; توضيحات على طريق الدعوة | مجلة المجتمع

العنوان توضيحات على طريق الدعوة

الكاتب عبدالله الطنطاوى

تاريخ النشر الثلاثاء 17-ديسمبر-1985

مشاهدات 68

نشر في العدد 746

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 17-ديسمبر-1985

دأبت الصحف الكويتية في الآونة الأخيرة، على إثارة موضوعات تمس جماعة الإخوان المسلمين ومبادئها ومواقفها الاستراتيجية.

ونحب هنا إن نقف مليًا عند اثنتين من المسائل المثارة لأهميتهما وخطورتهما، ولأنهما أذهلتا رجال الحركة الإسلامية، لغرابتهما على الفكر الإسلامي، ولبعدهما عن استراتيجية الإخوان المسلمين عبر تاريخهم الطويل ولمصادمتهما لآراء الإمام الشهيد حسن البنا -مؤسس الحركة ومرشدها الأول- ولإقلاقهما ضمير كل منتم إلى هذه الجماعة، مستهدين بما ورد في القرآن الكريم -دستور الجماعة- وبما قاله قائد الجماعة وزعيمها العظيم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبما كتبه الإمام الشهيد رحمه الله، وبالتاريخ الناصع الذي سطرته الجماعة عبر مسيرتها الجهادية المباركة:

المسألة الأولى:

موقف الإخوان المسلمين من العرب والوحدة العربية

  1. إن الله -سبحانه- قد اختار العرب من بين شعوب الأرض قاطبة لحمل رسالة الإسلام، وأداء أمانته، وجعل الكتاب عربيًا، وأكد ذلك في أحد عشر موضعًا من القرآن الكريم في قوله تعالى:
  • ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ (النحل: 103).
  • ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ (الشعراء: 195).
  • ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ۖ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُولَٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ (فصلت: 44).
  • ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (يوسف: 2).
  • ﴿وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ (طه: 113).
  • ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (الزمر: 28).

إلى آخر ما ورد من الآيات البينات التي ذكر الله فيها اسم العرب.

فهل تلغي هذه الآيات الكريمات من القرآن الكريم؟ أم ماذا؟ لأننا لا نعلم أنها آيات منسوخة.. ثم.. كيف نفسر قول الله تعالى عن هذا القرآن: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ (الزخرف: 44).

أما جاء بها ليؤكد مسؤولية العرب في التلقي والتبليغ ونشر الرسالة الخاتمة للبشر كافة؟

وردت أحاديث كثيرة تتحدث عن العرب وفضلهم، وتجعلهم من خير الشعوب والأمم، نذكر منها:

  • يتحدث الرسول صلى الله عليه وسلم عن نفسه وعن قومه العرب فيقول: «أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله خلق الخلق فجعلني في خيرهم...» الحديث.. (رواه الترمذي وحسنه).
  • وجعل الرسول الذي لا ينطق عن الهوى، الأئمة من قريش، أي من العرب فقال: «الأئمة من قريش، ولهم عليكم حق، ولكم مثل ذلك، ما إن استرحموا رحموا، وإن استحكموا عدلوا، وإن عاهدوا وفوا، فمن لم يفعل ذلك منهم، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منهم صرف ولا عدل».. (حديث صحيح).

وقد فسر العلامة التقي الورع الإمام الشيخ محمد الحامد -رحمه الله ورضي عنه- معنى «الأئمة من قريش» أي من العرب، لتوزع قريش في العرب، واختلاط أنسابها بأنسابهم.

  • وورد في الحديث الصحيح: «من أهان قريشًا أهانه الله».
  • ثم بماذا نفسر هذا الحديث المتوعد: «عن سلمان رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا سلمان لا تبغضني فتفارق دينك، قلت: يا رسول الله، كيف أبغضك وبك هدانا الله؟ قال: تبغض العرب فتبغضني».. حديث حسن صحيح.

فمن أبغض العرب أوشك أن يفارق دينه، والعياذ بالله.

  • وعن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني دعوت للعرب فقلت: اللهم من لقيك منهم معترفًا بك، فأغفر له أيام حياته، وهي دعوة إبراهيم وإسماعيل، وإن لواء الحمد يوم القيامة بيدي، وأن أقرب الخلق من لوائي يومئذ: العرب» (رواه الطبراني)، وقال الهيثمي: رجاله ثقات.

إلى آخر ما هنالك من أحاديث كلها تدعو إلى حب العرب، وأنهم إذا عزوا عز بهم الإسلام، وإذا ذلوا ذل بذلهم الإسلام.

  1. وإذا انتقلنا إلى مؤسس جماعة الإخوان المسلمين الإمام الشهيد حسن البنا -رضي الله عنه وأرضاه- وجدنا لديه كلامًا يخرج من هذه المشكاة، ينص على ما لم ينص على مثله سواه، من دعوة إلى الوحدة العربية، وتأكيد على أن مسؤولية العرب في حملهم لرسالة الإسلام، وائتمانهم عليها.. وهذا ما عرفه أعداء هذه الأمة، فتأمروا على العرب والمسلمين معًا، وحاولوا الفصل بينهم.. بل إن الأستاذ البنا قد نص على الوحدة العربية والتعاون الإسلامي في آخر نظام أساسي للإخوان المسلمين، أصدره قبل استشهاده بأحد عشر شهرًا في آذار «مارس» 1948 ووقع عليه كل من الإخوة الأساتذة: حسن البنا، وعبد الحكيم عابدين، وصالح العشماوي وطاهر الخشاب.

وفي رسائل الإمام الشهيد اعتراف بل واعتزاز بالعرب، وقد اعتبر السير على المنهاج الإسلامي «تقوية للوحدة العربية أولًا، ثم الوحدة الإسلامية ثانيًا، وقال: «وتحتاج الأمم الناهضة إلى الاعتزاز بقوميتها كامة فاضلة مجيدة، لها مزاياها وتاريخها، حتى تنطبع الصورة في نفوس الأبناء، فيغذون ذلك المجد والشرف بدمائهم وأرواحهم، ويعملون لخير هذا الوطن وإعزازه وإسعاده».

وقال -رحمه الله- في رسالته: «دعوتنا في طور جديد»:

«والعروبة أو الجامعة العربية لها في دعوتنا كذلك مكانها البارز، وحظها الوافر، فالعرب هم أمة الإسلام الأولى، وشعبه المتخير، وبحق ما قاله صلى الله عليه وسلم: إذا ذل العرب ذل الإسلام، ولن ينهض الإسلام بغير اجتماع كلمة الشعوب العربية ونهضتها، وإن كل شبر أرض في وطن عربي تعتبره من صميم أرضنا، ومن لباب وطننا.. فهذه الحدود الجغرافية والتقسيمات السياسية لا تمزق في أنفسنا أبدًا معنى الوحدة العربية الإسلامية التي جمعت القلوب على أمل واحد، وهدف واحد، وجعلت من هذه الأقطار جميعًا أمة واحدة، مهما حاول المحاولون وافترى الشعوبيون».

ويتابع الإمام الشهيد فيختم هذه الفقرة بقوله: «ونحن نعتقد أننا حين نعمل للعروبة نعمل للإسلام ولخير العالم كله».

وفي رسالة المؤتمر الخامس، يقول رحمه الله:

«إن هذا الإسلام الحنيف نشأ عربيًا، ووصل إلى الأمم عن طريق العرب، وجاء كتابه الكريم بلسان عربي مبين وتوحدت الأمم باسمه على هذا اللسان، يوم كان المسلمون مسلمين، وقد جاء في الأثر: إذا ذل العرب ذل الإسلام، وقد تحقق هذا المعنى حين دال سلطان العرب السياسي، وانتقل الأمر من أيديهم إلى غيرهم من الأعاجم والديلم ومن إليهم، فالعرب هم عصبة الإسلام وحراسه».

  • وأحب هنا أن ننبه إلى أن الإخوان المسلمين، يعتبرون العروبة كما عرفها النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه ابن كثير عن معاذ بن جبل رضي الله عنه: «إلا أن العربية اللسان إلا إن العربية اللسان».

«ومن هنا كانت وحدة العرب أمرًا لا بد منه لإعادة مجد الإسلام، وإقامة دولته، وإعزاز سلطانه، ومن هنا وجب على كل مسلم أن يعمل لإحياء الوحدة العربية وتأييدها ومناصرتها، وهذا هو موقف الإخوان المسلمين من الوحدة العربية».

بقى علينا أن نحدد موقفنا من الوحدة الإسلامية - والحق أن الإسلام كما هو عقيدة وعبادة، هو وطن وجنسية، وأنه قد قضى على الفوارق النسبية بين الناس فالله تبارك وتعالى يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الحجرات: 10)، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «المسلم أخو المسلم»، والمسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم.

وضح إذن أن الإخوان المسلمين يحترمون قوميتهم الخاصة باعتبارها الأساس الأول للنهوض المنشود ولا يرون بأسًا بأن يعمل كل إنسان لوطنه وأن يقدمه في الوطن على سواه، ثم هم بعد ذلك يؤيدون الوحدة العربية باعتبارها الحلقة الثانية في النهوض ثم هم يعملون للجامعة الإسلامية باعتبارها السياج الكامل للوطن الإسلامي العام - ولي أن أقول بعد هذا إن الإخوان يريدون الخير للعالم كله فهم ينادون بالوحدة العالمية لأن هذا هو مرمى الإسلام وهدفه ومعنى قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107).

وما نظننا في حاجة إلى شرح أو تعليق على هذه الكلمات القواطع الموانع لمؤسس الحركة الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله تعالى.

المسألة الثانية: القضية الفلسطينية

  1. نحب أن نؤكد منذ البداية أن تحرير فلسطين هو واجب العرب والمسلمين جميعًا، داخل الأرض المحتلة وخارجها، وليس مقصورًا على الفلسطينيين عامة، وعلى من يعيشون تحت وطأة الاحتلال الصهيوني خاصة، وهو واجب الحركة الإسلامية بشكل خاص، هذه الحركة التي اهتمت بهذه القضية منذ بداية نشأتها، وجعلتها قضيتها المركزية التي دفعت كتائب الإخوان المسلمين في كل من مصر بقيادة الإمام الشهيد وإشرافه، ومن سوريا بقيادة الدكتور مصطفى السباعي -المراقب العام للإخوان المسلمين في سوريا ولبنان- ومن الأردن بقيادة الأخ عبد اللطيف أبو قورة، بل لقد هبت كتائب الإخوان من سائر الدول العربية في فلسطين، وقاتلت هناك، وقدمت مواكب الشهداء تلو المواكب على بطاح الأرض المقدسة، بل إن استشهاد الإمام البنا كان بسبب فلسطين، وهذه حقيقة يعرفها الناس في بلاد العرب والمسلمين كما يعرفها الأعداء.
  2. وتبعًا لهذه القضية، لا بد لنا من أن نقول كلمة حول منظمة التحرير الفلسطينية.

وهنا نحب أن نقول إنه بالرغم من خلافاتنا المبدئية والاستراتيجية مع منظمة التحرير وما توجهه لها من نقد موضوعي لأفكارها الأساسية وطرق عملها التي نراها لا تنبع من روح الإسلام الذي يدين به الشعب الفلسطيني.

وانجرارها وراء مشاريع التسوية الدولية، إلا أن ذلك لا يمنع في الاعتراف لها بفصل جذب الانتباه لمعاناة الشعب الفلسطيني واستقطاب الشعب الفلسطيني نحو قتال اليهود وإبقاء القضية جثة في السياسة العربية والدولية.

  1. أما عن حق إسرائيل في العيش بالحق والعدل، فإننا نقول:

إننا منذ البداية نقول: ليس العربي ولا المسلم كائنًا من كان، أن يعترف بإسرائيل مهما كانت الأسباب والدواعي، فإسرائيل هي العدو الأول والأخير للعرب والمسلمين بل وللإنسانية جمعاء، والاعتراف بها يتعارض مع الإسلام ومع مبادئ الإخوان، ولسوف يبقى الإخوان على عهدهم في تمسكهم بمبادئهم وإسلامهم في حربهم لإسرائيل وسائر صهاينة العرب والعجم، مهما كلفهم ذلك من تضحيات وشهداء وآلام ودموع.

وأخيرًا وليس آخر، نقول بصوت مسموع: لا يملك كائن من كان على ظهر الأرض، فلسطينيًا كان أم عربيًا أم مسلمًا، أم شرقيًا أم غربيًا أن يساوم على حفنة تراب من أرض فلسطين، سواء أكانت يافا وحيفا، أم في الضفة الغربية وقطاع غزة، ففلسطين أمانة في عنق العرب، لأنها وبلاد الشام قلب الوطن العربي، وأمانة كل المسلمين، وهي مهوى أفئدتهم، وموطن أولى القبلتين وثالث الحرمين، وعهدًا لله، أن نبذل الأرواح والمهج لتطهيرها من رجس الصهيونية، وتطهير بلاد الشام من دنس الحكم الطائفي، لتعود أمتنا كما كانت، خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله، وتحمل مشاعل النور إلى العالمين.

الرابط المختصر :