونس يومياً يعبرون فيها عن قلقهم من هذه الحملة، وإن للوزارة تخوفات كبيرة من "وينو البترول؟" لتأثيرها على مناخ الاستثمار في قطاع المحروقات، على حد تعبيره.

واعترف الوزير بوجود تعتيم في السابق؛ الأمر الذي دفع كثيرين في تونس للتساؤل عن سبب هذا التعتيم؟ وما الذي يقلق بعض السفراء الأجانب من حملة "وينو البترول؟" إذا كانت الكمية قليلة؟ ولماذا يقلقون إذا لم يشعروا بأن مصالح بلدانهم أضيرت من هذه الحملة؟ وهل صحيح أن تونس تنتج أقل من 55 ألف برميل في اليوم؟ أسئلة كلها لم تلقَ الجواب الشافي حتى الآن. 

تحركات سياسية

ومن جهته، أكد الشيخ راشد الغنوشي، رئيس حزب حركة النهضة بتونس، أن الحكومة يتعين عليها أن توضح وألا تترك أي غموض بخصوص ملف البترول، معتبراً أن الحملات بهذه الطريقة تجعل مشكل التنمية تقف على قضية الطاقة، لكنه أشار إلى أن إيقاف الإنتاج وإدخال البلاد في حالة شلل تام يتنافى مع مصلحة الانتقال الديمقراطي في تونس.

وزير الصحة السابق والنائب الحالي عن حركة النهضة بمجلس نواب الشعب، د. عبداللطيف المكي، اعتبر حملة "وينو البترول؟" تندرج ضمن إطار حق المواطن في الحصول على المعلومة، والمطالبة بالتثبت من وجود شبهة فساد هنا أو هناك، وهو حق كفلته الثورة منذ قيامها، لاسيما وأن البلاد لم تسجل تقدماً ملموساً في مقاومة الفساد لأسباب عديدة. واعتبر أن الجواب على سؤال "وينو البترول؟" يجب أن يكون بالحجة العلمية وليس باللجوء فقط لمواقع التواصل الاجتماعي أو الشارع.

ودعا لتشكيل لجنة خبراء متعددة الاختصاصات تعد وثيقة تفصيلية تقدمها إلى لجنة الطاقة والصناعة بمجلس نواب الشعب لكشف الغموض في هذه القضية بعد الاستماع للأطراف المحلية والدولية، وهو ما يحافظ على مصداقية السؤال ويبعده عن التوظيف السياسي.

أما حركة نداء تونس، فقد أصدرت بياناً عبرت فيه عن انشغالها العميق واستيائها ومخاوفها من العواقب الوخيمة الناجمة عن حملة التغليط الممنهجة "وينو البترول؟"، وما بنيت عليها من خلفيات سلبية تسعى إلى إشعال نيران النعرات الجهوية والفتنة والتقسيم، حسب ما جاء في البيان، واعتبرت المناداة بالكشف عن حجم وأوجه صرف عائدات الثروات، وتفاصيل الصفقات مع الشركات الأجنبية تصعيداً خطيراً يستهدف الشركات الوطنية والأجنبية.

تهمة مشرفة

الرئيس السابق منصف المرزوقي رد على الاتهامات الموجهة له بالوقوف وراء الحملة، بأنه يتمنى لو كان فعلاً وراء حملة "وينو البترول؟"، وتابع قائلاً: تهمة ظالمة لكنها مشرفة، فقد اتُّهمت بأني سكير وأنا لا أشرب الخمر، واتُّهمت بأني مجنون وأنا رجل سيد نفسه، وسيد أعصابه، والدليل هو أني لم أزج بأحد في السجن، وكنت قادراً على ذلك، واتُّهمت بأني أتقاضى 50 ألف يورو من "الجزيرة" (الفضائية القطرية)، وأنا الذي كنت أدفع جل راتبي للفقراء من أهلي ومن غير أهلي، واتُّهمت بأني عميل لقطر في حين أن كل ما أعانتنا به قطر ذهب كله للخزانة العمومية ولم يدخل فلس منه لجيبي الخاص، واتُّهمت بتضييع هيبة الدولة وشاهدتم ما آلت إليه الهيبة بعدي، واتُّهمت بمحاولة حرق تونس، وسيأتي يوم يعرف فيه التونسيون دوري في حمايتهم من مشروع انقلاب صيف 2013م ومن اضطرابات لا يعلم ما كانت ستؤول إليه إلا الله، وأين كانت ستؤول بنا لو لم أقبل بنتائج الانتخابات على علاتها والتي ينظر فيها القضاء حالياً؟ واتُّهمت بدعم الإرهاب وأنا الذي سعيت لتسليح الجيش كما لم يسلح من قبل.

لقد حركت حملة "وينو البترول؟" المياه الراكدة في تونس، وخلخلت التعتيم حول ملف الطاقة، وأثارت مخاوف أجنبية من أن يتحول السؤال إلى الجارة النفطية الجزائر، التي أصبح النافذون فيها منذ الاستقلال أصحاب مليارات تعدها من حين لآخر وسائل الإعلام الأوروبية، خاصة الفرنسية.

الرابط المختصر :