; توليفة قيادية أم قيادة جماعية أم فوضى وانقسام؟ ما بعد عرفات! | مجلة المجتمع

العنوان توليفة قيادية أم قيادة جماعية أم فوضى وانقسام؟ ما بعد عرفات!

الكاتب عاطف الجولاني

تاريخ النشر الجمعة 12-نوفمبر-2004

مشاهدات 66

نشر في العدد 1627

نشر في الصفحة 24

الجمعة 12-نوفمبر-2004

عمان: عاطف الجولاني

غزة: وسام عفيفة 

انشغل الفلسطينيون وكثير من الأطراف الإقليمية والدولية خلال الأيام التي أعقبت تدهور الحالة الصحية لياسر عرفات بقراءة سيناريوهات المستقبل لمرحلة ما بعد وفاته وغيابه. وكان واضحًا للجميع أن هذا الغياب سيشكل نقطة انعطاف حادة وبداية مرحلة جديدة في الواقع الفلسطيني. لما يترتب عليه من تأثيرات كبيرة على مجمل المشهد الفلسطيني الحافل بالكثير من التعقيدات.

العقود طويلة أمسك عرفات بغالبية خيوط اللعبة في الساحة الفلسطينية، وتعامل بمركزية شديدة، ونجح في السيطرة على كافة الملفات. وأبدى حساسية مفرطة إزاء ظهور أي منافسين لزعامته، سواء كانوا من داخل حركته فتح أو من إطار منظمة التحرير الفلسطينية، أو حتى من خارج هذين الإطارين.

رفض عرفات طوال السنوات الماضية تعيين نائب له يكون مرشحًا للإمساك بزمام الأمور في حال غيابه بصورة قسرية، وحتى في مرضه الأخير رفض نقل صلاحياته أو جزء منها لأي من القادة الفلسطينيين، وأصر على إدارة الأمور من على سرير المرض في باريس. رغم إدراكه لخطورة حالته الصحية التي وضعته فرق الأطباء من مصر والأردن وتونس في صورتها.

ثلاثة سيناريوهات لظروف الطبع قد ينشر هذا التقرير بعد أن تكون بعض ملامح مرحلة جديدة قد اتضحت، وفي ضوء المعطيات والمؤشرات المتوافرة حاليًا، يمكن الحديث عن ثلاثة سيناريوهات محتملة للوضع الفلسطيني لمرحلة ما بعد غياب عرفات.

السيناريو الأول: توليفة قيادية سياسية أمنية لجماعة أوسلو:

وإذا كان ترؤس محمود عباس أبو مازن) لاجتماعات الإطارين القياديين في فتح والمنظمة خلال غياب عرفات في باريس، قد سلط الأضواء عليه كأقوى وأبرز شخصية الخلافة عرفات، فإن ثمة مؤشرات عديدة أظهرت صعوبة أن تستطيع شخصية واحدة شغل جميع المواقع التي تشعر بوفاة عرفات. وحتى لو امتلك عباس أو غيره قدرة على ذلك ورغبة جامحة بالهيمنة والسيطرة، فإن قبول الآخرين بذلك مسألة بعيدة عن التوقع.

فما نجح عرفات خلال فترة طويلة في فرضه وتكريسه بقوة الإمساك بزمام القرار السياسي والمالي والرمزية التاريخية، لا يبدو أمرًا قابلًا للتكرار خلال فترة قصيرة بالنسبة لأيّ شخصية أخرى بالتالي يضحى الحديث عن توليفة قيادية من رموز سياسية وأمنية تقود المرحلة القادمة أمرًا أكثر واقعية.

الفريق المرشح لتشكيل هذه التوليفة القيادية يتكون من: محمود عباس كأبرز العناصر؛ حيث يمكن أن يتولى الموقع الأول في قيادة المنظمة في الوقت الراهن كخطوة أولى لتسلم رئاسة السلطة، في حين يحافظ قريع على موقعه في رئاسة الوزراء، ويتسلم محمد دخلان الملف الأمني، وإذا أمكن استيعاب جبريل الرجوب في المعادلة الأمنية، فإن ذلك يضفي مزيدًا من القوة على هذا التوليفة، لكنَّ العلاقات المتوترة بين دحلان والرجوب قد تضعف احتمالات ذلك.

توليفة من هذا النوع تحظى بترحيب إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية وبعض الأطراف العربية المؤثرة في المعادلة الفلسطينية خاصة مصر والأردن، فأعضاؤها من أقطاب تيار التسوية المعروفين في الشارع الفلسطيني بجماعة أوسلو، وعلاقاتهم بـ: (إسرائيل) قوية إلى درجة وضع معظمهم في دائرة الشبهات لدى قطاعات واسعة في الشارع الفلسطيني وجميعهم من المعارضين والرافضين لخيار المقاومة الذي جاهر بعضهم باعتباره خيارًا عبثيًا يضر بالمصلحة الوطنية للشعب الفلسطينيّ. 

«إسرائيل» والولايات المتحدة تأملان أن تنجح توليفة كهذه في بسط سيطرتها على الضفة الغربية وقطاع غزة، وفي الإمساك بزمام الأمور التي كان يسيطر عليها عرفات، تمهيدًا لتنفيذ الاستحقاقات المطلوبة منها إسرائيليًا وأمريكيًا في وقت لاحق بإنهاء الانتفاضة ووقف المقاومة ومصادرة سلاح المجاهدين تحت شعارات وحدانية السلطة، وإنهاء حالة فوضى السلاح، وهي الشعارات التي رفعتها حكومة محمود عباس المستقيلة.

ولأن تل أبيب وواشنطن تدركان حاجة هذه التوليفة القيادية إلى المساعدة كي تتمكن من إحكام سيطرتها على الأوضاع في الساحة الفلسطينية تمهيدًا لتنفيذ الاستحقاقات السياسية والأمنية المطلوبة، فإن المرجح ألا يبخل الجانبان بإعطاء بعض التسهيلات لها في المجالات السياسية والأمنية والمالية، وقد يشارك الاتحاد الأوروبي في تقديم بعض المساعدات المالية المطلوبة، وهو ما سيمنح هذه التوليفة مزيدًا من الدعم والإستاد والشرعية الدولية.

وإذا كانت هذه التوليفة بحاجة إلى بعض الوقت لبسط سيطرتها وتنظيم أمورها، فإن العودة إلى الحديث عن خيار التوصل إلى هدنة جديدة تتوقف بموجبها عمليات المقاومة الفلسطينية والأعمال العسكرية الإسرائيلية ستكون احتمالًا مطروحًا بقوة، ولا سيما إن ألقت مصر بثقلها السياسي ووظفت علاقاتها مع رموز التوليفة ومع فصائل المعارضة والمقاومة من أجل إنجاح هذه الهدنة.

إن ما سيحدد حجم اندفاع مصر لتأييد التوليفة القيادية ولبذل جهد باتجاه التوصل لهدنة جديدة هو مدى رضاها عن الدور الذي ستحتفظ به في التأثير على القرار السياسي الفلسطيني الذي ظلت طيلة السنوات الماضية أحد أهم المؤثرين فيه.

لكن التأييد الصهيوني والأمريكي ومباركة بعض الأطراف العربية المؤثرة، لا تعني أن الطريق سالك بسهولة أمام نجاح مثل هذه التوليفة القيادية. فما هو مقبول ومرغوب من الصهاينة والأمريكيين ينظر إليه بكثير من الريبة والشك في الشارع الفلسطيني ولدى الحركات الفلسطينية المعارضة والمقاومة حتى كتائب شهداء الأقصى الجناح العسكري لحركة فتح، فإنها لا تنظر بارتياح إلى معادلة تشعر بأنها تتساوق مع رغبات واشنطن وتل أبيب وتهدف إلى إجهاض برنامج المقاومة والشارع الفلسطيني هو الآخر يملك الكثير من التحفظات إزاء غالبية رموز هذه التوليفة ويتضح ذلك إذا ما عادت إلى الذاكرة نتائج استطلاعات الرأي التي أجريت خلال فترة حكومة عباس، حيث أظهرت أنه يحتل موقعًا متأخرًا في سلم التأييد الشعبي، ولم يحصل على تأييد أكثر من 2% من الفلسطينيين، وإذا كان هذا هو حال الشخصية الأبرز في هذه التوليفة، فإن شعبية بقية أعضائها أسوأ حالًا .

وستضعف فرص نجاح هذا الخيار في حال ترجحت احتمالات تعرض عرفات العملية تسميم بطيء متعمد. فمثل هذا الأمر، وبغض النظر عن الجهة التي ستتهم بالقيام بعميلة التسميم، سيضع توليفة أوسلو في وضع بالغ السوء والحرج، لأن عملية القتل المتعمد هذه ستفسر على أنها محاولة لفتح الطريق أمام هذه المجموعة للسيطرة على السلطة بدلًا عن عرفات. وهو ما سيولد ردة فعل قوية داخل تنظيم فتح ولدى كثير من الأوساط السياسية.

وإذا صحت الأقاويل التي ما يزال التعامل معها يندرج حتى اللحظة في إطار الإشاعات من أن عرفات أوصى كتابيًا أو شفويًا بأن يتولى فاروق القدومي (أبو اللطف) رئيس الدائرة السياسية في منظمة التحرير الفلسطينية والعضو القيادي البارز في اللجنة التنفيذية للمنظمة وفي اللجنة المركزية لحركة فتح، فإن عرفات يكون قد فجر قبل موته قنبلة سيكون لها تداعيات كبيرة على فرص نجاح خيار التوليفة (الأوسلوية).

فمثل هذه الوصية إن صح وجودها ستعزز موقف المعارضين داخل فتح لخيار محمود عباس ومحمد دحلان وستزيد من جرأتهم على التعبير عن رفضهم لهذه التوليفة القيادية، وسيضحي الوضع داخل حركة فتح أكثر تعقيدًا. فالقدومي القريب من التوجهات السورية والذي أبدى موقفًا معارضًا لأوسلو وأصر على البقاء خارج أراضي السلطة الفلسطينية، هو خيار غير مرغوب لدى تل أبيب وواشنطن، حتى لو كانت معارضته المخففة لأوسلو لا تعني رفضًا مبدئيًا لقرار ٢٤٢ ولخيار التسوية.

وحتى لو طرح البعض خيار ازدواجية القيادة واعتبره ممكنًا، بحيث يرأس القدومي إطار منظمة التحرير الذي يمثل فلسطينيي الداخل والشتات، في حين ترأس التوليفة القيادية بزعامة عباس السلطة الفلسطينية في الداخل، فإن هذا الخيار لن يكون واقعيًا وسيؤدي على الأرجح إلى تعدد الرؤوس وإلى وشل القرار السياسي وزيادة الخلافات والصراعات.

 السيناريو الثاني: القيادة الجماعية الموحدة:         

وهو مطلب الفصائل الفلسطينية المعارضة الذي طرحته خلال حوارات القاهرة في العامين الأخيرين حين طرحت على جدول أعمال تلك الحوارات مسألة تنظيم العلاقة بين السلطة والمعارضة وترتيب البيت الفلسطيني الداخلي، وتصاعد الحديث حول القيادة الجماعية الموحدة في خطاب المعارضة بعد إعلان حكومة شارون نيتها الانسحاب من قطاع غزة في إطار خطة فك الارتباط أحادية الجانب وحديث الجانب الفلسطيني عن ترتيبات ما بعد الانسحاب.

على الصعيد الشعبي، فإن خيار مشاركة كافة الفصائل الفلسطينية في إطار القيادة الفلسطينية بعد الخيار المفضل، نظرًا لما يحققه من توحيد للموقف الفلسطيني وإغلاق الاحتمالات الصراع والانقسام في الساحة الفلسطينية، كما أن تنامي تأييد الشعب الفلسطيني لحركات المقاومة بصورة كبيرة خلال انتفاضة الأقصى يجعل من مشاركة هذه الحركات في القيادة الفلسطينية سببًا مهمًا لتعزيز ثقة الشارع الفلسطيني بهذه القيادة، ولإقناعه بأنها تمثل توجهاته وتطلعاته الحقيقية لاسيما بعد أن فقدت القيادة الحالية ثقة وتأييد الغالبية العظمى من أبناء الشعب الفلسطيني، بسبب فشل خياراتها . السياسية، وإدارتها السيئة للأوضاع الداخلية. وما تأكد من شيوع الفساد والمحسوبية في مؤسساتها.

ويمكن القول: إن جهود فصائل المعارضة التي بذلت في الآونة الأخيرة، خاصة من حركتي حماس والجهاد الإسلامي، نجحت في إنضاج وبلورة هذا الخيار وفي إقناع أطراف أخرى بالتعامل معه ومناقشته جديًا على قاعدة أنه قد يشكل الصيغة الأفضل لتوحيد الجهود الفلسطينية، وإشراك الجميع في تحمل مسؤوليات المرحلة المقبلة بالغة الدقة والحساسية.

وبعد أن كان الموقف الرسمي المصري لسنوات طويلة يحصر تعامله فلسطينياً بقيادة المنظمة ويعتبرها الخيار الوحيد الذي يمك التعامل معه في الساحة، نجحت المعارضة في تحقيق اختراق نسبي على هذا الصعيد؛ حيث بات الموقف الرسمي أكثر تقبلاً لمناقشة فكر القيادة الجماعية الموحدة بجدية، انطلاقًا من تصوره بأنها يمكن أن تكون صيغة معقولة تضمن حالة استقرار فلسطينية تستوعب كافة فصائل المعارضة ضمن الترتيبات السياسية. 

وترى مصر أن لها مصلحة كبيرة بتحفز مثل هذا الاستقرار كي تنأى بنفسها عن كثير من الانعكاسات السلبية لاحتمالات انقسام وتشرذم الحالة الفلسطينية، لكن الضابط الأساس لدى مصر في مثل هذه الصيغة السياسية ضمان سيطرة حركة فتح وتيار التسوية على مواقع التأثير في هذه القيادة وأن تسهّل هذه الصيغة الأمور أمام إعادة انطلاق عملية المفاوضات لا أن تعرقلها وتضع أمامها مزيدًا من العقبات.

المعوقات الرئيسة التي تعترض نجاح خيار القيادة الجماعية الموحدة تتعلق بموقف حركة فتح والسلطة من جهة، وموقف الصهاينة والأمريكيين مرن الجهة الأخرى. ففتح التي استأثرت منذ بداية السبعينيات بالسيطرة على قرار منظمة التحرير، ومن ثم على قرار السلطة الفلسطينية بعد أوسلو، ترفض التخلي عن هذه الهيمنة لأطراف أخرى منافسة، ولم تبد القيادة الفلسطيني الحالية أيّ استعداد خلال حوارات القاهرة لقبول هذه الصيغة ولتقبل شركاء حقيقيين في القرار السياسي وفي إدراك الأوضاع في الساحة الفلسطينية، وكانت تطرح على الدوام أن من يرغب في المشاركة في القيادة الفلسطينية يمكنه ذلك من خلال الدخول في إطار منظمة التحرير الفلسطينية ومن غير المتوقع أن تغير حركة فتح المهيمنة على السلطة موقفها بسهولة بعد غياب عرفات ما لم تكن أمام خيارات معقدة، وهي ستسعى بكل قوتها للحفاظ على الوضع القائم من الهيمنة على القرار الفلسطيني.

أما صهيونيًا وأمريكيًا، فإن خيار القيادة الجماعية الموحدة يمكن أن يكون مقبولًا ومرحبًا به إن تم على قاعدة احتواء المعارضات الفلسطينية المسلحة ضمن الترتيبات السياسية لعملية التسوية بما يضمن إنهء مقاومتها للاحتلال، لكن الوضع يغدو مختلفًا إذا كان يعني احتفاظ حماس والجهاد الإسلامي بخيار المقاومة وفي الوقت ذاته تحقيقهما كسبًا سياسيًا مهمًا عبر مشاركات مؤثرة في مؤسسات القرار الفلسطيني.

السيناريو الثالث: الانقسام والصراع والفوضى

 في حال فشل الخيار الأول، خيار التوليفة القيادية من فريق أوسلو بسبب المعوقات العديدة داخل إطار فتح وخارجه، وفي حال سقط خيار القيادة الجماعية الموحدة بسبب اعتراضات فتح و(إسرائيل) والولايات المتحدة فإن خيار الفوضى والتناحر على السلطة لن يكون مستبعدًا. والشهور الماضية التي شهدت صراعًا قويًا على السلطة داخل فتح كاد يتحول إلى شكل من أشكال الصراعات الدموية، يظهر مدى جاهزية الحالة الفتحاوية لحالات تفسخ وانقسام واحتراب. 

صحيح أن التعصب للحركة والحرص على هيمنتها على القرار الفلسطيني أمر مسلم به لدى غالبية أوساط الحركة، لكن جملة عوامل داخلية تجعل تأثير هذا العامل يتراجع ولا يعود العامل الوحيد الحاسم في تحديد توجهات قياداتها وكوادرها، فخلال السنوات الماضية برزت عدة رؤوس وأقطاب ومراكز قوى متناحرة داخل الحركة يتهم كل منهم الآخر بأخطر الاتهامات وصولًا إلى حد الاتهام بالفساد والعمالة، وتنامت داخل الحركة حالة خطيرة من التشرذم والشللية لدرجة دفعت كثيرين إلى الحديث عن «فتوح متعددة داخل الحركة لا فتح واحدة». كما تضخم دور الأجهزة الأمنية، وحققت مكاسب ذاتية كبيرة وهيمنت على كثير من جوانب الحياة في الساحة الفلسطينية، وباتت ترى أن من حقها لعب أدوار سياسية مهمة في القيادة السياسية وفي اتخاذ القرار.

خيارات صعبة

من الواضح أن كل الخيارات صعبة وتعترض طريقها كثير من المعوقات، وهو ما سيبقي الباب مفتوحًا على كافة الاحتمالات. فمن سيحسم الأمر: الأطر القيادية لفتح والمنظمة، أم الشعب الفلسطيني والفصائل الفلسطينية، أم الأطراف الإقليمية المؤثرة أم تل أبيب وواشنطن؟ وكيف سيتعامل كل طرف من هذه الأطراف مع كل واحد من هذه الخيارات؟ وإذا كان استقرار الأوضاع على أيٍّ منها تحول دونه تحديات كثيرة، وإذا أضحت حالة اللا استقرار هي الأكثر ترجيحًا، فهل يفتح ذلك الباب مجددًا أمام البحث عن خيارات أخرى كالخيار الأردني في الضفة والمصري في قطاع غزة مثلًا؟ الأمر يستدعي قليلًا من التريث إلى أن تنجلي بعض ملامح الصورة. وقد يحتاج الأمر لأيام وربما أسابيع وقد يستغرق وقتًا أطول..

عبد الرحمن فرحانة

a_alyafee@hotmail.com

ضرورة الوحدة الوطنية والقيادة الموحدة

تتمتع الثقافة الوطنية الفلسطينية بثراء عال بمظاهر التنوع السياسي، كما أنها غنية بتقاليد التعددية السياسية ويعود ذلك لأسباب محلية وإقليمية بحالة خاصة.

هذا التنوع السياسي في الحالة الفلسطينية رغم عدم توافر الدولة بمؤسساتها المدنية والسياسية إلا أنها بقيت محصنة نسبيًا من عوامل الاحتكاك المفضية إلى حالة الاقتتال، وهذا ينطبق بدرجة عالية على النطاق الجغرافي لفلسطين التاريخية. فسنوات الانتفاضتين أعطت مثالًا بارزًا على قدرة الشعب الفلسطيني أن يقود نفسه حتى في غياب مؤسسات سلطوية تضبط حركة الحياة في الميدان.

ولعل دربة الشعب في أن يعيش بلا سلطان دولة فترات من الزمن أعطته خبرة خاصة في ضبط حركته بآليات أخرى، في ظل هيمنة أولوية المقاومة وشؤون التحرر من الاحتلال.

المعطى أعلاه لا يعني بالضرورة أن الشعب الفلسطيني متحرر من طبائع الظاهرة الإنسانية التي من تجلياتها الاحتكاك العنيف في غياب السلطة الضابطة لحركة الناس. بل إن المشهد الفلسطيني مكتنز بتغيرات اجتماعية وسياسية في اللحظة الراهنة تزيد من مؤشرات الخطورة على مستقبله.

 الفضيلة السياسية التي ينبغي أن يذكر بها في هذه الحالة الحرجة هي الوحدة الوطنية، لأنها الضمانة الأكيدة التي تجمع لحمة الشعب ومن خلالها تتوافر ضمانة كبيرة للمحافظة على مستقبل القضية ومصيرها في لحظة تاريخية في غاية الخطورة. وهي بدهية لا تحتاج لمناقشة أو برهنة.

ولكن.. كيف ستكون هذه الوحدة الوطنية؟ الحذر كل الحذر من أن تتحول هذه الفضيلة السياسية إلى بقرة مقدسة وباسمها يقوم بعض الأطراف بالتطاول على مقدرات الشعب ليمارسوا هيمنة على القرار الفلسطيني في ظل الاستبداد الفصائلي الذي كان قائمًا في حقبة أوسلو.

لا شكّ أن الحالة الفلسطينية لا تتمظهر في شكل دولة، وبالتالي لا يمكن لأدوات الدولة التقليدية أن تضبطها، وبعدًا آخر يزيد الحالة تعقيدًا أن القوى السياسية في الميدان غير متوافقة على برنامج سياسي موحد بالإضافة إلى المناخ الدولي السائد الذي يزيد الحالة تعقيدًا.

الحل الأمثل في هذه الحالة أن يرتفع الحس الوطني لدى القوى السياسية بأطيافها المختلفة لتتوافق على إنتاج قيادة وطنية موحدة تضم كافة الأطراف بأوزانها في الميدان.

ربما تتولد إشكالية حول المعيارية في تقاسم الجسم الذي سينتجه التوافق على هذه القيادة الموحدة، ولكن مهما اختلف الناس فإن منطق الأشياء يستلزم ألا تغيب قاعدة شراكة الدم تقتضي شراكة القرار، باعتبارها إحدى المعايير العادلة التي لا يشك أحد بأن الشعب يرتضيها، ومن المفترض أن تقبلها الفصائل كذلك.

المصلحة الاستراتيجية للشعب الفلسطيني تقتضي أن يرضخ الجميع لقواعد الاجتماع والسياسية والمنطق التاريخ أيضا، التي تدعو جميعها لإنتاج توافق سياسي بمعايير متفق عليها لصناعة هذه القيادة الموحدة، ولا داعي للتذكير بأن قسطًا كبيرًا من مكتسبات هذا الشعب في تاريخ نضاله الطويل قد تم إضاعتها بسبب غياب هذا التوافق الاستراتيجي.

على البعض أن يتحرر من ذهنية تاريخية النضال، وعلى الجميع أن يستدبر المصالح قصيرة المدى لمصلحة القضية الأم.

بطبيعة الحال ستميل بعض الأطراف الإقليمية للمساعدة في إنتاج قيادة فلسطينية جديدة بنكهة تتوافق مع المناخ الدولي السائد وهذا المنهج المزمن سيعقد الحالة الفلسطينية أكثر، وليس في صالح القضية الفلسطينية استراتيجيًا. المطلوب من هذه الأطراف أن تتحرر من هاجس الخوف من بعض القوى السياسية الفلسطينية، وبالتالي عليها أن تترك عملية الحراك السياسي الفلسطيني أن تعمل وفق خارطة الميدان الفلسطيني ووفق المزاج السائد للشعب الفلسطيني. لا نعني أن تتنصل هذه الأطراف من مسؤولياتها، فالبعد الإقليمي ضروري في إنتاج القيادة الفلسطينية، إنما المأمول أن تكون قاعدة التدخل على أساس مصلحة الشعب الفلسطيني وقضيته وليس وفق الأهواء الدولية.      

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل