العنوان تنسيق بين مصر وتركيا لترسيخ دعائم الشرق الأوسط الجديد
الكاتب محمد العباسي
تاريخ النشر الثلاثاء 17-مايو-1994
مشاهدات 76
نشر في العدد 1100
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 17-مايو-1994
مساعٍ لتشكيل لجنة أمنية لمواجهة الحركات الإسلامية في المنطقة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني
تأتي زيارة الرئيس التركي سليمان دميريل للقاهرة - التي تمت يوم السبت الموافق 7 من الشهر الجاري التي استغرقت عدة ساعات حيث وصفت بأنها زيارة عمل في إطار التعاون الثنائي المكثف بين كل من أنقرة والقاهرة - لدفع عملية السلام في الشرق الأوسط ومواجهة تنامي الصحوة الإسلامية في المنطقة والتي تعتبرها العاصمتان رافداً للإرهاب الدولي - على حد التنظير السياسي لكلا الجانبين - وهو الأمر الذي يعطي أهمية قصوى لزيارة الساعات القليلة.
وكان الرئيس المصري حسني مبارك قد اتصل هاتفياً بالرئيس التركي وأبلغه كافة التفاصيل المرتبطة بتوقيع اتفاق غزة – أريحا الذي عقد في القاهرة وضرورة عمل لقاء بين الزعيمين للتشاور حول آليات دفع العملية السلمية لخلق الجو المناسب لاستقرار المنطقة والتي تعتبر أنقرة والقاهرة عمودي الارتكاز الأساسيين فيها.
وتأتي زيارة ديميريل للقاهرة على نفس أهمية زيارة مبارك لأنقرة في بداية فبراير الماضي والتي وصفت أيضاً بأنها زيارة عمل تمت بناءً على دعوة من الرئيس ديميريل بالهاتف أيضاً لتبادل وجهات النظر لدفع ما يسمى بعجلة السلام، حيث كان الرئيس التركي قد نجح أثناء عقد قمة دافوس في عقد لقاء ثنائي بين كل من ياسر عرفات زعيم منظمة التحرير الفلسطينية وشيمون بيريز وزير الخارجية الإسرائيلي، وذلك بناءً على طلب من عرفات، وهو الأمر الذي دفع أنقرة لإثبات وجودها السياسي في عملية المفاوضات فنجح ديميريل في ترتيب اللقاء.
كما أن الرئيس الصهيوني عيزرا وايزمان كان قد قام أيضاً بزيارة لأنقرة خلال شهر يناير الماضي وتم خلال لقاء مبارك - ديميريل في أنقرة تبادل وجهات النظر حول نتائج تلك الزيارة بالإضافة إلى القضايا الإقليمية والدولية وإبلاغ مبارك بتفاصيل ما تم الاتفاق عليه سواء في دافوس أو مع الرئيس الصهيوني وكيفية التحرك المشترك على أرضيته.
وفي اللقاءين المصري التركي، والصهيوني التركي تمت مناقشة تفاصيل مشروع البنية الإقليمية التي تتبناها تركيا تحت اسم «مؤتمر الأمن والتعاون الشرق أوسطي»، وهو الذي سيضمن لتركيا دوراً مؤثراً في الإطار الإقليمي مما سيعطيها أهمية قصوى لدى النظام العالمي الجديد مثلما كان لها أهمية أثناء الحرب الباردة والنظام الثنائي القطبية، وهو ما يدفع تركيا لبذل جهودها لضمان هذا الموقع الذي لا يمكن تحقيقه بدون الدعم المصري وهو ما تقدره تركيا وكذلك بدون احتواء الحركة الإسلامية الرافضة للسلام العربي - الصهيوني.
وتؤكد معلومات لـ «المجتمع»، أن الرئيس التركي ناقش مرة أخرى مع نظيره المصري إمكانية تحقيق المخطط التركي خاصة بعد توقيع اتفاقية غزة - أريحا وتنامي الاتصالات العربية الإسرائيلية مثلما هو الأمر مع بعض الدول العربية والخليجية وضرورة ممارسة القاهرة لنفوذها لدى الدول العربية الأخرى للدخول في نفس المسار خاصة وأن الاقتراح التركي لتشكيل البنية الإقليمية الجديدة في الشرق الأوسط يتضمن ضم دول مجلس التعاون الخليجي بالإضافة إلى مصر وتركيا وإسرائيل لتكون أساس النظام الجديد.
واتفق الجانبان على أن اتفاق غزة – أريحا سيساهم في تحقيق الاقتراح التركي خاصة وأن عناصر المثلث الاستراتيجي الثلاثة في المنطقة مصر - تركيا - إسرائيل توافق من حيث المبدأ على إقامة البنية الجديدة بعد إزالة العقبات الرئيسية من أمامها وهي من وجهة نظر تركيا دفع العملية السلمية في المنطقة وإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي واحتواء الحركة الإسلامية وتدجينها، ولا يمكن النجاح في تحقيق الهدفين إلا بالتعاون الثلاثي بين الدول الثلاث وإن كانت القاهرة وتل أبيب تريان أن عدم توقيع اتفاقية تقسيم المياه بين تركيا وكل من سوريا والعراق سيكون عقبة أمام إقامة البنية الجديدة خاصة وأن القاهرة تعمل على ضم دمشق للبنية الجديدة خشية أن تقوم مع طهران والقوى الإسلامية الأخرى بتشكيل بنية معارضة مما يؤدي إلى دخول المنطقة برحلة استقطابات جديدة تساهم في زيادة حدة التوتر، وهو ما أبدى سليمان ديميريل تفهمه ووعد بتحقيقه لخدمة الأهداف الاستراتيجية لتركيا والدول الثلاث معاً، كما تم الاتفاق على دعم تركيا لمشروعات غزة - أريحا بشكل كبير لضمان موقع لها في العملية السلمية وإنجاحها خاصة وأن الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي يميلان إلى التعاون مع تركيا في هذا الإطار.
وحول وسائل مواجهة الإرهاب في الشرق الأوسط وتقليم أظافر الحركة الإسلامية اتفق الجانبان على مواجهتهما معاً على أرضية استراتيجية تعتمد على المعلومات الغربية، وأنه في ضوء الإحصاءات المستقبلية لعام 2025 تشير إلى أن عدد سكان مصر سيكون 105 ملايين و100 مليون في تركيا، وهو الأمر الذي يعني ازدياد المشاكل مع زيادة السكان خاصة في ظل التفسير الاقتصادي للأزمة، حيث تؤكد الدراسات الأمريكية أن المشكلة الاقتصادية وراء تنامي الظاهرة الإسلامية، ولذلك فإن الحل الاقتصادي والاجتماعي لاحتواء الأزمة ضرورة لازمة خاصة في ظل فشل التدابير الأمنية التي تتبعها مصر ضد الحركة الإسلامية والتي تؤدي إلى استفحال حدة الأزمة، وبالتالي فإن استمرار الوضع كما هو عليه دون مواجهته بشكل تكتيكي واستراتيجي سيقضي على الأنظمة السياسية الحالية في المنطقة ويخلق مشاكل كبرى للجميع، ولذلك فإن مؤتمر الأمن والتعاون الشرق أوسطي سيكون الدرع الواقي للمنطقة من إمكانية حدوث ذلك – على حد قول المصادر.
وتم الاتفاق على التعاون الثنائي لمواجهة الإرهاب - على حد قول المصادر - وضرورة تشكيل تكتل إقليمي يضم كلاً من تركيا ومصر وإسرائيل والجزائر وتونس لمواجهة الحركة الإسلامية وتبادل الخبرات في هذا المجال، وستجتمع قريباً لجنة أمنية تركية - مصرية لوضع أسس التنسيق والتعاون الأمني خاصة وأن القاهرة لم تخفِ قلقها من تنامي نفوذ حزب الرفاه الإسلامي في تركيا الذي يخترق عراقيل مع نمو الحركة الإسلامية عبر الخطوط الديمقراطية، وتم الاتفاق على القيام بعمليات مشتركة لاحتواء وتطويق الحركة الإسلامية في البلدين.
وكانت تركيا و«إسرائيل»، قد وقعتا اتفاقية للتعاون المشترك في مواجهة الإرهاب والحركة الإسلامية، وكذلك فعلت أنقرة مع تونس، وسيتم عمل لجنة أمنية دائمة بين كل من مصر والكيان الصهيوني وتركيا تشارك فيها دول أخرى لتبادل المعلومات حول الحركة الإسلامية وكيفية مواجهتها وذلك بالتعاون مع واشنطن التي تولي الملف الإسلامي حالياً أهمية قصوى، كما سيتم إشراك بغداد بشكل غير رسمي في أعمال اللجنة خاصة وأن تنامي الحركة الإسلامية في شمال العراق بين الأكراد بدأ يشكل مخاوف حقيقية لدى نظام بغداد ولدى الزعامات الكردية التقليدية جلال طالباني ومسعود برزاني.
وعلى صعيد التعاون الثنائي بين مصر وتركيا تم الاتفاق على زيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين والدخول في مشروعات مشتركة وسيتم توقيع المزيد من الاتفاقيات عند زيارة عاطف صدقي رئيس الوزراء المصري المتوقعة لتركيا خلال الصيف المقبل.
رغم أن الثمانينيات كانت فترة انتعاش العلاقات التركية العربية، إلا أنه لا يمكن تجاهل حقيقة أن سياسة التقارب مع الدول العربية بدأت مع تولي حزب العدالة بزعامة سليمان ديميريل الحكم عام 1965م حيث إنه البادئ بهذه السياسة، والحوار بين تركيا ومصر بدأ بشكل جدي بعد زيارة إحسان صبري وزير الخارجية التركي للقاهرة عام 1970م، ورد محمود رياض وزير الخارجية المصري آنذاك الزيارة عام 1971م حيث تعتبر هاتان الزيارتان الرسميتان الأوليان منذ عام 1922م، واستمرت العلاقات فيما بعد تتحسن تدريجياً.
وعند توقيع اتفاقية كامب ديفيد 1978م وقفت تركيا على الحياد رغم أن الحكومة التركية بزعامة بولنت أجاويد آنذاك أصدرت في اليوم التالي لتوقيع الاتفاقية بياناً رسمياً جاء فيه: «ينبغي أن تحل مشكلة الشرق الأوسط بالوسائل السلمية، وللوصول إلى حل شامل يجب إيجاد اتفاق دائم ويتحتم على إسرائيل الجلاء عن الأراضي العربية المحتلة والقطاع العربي من القدس المحتلة ليمكن تحقيق ذلك، مع الاعتراف بالحقوق المشروعة للفلسطينيين بما في ذلك حقهم في إقامة دولة لهم».
ولم تقدم تركيا على إدانة مصر، رغم ذلك البيان، بل إن كنعان إيفرين قائد انقلاب 1980م، والرئيس التركي السابق قام بمجهود كبير سنة 1984م أثناء المؤتمر الإسلامي في الدار البيضاء لاسترداد مصر لعضويتها في المنظمة، وزار مصر عام 1985م، كما زار حسني مبارك تركيا عدة مرات، حيث شهدت العلاقات التركية - المصرية أفضل عهودها في عهد حكم الرئيس مبارك الذي يرى أهمية قصوى في التعاون المصري - التركي في المنطقة.
ومن هنا تأتي أهمية زيارة ديميريل للقاهرة التي يخطط لها منذ 24 سنة على حد قوله، حيث إنها الزيارة الأولى له إلى مصر، رغم أن الرئيس الراحل تورغوت أوزال كان قد زار مصر عدة مرات.
وحرص ديميريل أثناء زيارته على زيارة قبر الرئيس الراحل أنور السادات الذي بدأ العملية السلمية مع إسرائيل، في إشارة ذات دلالة على احترامه وتأييده لخط الرئيس الراحل.