; تهاوي صروح أهل السُّنة في العراق.. "الوقف السُّني" نموذجاً | مجلة المجتمع

العنوان تهاوي صروح أهل السُّنة في العراق.. "الوقف السُّني" نموذجاً

الكاتب محمد الطائي

تاريخ النشر الأربعاء 01-يوليو-2015

مشاهدات 72

نشر في العدد 2085

نشر في الصفحة 58

الأربعاء 01-يوليو-2015

قرار اختيار رئيس الوقف السُّني صدر من الحكومة العراقية الخاضعة لإدارة الجنرال "قاسم سليماني"

حيدر العبادي تجاهل ترشيحات المجمع الفقهي العراقي لكبار العلماء وعيَّن عبداللطيف الهميم لرئاسة الوقف

خطورة قرار العبادي تكمن في شق الصف وتقسيم الشارع السُّني لتيسير اختراقه من جانب مهندسي المشروع الإيراني

سياسيو أهل السُّنة يظهرون بلا حول ولا قوة ولا يملكون سوى الشجب والإدانة في مواجهة هذا الانتهاك الخبيث من قبل رئيس الوزراء العراقي

لم يفق أهل السُّنة في العراق بعد من شدة الضربات الأخيرة التي وجهها لهم الائتلاف الوطني الشيعي والتي أطاحت برموز سياسية لهم كانوا على ثغرات مهمة؛ كمحافظ نينوى، ومحافظ ديالى، واعتقال وكيل وزارة الهجرة والمهجرين، والقائمة تمضي وتطول.. حتى وقع خبر تعيين رئيس جديد لديوان الوقف السُّني بطريقة إقصائية فردية من قبل حيدر العبادي على رؤوسهم كالصاعقة!

فبعد الاحتلال الأمريكي للعراق، وتشكيل مجلس الحكم آنذاك، جرى إلغاء وزارة الأوقاف والشؤون الدينية والتي كانت تُعنى بالشؤون الدينية والأوقاف في العراق عامة لكل الديانات والطوائف، وتم بعدها استحداث ثلاثة دواوين للأوقاف؛ سُنية وشيعية، ومسيحية، على أن يتم اختيار رئيس لكل ديوان من خلال المرجعية الدينية لكل دين أو طائفة، وهذا ما جرى عليه العرف بالنسبة لديوان الوقف الشيعي والمسيحي.

تقسيم الشارع السُّني

أما الوقف السُّني، فإن حسابات اختيار رئيسه مختلفة عند حكومة بغداد ومن يديرها من طهران أو من بغداد كما يفعل الجنرال قاسم سليماني اليوم! فقد اعتادت الحكومة العراقية مضايقة ترشيح أي مسؤول سُني قوي يطالب بحقوق طائفته المسلوبة، ومنعه من تولي أي منصب مؤثر؛ من خلال محاولة تشويه سمعته بتلفيق التهم الكيدية له، وإلصاق جرائم الإرهاب الجاهزة به، والوقائع مليئة بهذه الأمثلة.

واليوم يلعب ثعلب الائتلاف الوطني الشيعي المراوغ حيدر العبادي لعبته؛ ليخرق هذا التشريع والعرف السائد، ويتجاهل ترشيحات مرجعية أهل السُّنة في العراق والمتمثلة بالمجمع الفقهي العراقي لكبار العلماء، والذي يرأسه فضيلة الشيخ أحمد حسن الطه، ويعين د. عبداللطيف الهميم (الشخصية المثيرة للريبة) رئيساً لديوان الوقف السُّني، متذرعاً بضغوط كبيرة يتعرض لها من جهات سياسية سُنية متعددة قدمت له عدة أسماء لتشغل هذا المنصب، بينما لم يتحدث العبادي عن ضغوط مشابهة في المناصب المماثلة للشيعة والمسيحيين!

وتكمن خطورة هذه الخطوة التي اتخذها العبادي برفع يد المرجعية السُّنية عن مراكز صنع القرار في الوسط السُّني الديني، ووضع الاعتبار والتقدير لمجموعات سُنية صغيرة لا تمتلك الأهلية ولا الجماهيرية تدعي تمثيلها لأهل السُّنة في خطة "عبادية" خبيثة عجز المالكي عن تنفيذها لشق الصف وتقسيم الشارع السُّني ليسهل اختراقه من دهاقنة المشروع الإيراني!

اعتراضات

ورافق خبر تعيين الهميم اعتراضات من أطراف سياسية سُنية متعددة؛ مثل اتحاد القوى العراقية الممثل السياسي لأهل السُّنة في العراق ومكوناته مثل ائتلاف "متحدون".

وكان المجمع الفقهي العراقي لكبار العلماء قد أعلن رفضه في 31 مايو الماضي تسييس الوقف السُّني، مطالباً رئيس الوزراء حيدر العبادي الالتزام بحسم رئاسة الوقف وعدم التراخي في ذلك.

وأشار في بيان له إلى أن المجمع الفقهي العراقي هو الجهة الشرعية الوحيدة المخولة قانوناً بإسناد رئاسة ديوان الوقف السُّني لذوي الخبرة والكفاءة؛ ولذلك فإن المجمع يرفض أن يدخل الوقف السُّني في أي مساومات أو مزايدات سياسية، ويؤيده في حمل هذه الأمانة العلماء والأئمة والخطباء المخلصون في العراق وغيرها، ومن حقه أن يتبع كل الإجراءات التي تعينه على أداء هذه الأمانة.

كذلك أعلن اتحاد القوى العراقية رفضه لقرار رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي تعيين رئيس للوقف السُّني بعيداً عن التوافق السياسي، ومن دون الرجوع إلى المجمع الفقهي العراقي، الجهة الوحيدة المخولة للبت في هذا الأمر.. وقال رئيس الكتلة النيابية لتحالف القوى العراقية أحمد المساري في بيان للكتلة: إن هذا القرار يمثل خرقاً للاتفاقات السياسية التي تشكلت بموجبها حكومة العبادي، وتجاوزاً على المجمع الفقهي صاحب الحق الشرعي والقانوني في ترشيح من يشغل منصب رئاسة الوقف السُّني.

وحذر المساري من عدم الالتزام بالاتفاقات السياسية، وانعكاسات ذلك على مجمل ما تم الاتفاق علية سابقاً، مؤكداً أن التداعيات الخطيرة التي يشهدها العراق وما يواجهه من تحديات خطيرة على الصعيدين الداخلي والخارجي يستدعي الحرص المتبادل على تنفيذ الاتفاقات السياسية بدقة، وحشد كل الطاقات للقضاء على الإرهاب بكل أشكاله.

وتساءل عن سبب عدم اعتماد رئيس الوزراء لأي من مرشحي المجمع الفقهي الذين يحظون باحترام وتقدير المرجعيات الدينية السُّنية وعموم جمهور المكون السُّني.

ترحيب شيعي

أما التحالف الوطني الشيعي فرحب بهذا الاختيار الجريء للعبادي! حيث وصفت النائبة عن التحالف الوطني عالية نصيف اختيار الهميم لرئاسة الوقف السُّني بـ"الاختيار الموفق"، ودعت إلى جعل الوقف السُّني منبراً للوحدة الوطنية والمودة والتآخي بين العراقيين على اختلاف مذاهبهم وأديانهم، وأن يكون له دور مؤثر في محاربة الإرهاب واستئصال الأفكار المتطرفة من جسد المجتمع، على حد قولها.

ومن جانبه، قال رئيس الوقف السُّني العراقي الجديد عبداللطيف الهميم في 11 يونيو الماضي: إن من بين أهم أولوياته الانفتاح على العالمين العربي والإسلامي، وتوحيد الخطاب الديني، وإعادة اللحمة الوطنية بين أبناء الشعب العراقي من خلال إشاعة منهج الوسطية والاعتدال.

وقال الهميم لجريدة "الشرق الأوسط" اللندنية في أول تصريح لوسائل الإعلام منذ صدور قرار تعيينه في منصبه الجديد رئيساً للوقف السُّني بدرجة وزير: إن الوقف السُّني مؤسسة دينية مهمة؛ وبالتالي فإنها مؤهلة لأن تقوم وفي إطار برنامج عمل قادم بالانفتاح على المرجعيات الدينية الإسلامية في العالمين العربي والإسلامي، بما يعيد لبغداد مجدها الحضاري والفكري، ولعراق يراد له أن يبقى معزولاً ومحاصراً، مشيراً إلى أنه يمتلك علاقات واسعة مع كبار علماء الأمتين العربية والإسلامية؛ بما يجعله مؤهلاً لأداء مثل هذا الدور المهم في المرحلة المقبلة بهدف التهدئة والتقريب.

ورداً على سؤال بشأن الخلاف الذي أثير حول تعيينه، لاسيما مع تحالف القوى العراقية (الكتلة السُّنية الكبرى في البرلمان)، قال الهميم: إن ما يهمني هو المهمة الثقيلة التي كلفت بها من قبل رئيس الوزراء، وأسال الله أن يمكنني من النهوض بها بعيداً عن الخلافات والصراعات التي نعيشها منذ سنوات، وهي في الغالب صراعات سياسية وليست طائفية أو مذهبية، حيث نرى أن الوحدة في التنوع لا في الاختلاف.

سقوط الوقف

وهكذا يودع أهل السُّنة في العراق واحدة من أهم حصونهم التي كانوا يلوذون بها وسط التهديدات والتحديات التي تعصف بهم، بينما يظهر سياسيو أهل السُّنة وكأنهم لا حول لهم ولا قوة في مجابهة هذا الانتهاك الخبيث للعهود والمواثيق من قبل رئيس الوزراء العبادي والائتلاف الوطني الشيعي من ورائه.. فهم لا يقدرون إلا على التصريحات الإعلامية بالشجب والاستنكار، في حين نرى الترحيب الواسع لهذا التعيين في الأوساط الشيعية وهم يرون منبراً جديداً لأهل السُّنة كان يؤرقهم ويفضح جرائمهم ويطالب بحقوق المظلومين من أهلهم يسقط بأيديهم من خلال الإتيان برئيس جديد له من صنع أيديهم، رئيس معروف التاريخ والتوجهات والنوايا، وإن غداً لمن يريد أن يتعرف على الهميم لقريب!

 

الرابط المختصر :