العنوان تونس: الانتخابات في تونس ماذا بعد نشوة «الانتصار» المزيف؟
الكاتب المحرر السياسي
تاريخ النشر الثلاثاء 29-مارس-1994
مشاهدات 72
نشر في العدد 1093
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 29-مارس-1994
تونس: "انتصار" مزيف وفراغ سياسي هائل
خلف واجهة الديمقراطية
- السلطة
لم تسمح بأي منافس لبن علي.. ففاز بالرقم (99,99%) الذي صارت تستحي منه كل
الأنظمة الديكتاتورية.
- المرزوقي:
بأي حق تصبح تونس وقفاً على حزب واحد وهو جزء من الشعب وليس الشعب.
انتهت الانتخابات التشريعية والرئاسية في تونس يوم 20 مارس «آذار»
بنتائج مرتقبة حصل فيها الرئيس بن علي «المرشح الوحيد» على 99,99% من أصوات
الناخبين، والحزب الحاكم على 97,73% من الأصوات، والمعارضة الهامشية المصنوعة على
19 مقعداً مضموناً مسبقاً حسب تعديل قانون الانتخابات بتاريخ 27/ 12 / 1993م.
ويجمع المراقبون على أن هذا «الانتصار» شكلي لأنه يخفي فراغاً سياسياً هائلاً بعد
إقصاء الإسلاميين بالقوة من اللعبة السياسية. فالمتأمل في هذه النتائج يرى أنها
توحي بوجود مفارقة غير منطقية في تونس المعروف بانفتاحه على العالم وعلى الأفكار
والحضارات، وفي نهاية هذا القرن الذي شهد موجة من الحريات والعودة إلى الخيار
النابع من إرادة الشعوب وأصالتها واحترام مبادئ الديمقراطية الحقيقية؛ فقد مضت
عقلية الحزب الواحد وولى عهد الأحادية الفكرية والسياسية في معظم دول العالم.
تحولات عميقة
لكن المتتبع لتطور الأوضاع في تونس خلال السنوات السبع الأخيرة لا
يندهش إذا عرف بأن تحولات عميقة حدثت في هذا البلد المغاربي خاصة منذ 1989م تاريخ
الانتخابات التشريعية السابقة التي فازت فيها القوائم المستقلة المدعومة من الحركة
الإسلامية بنتائج باهرة جعلت بعض الملاحظين يتحدثون عن بروز قطبية ثنائية على صعيد
الخريطة السياسية في تونس.
وحول هذه التطورات يتحدث الأستاذ راشد الغنوشي -رئيس «حركة النهضة»-
فيقول: «بنى بورقيبة جزءاً كبيراً من شرعيته في الغرب ومجده على حرب الإسلام وسقط
وانقلب عليه وزيره للداخلية واعداً بإعادة الاعتبار للإسلام وتحقيق الديمقراطية
فوجد التأييد من الحركة الإسلامية وأنصار الديمقراطية. غير أن انتخابات 1989م مثلت
امتحاناً قاسياً للجميع، فلقد تجاوزت الحركة الإسلامية الحدود المسموح بها وهددت
بتغيير جذري لموازين القوى من خلال اشتراكها بكل ثقلها الشعبي وإقبال الشعب عليها
إقبالاً فاق كل تقدير، إذ بلغ في المدن الكبرى 30% حسب النتائج المعلنة وتجاوز 80%
حسب النتائج الحقيقية... الأمر الذي أربك السلطة ودفعها بدل مشاركة الإسلاميين في
التصميم على استئصالهم، ودخل الشيوعيون وكل العناصر المعادية للإسلام التي انهزمت
أمام صناديق الاقتراع على الخط واضعين أنفسهم تحت تصرف السلطة التي أعلنت الحرب ضد
الإسلام وتراثه على اعتبار أنه طالما ظل الإسلام فاعلاً في المجتمع فإن الحركة
الإسلامية ستتجدد مهما كان مبلغ الضرب.. وقدموا خطة "تجفيف الينابيع"».
وتحولت الدولة طيلة السنوات المنصرمة إلى أداة قمع شامل ضد الإسلام
والإسلاميين... وكان الهدف السياسي إخراجهم نهائياً من الساحة، ثم تنظيم انتخابات
تعددية على مقاس السلطة يقع فيها تلافي فضيحة الانتخابات السابقة التي أخرجت
برلماناً بلون واحد كما كان عليه الأمر منذ الاستقلال عام 1956م.. وسيطر الأسلوب
الأمني على التعامل مع كل مؤسسات المجتمع فأفرغت من كل صراع وتنافس، وسادت
الانتهازية وأساليب الفساد والتمييع والقمع لإسكات كل صوت معارض، وتجاوز ذلك
الإسلاميون وهم الضحية الأكبر إلى القوى العلمانية ذاتها حتى إذا جاءت الانتخابات
الحالية كانت السجون تغص بالآلاف والرعب مستحكماً والفراغ حول السلطة هائلاً إلا
من هياكل خاوية على عروشها ... لقد غدت السلطة اللاعب الوحيد في الساحة فحددت
الهبة التي ستقدمها المعارضة مدجنة (19 مقعداً) ولم تسمح بأي منافس للرئيس ففاز
بالرقم العربي السحري 99,99 الذي أصبحت حتى الأنظمة الديكتاتورية تستحي من إعلانه،
ولم يربك السلطة غير إعلان د. منصف المرزوقي الرئيس السابق لمنظمة حقوق الإنسان عن
ترشحه للرئاسة رغم علمه بأن الطريق مسدود بشروط تعجيزية، وكان يمكن لهذا الترشيح
أن يمر في صمت لولا إعلان حركة النهضة عن تأييدها لترشحه، رغم تباينها معه في
توجهه العلماني تقديرًا منها أن شكل تونس الأعظم هو حرمان الشعب من حقوقه وحرياته،
فاضطربت السلطة وعملت على خنق الصحافة الأجنبية لمنع انتشار الخبر فزادته
انتشاراً.
تعددية شكلية
وعلى ذكر د. المرزوقي، فقد كان ترشحه لمنصب الرئاسة المفاجأة الرئيسية
في هذه الانتخابات، وفي بيان أصدره بتاريخ 13/2 أوضح الأسباب التي دفعته للترشيح
وأشار إلى انغلاق كل الآفاق «العمل النقابي المستقل، العمل الفكري، الإعلام
السياسي.. إلخ». وقال: «لا شك أن من سيكتبون في المستقبل تاريخ هذه الحقبة
سيفاجؤون بعمق الإحباط والاستقالة الجماعية وانعكاس القيم إذ أصبحت كلمة لا من
المحرمات... فلا مكان إلا لإجماع مفروض وكلمة واحدة ترددها أجهزة إعلام أخلت
بوظيفتها..» وتساءل: «أيعقل ونحن على مشارف القرن الواحد والعشرين وقد اكتسحت موجة
الديمقراطية العالم أجمع أن ننظم مهرجاناً ممجوجاً يتبارى فيه فريق واحد مع
نفسه؟».
كما عبر عن استنكاره أمام تمسك السلطة بفصل في الدستور يقضي بتزكية
المرشح للرئاسة من قبل ثلاثين نائباً من البرلمان الذي يسيطر عليه الحزب الحاكم
«التجمع الدستوري الديمقراطي». وقال بهذا الصدد بأن «القانون الانتخابي المفصل
تفصيلاً لن يسمح أبداً بتواجد أكثر من عشرين نائباً معارضاً في أي برلمان
"تعددي" أي برلمان دستوري منمق». وأضاف: «إن المعنى الرهيب لمثل هذا
القانون الذي وضعه الدستوريون هو سيطرة الحزب الحاكم على مقاليد السلطة إلى نهاية
التاريخ». وتساءل: «بأي حق تصبح تونس.. وقفاً على حزب هو جزء من الشعب وليس الشعب؟»
وعلل ترشحه بـ «فتح ملف سلطة حزبية وراثية آلية تريد أن تعبر الزمن والتاريخ
متعدية لحق شعب ناجح ومتقدم في اختيار مصيره بنفسه».
ولم يكن الدكتور المرزوقي المرشح الوحيد للرئاسة بل ترشح أيضاً
المحامي عبد الرحمن الهاني رئيس فصيل عربي قومي، وقد تم إيقافه وابنه وسيقدم
للمحاكمة بتهمة الاحتفاظ بجمعية غير مرخص بها وقلب مؤسسات الدولة، وكان قد ذكر في
بيان بمناسبة ترشيحه بأن الحكومة الحالية غير دستورية، وطالب بإنشاء «جمهورية
ثانية في تونس». في ظل هذه الأجواء نشطت الأجهزة الدعائية في تلميع صورة النظام
وإبراز قيادته تحت شعارات براقة «بن علي صانع التغيير وحامي الحمى والدين». فكانت
النتائج المتوقعة. إلا أن تساؤلات عديدة بقيت عالقة منها: هل نجح النظام في جر
الرأي العام الداخلي والخارجي إلى معركته ضد الإسلاميين -الطرف المنافس القوي الذي
وقع إقصاؤه بالقوة من اللعبة السياسية- وإلى المشروع «الحضاري» الذي يبشر به في كل
مناسبة؟ وماذا سيكون انعكاس تطورات الوضع في الجزائر السائرة نحو الحوار والمصالحة
على مستقبل الوضع السياسي في تونس وفي المغرب العربي عموماً؟ وماذا عن آفاق تحول
في ميزان القوى الداخلي لصالح تغيير يخدم مصلحة الشعب وهويته؟
وبدأ يسقط القناع
يرى راشد الغنوشي بأن «النظام نجح -إلى حين- في استغلال الظروف
الدولية المشحونة ضد الإسلام والحركة الإسلامية فقام بدور بطرس غالي الناسك في
القرون الوسطى الذي كان يجوب الآفاق يحرض على الإسلام والمسلمين.. لقد جعل رسالته
في العالم التحريض على الحركة الإسلامية مقدماً خبرته في قمعها وأنه يصد عن أوروبا
هذا الخطر الداهم مطالباً باستحقاقه الدعم، ولم يتأخر الدعم الغربي الرسمي. ولكن
الأمر بدأ ينكشف في داخل البلاد وخارجها.. لقد أدركت القوى الديمقراطية والتحررية
في الداخل والخارج أن مقاومة الأصولية لم تكن سوى ستار لقمع الحريات العامة
والخاصة وفتح أبواب البلاد على مصراعيها أمام تيارات الفساد... وأن حركة النهضة
أبعد ما تكون عن التطرف والعنف، بل هي من أكثر حركات الإسلام التي أصلت للاعتدال
والديمقراطية وحق كل أصحاب الأفكار في الحقوق والحريات على قدم المساواة بما في
ذلك حق المشاركة في السلطة والتداول عليها عبر صناديق الاقتراع.. وأن ذنب
"النهضة" أنها رفضت ولا تزال الرد على عنف النظام بعنف مماثل، فلم يسجل
عليها أنها اعتدت على سائح في بلد يعج بالسائحين ولا اغتالت صحفياً أو مفكراً أمعن
في جلدها ولا شرطياً أو قاضياً، وإنما اعتصمت بالصبر والمصابرة، واحتسبت لله ما
تسلط عليها من فنون البلاء.. حسبنا الله ونعم الوكيل... الأمر الذي دفع ويدفع
القوى السياسية في الداخل والخارج إلى بداية إعادة النظر فيما يجرى في البلاد. في
اتجاه استقطاب داخلي وخارجي مع النهضة ضد نظام القمع لممارسة ضغوط عليه لدفعه إلى
الانفتاح على قدر معقول من الوضع السياسي الذي يلتحق في الأقل بالوضع السياسي
العربي العام في المغرب أو مصر أو الأردن أو الكويت.... مثلاً أو الانهيار أمام
تفاقم واتحاد مطالب التغيير في مواجهة وضع متكلس».
اهتمام إعلامي غربي
وتجدر الإشارة هنا إلى أن وسائل الإعلام الأجنبية والغربية خصوصاً
أبدت اهتماماً خاصاً بهذه الانتخابات؛ ففي حين قام بعضها بتمجيد التجربة
«التاريخية» في تونس، ركزت بعض الأوساط الإعلامية الأخرى على المضايقات التي تعرضت
لها مثل صحيفة «لوموند» الفرنسية التي منعت من التوزيع في تونس، وأشارت في مقالها
بتاريخ 20 -21/3 إلى المضايقات التي تعترض الصحفيين التابعين لوسائل إعلام أجنبية
في تغطية الانتخابات مثل بي بي سي، وقناة فرنسا 2، وصحيفة نوفال دي نور المغربية..
بالإضافة إلى وكالة رويترز وأسوشيتد برس، والوكالة الكويتية «كونا» التي أغلق
مقرها في تونس ولم يفتح إلا بعد تغيير مدير فرع تونس. ويرى الشيخ الغنوشي أن هذه
التغطية الواسعة «التي أبرزت معالم المأساة والمهزلة في تونس والتأكيد على غياب
المعارضة الرشيدة لا يبعد أن يكون بداية تحول في الموقف الغربي لاسيما والمطرقة
الجزائرية التي تقرع الأبواب بقوة».
وأجرت وسائل إعلامية غربية مقابلات مع رموز المعارضة غير المعترف بها
أوضحت خلالها الوجه الآخر للانتخابات والوضع السياسي على خلاف الرواية الرسمية من
ذلك أن د. المرزوقي صرح لصحيفة «بوليتيس» بتاريخ 17/ 3 بعدم وجود معارضة حقيقية في
تونس وتمنى «أن تخرج بلاده يوماً ما من اهتمامات منظمة العفو الدولية» إشارة إلى
وضع حقوق الإنسان المتردي خاصة ما يتعلق بمساجين الرأي من الإسلاميين.. ورفض القول
بأن الرئيس بن علي باعتماده سياسة قمعية ضد هؤلاء قد تنبأ بما يحصل في الجزائر.
وقال المرزوقي: «في الجزائر هناك عودة عن الخيار الأمني في أقصاه، ثم إن تونس رغم
اختلافها عن الجزائر فإن البلدين متناغمان، وسير الجزائر نحو حل تصالحي لا يمكن
إلا أن يكون له نتيجة طيبة على كل المنطقة». وحول موقفه من حركة «النهضة» قال:
«قبل أن يكونوا إسلاميين فهم تونسيون، ولا يمكن إقصاؤهم من المجتمع دون تمزيق قطعة
من جلد تونس، وكتونسيين يجب أن تكون لهم كل الحقوق التي تخولها لهم مواطنتهم
وميثاق حقوق الإنسان».
دور قيادي مؤثر للجزائر
وحول تأثير الوضع الجزائري على تونس يرى الغنوشي بأن «الجزائر في
المغرب العربي على الأقل لها موقع متميز مؤثر إن لم نقل قيادياً». ونحن على وفاق
مع ما تنقله بإجماع التقارير الصحفية والدبلوماسية الواردة من هناك.. إن الوضع قد
استوى والتغيير لا مفر منه وإن الإسلاميين قادمون إن شاء الله، والجزائر موقعها
القيادي التحرري المؤثر، وإذا حصل ذلك -وهو إن شاء الله لا مناص منه- فالجميع في
تونس وخارجها لا يختلفون على أن أكثر الأوضاع في المنطقة تهيأً للتأثر هو الوضع
التونسي بفعل هشاشته وشدة التصاقه بالجزائر، الأمر الذي مثل ولا يزال كابوساً
للنظام التونسي وحماته في الخارج لاسيما وقد أغلق كل صمامات التنفيس وأضاع كل
الفرص التي تجعله قادراً على احتواء الموجة الجزائرية المحتمل اندلاعها خلافاً لما
هو عليه وضع الجار المغربي الذي أكسبته حنكته السياسية وذكاؤه وثقافته مرونة تيسر
له فرصاً كثيرة للتفاعل الإيجابي مع أي وضع طارئ كتصاعد الموجة الإسلامية في
الجزائر. وأضاف: «والثابت أن وضع تونس والمنطقة ما بعد انتصار الإسلام
والديمقراطية في الجزائر سيختلف نوعياً عن الوضع الحالي إما باتجاه الانفتاح وذلك
ما نتمناه أو في اتجاه مزيد من التشنج والانغلاق والقمع المفضي آجلاً أو عاجلاً
إلى الثورة.. ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ
يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (سورة الروم الآية 3)».
استشراف المستقبل
وفي عملية استشراف المستقبل على ضوء المستجدات المحلية والإقليمية
يلاحظ تفاوت كبير بين القراءة الرسمية التي تجعل من هذه الانتخابات منطلقاً لمرحلة
جديدة تاريخية باعتبار دخول المعارضة -ولو نسبياً- إلى البرلمان وتبشير السلطة
«بمشروع تغييري حضاري يدخل تونس إلى مصاف البلدان المتقدمة مع إطلالة القرن
القادم» بخلفية علمانية في برامج التعليم والإعلام بالخصوص في إطار مزيد من تطبيع
العلاقات التونسية - الإسرائيلية، وبين قراءة مغايرة من أطراف مختلفة وطنية
وإسلامية مستقلة وأجنبية عربية وغربية شككت في الوعود الرسمية بهذا «العهد
الزاهر».
رغم الحديث عن تغيير وزاري مرتقب وعن احتمال صدور عفو تشريعي عن آلاف
من مساجين الرأي و«انفراج» اجتماعي وسياسي، قالت صحيفة «لوموند» في افتتاحيتها
بتاريخ 22/3: «يخشى أن ابن علي ينزع إلى الانغلاق في عالم من المظاهر الديمقراطية
منتشياً بهذا الانتصار الانتخابي بدون منازع تقريباً». ومن ناحيته يرى المرزوقي في
المقابلة المشار إليها من قبل بأن النتائج الحالية: «لا تساعد على تحسين صورة
سودتها تقارير منظمة العفو الدولية». وأضاف المرزوقي بأن «الأمر أكثر خطورة
بالنسبة للمجتمع المدني.. ويجب إعادة بناء خطاب مغاير وسلم قيم ومؤسسات ذات
مصداقية غير مراقبة من النظام مثل التقليد الرائع في الستينات وتخدم مصلحة الحكومة
والمعارضة والدولة والمجتمع المدني والسلطة والقوى الموازية لها».
أما رئيس حركة النهضة فإنه يرى بأن «هذه الانتخابات المهزلة ستمثل
منطلقاً لبعث جبهة وطنية تجمع قوى المجتمع المدني على اختلاف توجهاتها للنضال ضد
الدكتاتورية من أجل تحرير إرادة الشعب وفرض حقه في الاختيار دونما تمييز أو إقصاء
لأي تيار». وأضاف: «لقد تنبه العالم إلى حقيقة المأساة الصامتة التي تعيشها تونس
وبدأت مرحلة جديدة ينتقل فيها الاستقطاب كما أرادته السلطة لتبرير قمع المجتمع من
الصراع بين "سلطة ديمقراطية حداثية وحركة أصولية متطرفة" إلى الوضع
الحقيقي لطبيعة المعركة أنها بين نظام شمولي، وبين مجتمع مدني بكل فئاته الإسلامية
والعلمانية يكافح من أجل مطالبه في حرياته العامة والخاصة السياسية والدينية كسائر
شعوب الأرض».
وحول موقف الشعب التونسي قال: «ولأننا تعلمنا من الإسلام حسن الظن
بالله وبعباده... فنحن على يقين من أن شعب تونس المسلم رافض للأفكار والأساليب
والشخصيات التي فرضت عليه، وأنه أكرم من أن يبيع دينه وكرامته وحرياته لمغريات
دنيوية، ولكن ظروفاً قاسية أجبرته على الصمت.. هو بصدد استيعابها.. ولكن صمته ليس
قبولاً، وإنما احتجاج.. وتهيؤ للرد. إن حالة الاستقالة العامة والمقاطعة الواسعة
لخطاب النظام بما في ذلك الانتخابات ليس إلا ضرباً من ضروب الرفض. إنه الهدوء الذي
يسبق العاصفة».
وما بين هاتين القراءتين المتناقضتين، تبقى تونس ترزح تحت وطأة الخيار
الأمني وآثاره وتبعاته؛ من ذلك أن مسار تطبيع العلاقات التونسية - الإسرائيلية
يسير بخطى حثيثة واضعاً بصماته على الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية للبلاد
مستفيداً من الفراغ الذي تركه إقصاء الإسلاميين من اللعبة السياسية ومن اختلال
ميزان القوى الضامن للاستقرار والتقدم. فمتى ستكون الاستفاقة من نشوة «الانتصار»
المزيف؟