العنوان تنثر الملح على الجروح وتشيع الكراهية وتبعث الأحقاد- القنوات الفضائية العراقية .. تكريس للفتنة والطائفية وفضائح بالجملة
الكاتب اكرم عبدالرزاق المشهداني
تاريخ النشر السبت 27-مايو-2006
مشاهدات 73
نشر في العدد 1703
نشر في الصفحة 28
السبت 27-مايو-2006
• التكاثر الأخطبوطي المشبوه للفضائيات (المنسوبة) للعراق يجعلنا نطرح سؤالًا: ألم يكن أجدى بمن وضعوا ملايين الدولارات في إنشائها أن يصرفوا تلك الأموال على إنشاء خدمات يحتاجها المواطن العراقي؟
• صارت وسيلة بائسة ومستهلكة ومفضوحة لتلميع بعض السياسيين وتحسين صورتهم بالتزييف والمبالغة
• أليس من حق العراقي المسكين الذي يعاني التخمة من المشاكل والمحن أن يتساءل: هل نحن فعلا بحاجة إلى هذه الفضائيات؟ أم بحاجة إلى أمن واستقرار وإعادة الحياة إلى الخدمات؟
من الظواهر المثيرة للدهشة تعدد القنوات الفضائية العراقية (أو المنسوبة إلى العراق) التي تتجاوز حوالي (٢٥) قناة بمختلف التسميات, وربما العدد أكثر من ذلك، ومن مختلف التوجهات السياسية والطائفية والعرقية، ولا أدري بالضبط كم عدد هذه القنوات التي تبث من داخل العراق!
وهذا الأمر يعيد الذاكرة إلى أيام الحرب اللبنانية سيئة الصيت (۱۹۷۵-۱۹۹۰) حين وصل عدد محطات التلفزيون المحلية حوالي (۸۰) محطة, ووقتها لم تكن الفضائيات قد ظهرت بعد. ونتذكر كيف كانت تلك المحطات جزءًا مكملًا للحرب الداخلية الطائفية وكيف كانت (أداة) في استمرار وقود إشعال نار الفتنة وبث الكراهية، ولكننا ندعو الله تعالى مخلصين ألا تكون (كثرة) القنوات العراقية اليوم مقدمة أو نذيرًا لحرب مماثلة أو تكرارًا لمأساة لبنان.
محنة أليمة
من حق كل مواطن عراقي حصيف أن يتساءل اليوم: هل العراقيون فعلًا بحاجة إلى هذا العدد الهائل غير المعقول من القنوات التلفزيونية، في وقت يعاني العراق من محنة أليمة بسبب الغزو والاحتلال تجسدت في فقدان الأمن وغياب سلطة الدولة وضياع هيبة القانون؟
والمؤسف أكثر أن عددًا كبيرًا من هذه المحطات لا يخدم توجهات الوحدة الوطنية العراقية أو بناء العراق الديمقراطي؛ لأنها تنطلق من منطلقات (طائفية) وتكرس للفتنة وتعمل على تمزيق لحمة الشعب العراقي بدلًا من توحيده، نتيجة بثها للنعرات الطائفية والعنصرية وتشجيعها على الكراهية.
كما أن بعض هذه المحطات صار وسيلة بائسة ومستهلكة ومفضوحة لتلميع بعض السياسيين وتحسين صورتهم بالتزييف والتدجيل والمبالغة.
ولو اقتصر الأمر على المحطات الأرضية لصبرنا وتحملنا وسكتنا لكن مشكلتنا صارت فضائية, وعدد من هذه الفضائيات يقوم بنشر غسيلنا «القذر» أمام العالم وأقصد به الطائفية والتحزب!
ثم أليس من حق العراقي المسكين الذي يعاني التخمة من المشاكل والمعاناة والآلام والمحن أن يتساءل: هل نحن فعلًا بحاجة إلى هذه الفضائيات؟ أم نحن بحاجة إلى أمن استقرار وإعادة الحياة إلى الخدمات؟ خاصة وأن المطلعين على شؤون البث لفضائي ومستلزماته وتكلفته اليوم يتساءلون: من أين كل هذه الأموال الطائلة لتفريخ الفضائيات العراقية؟ فبعض هذه الفضائيات تجاوزت ميزانيتها ٥٠ مليون دولار, ويقال: إن إحداها زادت ميزانيتها على المائة مليون دولار!! وهناك أدلة على أن دولًا وأطرافًا وقوى معينة تتكفل بدفع تكاليف عدد من هذه الفضائيات، بما فيها سلطة الاحتلال, وتوفر لها الملاذ الآمن تحقيقًا لسياسات ومقاصد سياسية مغرضة تريد السوء بالعراق!
ولا يمكن أن نقتنع بسهولة بأن عددًا ضئيلًا من الإعلانات التجارية يمكن أن يجعل تلك الفضائيات تقوى على الديمومة, ويسد نفقات استمرارها!
وبسبب الوضع الأمني المتدهور في العراق, الذي تحاول بعض الفضائيات أن تصوره (جنة للأمان والرخاء والديمقراطية!) فقد تم إنشاء معظم هذه الفضائيات خارج العراق بسبب النقص في الكوادر والملكات العراقية في تلك الدول, باتت تلك الفضائيات تلجأ إلى تعيين مواطني الدول المستضيفة لتلك القنوات, حتى طغى عليها طابع البلد الذي تبث منه، فقناة ما حين تشاهدها تشعر كأنك تشاهد (قناة لبنانية) فالمذيع لبناني ومقدمة البرامج اللبنانية والجمهور المستضاف للبرامج الحية المسجلة جمهور لبناني.. وكذا الحال لتلك التي تبث من مصر وغيرهما.. ولا ندري فربما في الوقت القريب نشاهد قناة عراقية تبث من جيبوتي؟ أو من الصومال؟ وتدعي للعالم أن العراق بات واحة للحرية..! وشر البلية ما يضحك!
الحرية الإعلامية
المواطن العراقي يوجه سؤالًا بريئًا إلى تلك الفضائيات التي تدعي أن العراق تحول إلى جنة للأمان: لماذا لا تنقلون بثكم إلى بغداد و أية بقعة من العراق لتثبتوا للعالم صحة ادعاءاتكم؟
لا شك أننا استبشرنا بحالة الحرية الإعلامية في العراق, ورحبنا بصدور عشرات بل مئات الصحف داخل العراق سواء في العاصمة أم في جميع المحافظات ومن جميع الاتجاهات.. فالإعلام الحر هو الوجه المشرق للديمقراطية، ولا نتصور ديمقراطية حقيقية بدون إعلام حر, وبالتأكيد نحن نفرح حين تكون للعراق فضائية رصينة أو أكثر بعيدة عن النفس الطائفي والعرقي والعنصري, وتعمل على توحيد العراقيين ولملمة جراحهم، بدلًا من أن تنثر الملح على الجروح أو إشاعة الكراهية وبعث الأحقاد.
لكن هذا التكاثر (الأخطبوطي) المشبوه للفضائيات (المنسوبة) للعراق يجعلنا نطرح سؤالاً: ألم يكن أجدر بمن وضعوا ملايين الدولارات في إنشاء محطات فضائية بعيدًا عن سؤالهم سؤالًا مشروعًا: من أين لك هذا؟ أن يصرفوا تلك الأموال على إنشاء خدمات يحتاجها المواطن العراقي؟ فكم مستشفى يمكن أن ينشأ بـ (٥٠) مليون دولار؟ وكم مدرسة ؟ وكم محطة تصفية مياه؟ وكم وكم وكم ؟
لكن يبدو أن من يقفون وراء نشر غسيلنا الطائفي المقيت عبر الأثير الفضائي يصرون على (مأسسة) الطائفية ونقلها إلى البث الفضائي إمعانًا في معاناة العراقيين، ورغم أن بعضها يدعي أنه يلعن الطائفية, لكنه في الواقع يصلي في محرابها!
وتتعرض بعض الفضائيات العراقية اليوم إلى انتقادات من جانب منظمة العفو الدولية ومنظمات حقوق الإنسان الوطنية والدولية؛ كونها تبث ما يسمى (اعترافات) لمواطنين عراقيين باعتبارهم مجرمين (إرهابيين)، قبل تقديمهم للمحاكمة أو صدور أحكام قضائية عليهم، وقد تحدث بعضهم للكاميرا وآثار التعذيب بادية عليه, واعترف البعض الآخر بجرائم مريعة تصل إلى حد ارتكاب جرائم القتل والاغتصاب, وتبين من خلال تحقيقات أجراها وفد من نقابة المحامين العراقيين المغضوب عليها والتي تم حلها (بأمر حكومي) أن تلك الجرائم المزعومة هي جرائم وهمية, رددها هؤلاء تحت تأثير التعذيب؛ لأنهم أرادوا –وبأية طريقة– حماية حياتهم ووضع حد لمعاناتهم النفسية والجسدية.
كما قام بعض تلك القنوات بنقل جلسات تحقيق مع متهمين, وهو ما يتنافى مع أبسط مفاهيم وقواعد حقوق الإنسان، والمبدأ الدستوري العالمي الذي أكده الدستور العراقي وكل دساتير العالم بأن (المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي).
لو كان الأمر مقصورًا على محطة تلفزيون محلية داخلية لقلنا هذه مسألة محلية لها مقتضياتها -رغم إيماننا بأن حقوق الإنسان لا تتجزأ ويجب أن تحترم في كل الأحوال- لكن المشكلة أن البث بات فضائيًّا عالميًّا, وصار الكثير من المنظمات المعنية يراقب ما يجري ويستنكر ما يحدث. وهكذا صارت فضائحنا (فضائية) وبجلاجل كما يقول المثل!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل