; تناقض في مواقف الجبهة الشعبية | مجلة المجتمع

العنوان تناقض في مواقف الجبهة الشعبية

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 26-مايو-1987

مشاهدات 61

نشر في العدد 819

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 26-مايو-1987

• الجماعات الإسلامية ترفض مبدأ التسوية مع يهود من حيث المبدأ ماضيًا ومستقبلًا

• الصلح الجماعي ليس أقل تفريطًا من الصلح الانفرادي في كامب ديفيد

عندما وقف أحد قياديي الجبهة الشعبية يطلب «حيثيات» إدخال بعض الأعضاء الجدد إلى المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الثامنة عشرة الأخيرة، كان في الحقيقة يعبر عن اعتراض الجبهة الشعبية على دخول بعض الإسلاميين إلى المجلس الوطني بصفة مستقلة.

وبالرغم من أن الجبهة الشعبية استطاعت أن تتفهم على حد تعبير تيسير قبعة «حيثيات إدخال الرفاق في الحزب الشيوعي، والرفاق في جبهة التحرير» وأنها ترحب بذلك إلا أنها لم تستطع أن تهضم إدخال ثلاثة من الإسلاميين بصفة مستقلة ضمن عشرين عضوًا جديدًا في المجلس الوطني، سبعة منهم من الشيوعيين، وأغلب الباقين من تنظيمات ماركسية.

فلماذا هذه الضجة التي أثارها عضو قيادة الجبهة الشعبية؟ وهل لو قيل له: إن حيثيات ترشيح عدد من الأعضاء المستقلين هي حيثيات إسلامية جهادية لرحب بذلك؟ وما قيمة ترحيبه أو عدم ترحيبه إذا كان أعضاء المجلس الوطني بالإجماع تقريبًا قد انتخبوا هؤلاء الأعضاء الجدد؟

يبدو أن ما قاله الدكتور جورج حبش في مؤتمره الصحفي قبيل انعقاد الجلسة الافتتاحية للمجلس الوطني يوضح الضجة التي أثارها ذلك الرجل؛ حيث إن الجبهة الشعبية ترى في قيادة المنظمة قيادة يمينية وتسمي أعضاء المجلس الوطني «الزمر العرفاتية»، وهي تسعى -على حد تعبير جورج حبش- إلى أن تكون منظمة التحرير «منظمة تحرير».

• وهنا نسأل الجبهة الشعبية: هل كان الحزب الشيوعي الفلسطيني في يوم من الأيام مؤمنًا بالتحرير كما يفهمه الإسلاميون، وهو تحرير كامل التراب الفلسطيني من دنس الاحتلال الصهيوني، أم أن التحرير في نظر الجبهة الشعبية كما هو الحال في نظر الحزب الشيوعي انتصار «البروليتاريا» على «البورجوازية» في فلسطين المحتلة وفي كل أرجاء العالم غير الشيوعي وغير الماركسي؟

وإذا كانت الجبهة الشعبية تسعى فعلًا إلى التحرير كما يفهمه الإسلاميون، فلماذا تقف من الإسلاميين موقف العداء بينما تتحالف مع قوى وأنظمة كانت السباقة إلى الاعتراف بالكيان الصهيوني والتعامل معه، سواء على المستوى الرسمي أو الحزبي، وأنظمة أخرى اعترفت بالكيان اليهودي ضمنًا من خلال قراري مجلس الأمن ٢٤٢ و٣٣٨.

إن جورج حبش من خلال إجابته على هذه التساؤلات التي طرحها عليه مندوب «المجتمع» في مؤتمره الصحفي بالجزائر حاول أن يفلسف التناقض في مواقف الجبهة الشعبية بقوله: «إن مشكلتنا مع النظام السوري هي في نظرته للثورة الفلسطينية ودورها، ونظرته لطبيعة تحالفه مع منظمة التحرير، ونظرته لوجود البندقية الفلسطينية، لكن النظام السوري على خريطة الصراع الكوني يمكن اعتباره ضد كامب ديفيد وضد التسوية الانفرادية..

ولكن، حتى هذه اللحظة نرى في الجبهة الشعبية أن من واجبنا أن نناضل لتصحيح العلاقة مع سوريا، والفرق بين النظام المصري والنظام السوري أن النظام المصري رفع راية الاستسلام أمام «إسرائيل»، والمشكلة أن السوريين لا يجدون توافقًا بين استراتيجية التوازن الاستراتيجي التي ينادون بها واستراتيجية حرب التحرير الشعبية التي ننادي بها ونحن نعمل على إقناعهم بأن لا تعارض بين الاستراتيجيتين، وهذا ما يفسر موقفنا من النظام السوري.

أما فيما يتعلق بالاتحاد السوفيتي فيقول جورج حبش: إنه الصديق على المستوى العالمي، وهو الذي يحقق التوازن مع الولايات المتحدة والتعارض في وجهات النظر بيننا وبينه حول القضية الفلسطينية سيحل أثناء مسيرة النضال المشتركة ضد الإمبريالية والصهيونية».

ويبدو أن هذا التبرير للتناقض بين المبدأ المعلن وبين المسلك العملي تبرير غير مقنع، ثم إنه في ذاته يحمل تناقضًا ويكشف عن مدى مصداقية المبدأ المرفوع وهو التحرير؛ ذلك أن الموقف المضاد لكامب ديفيد ليس موقفًا مضادًّا للتسوية بمفهومها المطلق، وهو مفهوم الصلح مع الكيان الصهيوني والاعتراف به «ضمن حدود آمنة ومعترف بها»، وإنما هو موقف مضاد للتسوية الانفرادية على حد تعبير جورج حبش، ومعنى ذلك قياسًا على ما يسميه المناطقة بالبرهان بالخلف: إن التسوية الشاملة مقبولة، أي الصلح العربي الجماعي مع يهود، وهذا يتناقض مع التحرير بمفهومه المطلق أو بمفهومه الإسلامي.

ولعل مبدأ التسوية مع يهود مقبول من كافة فصائل المقاومة الماركسية وفي مقدمتها الحزب الشيوعي، كما أن مبدأ التسوية مع يهود مرفوض من كافة الجماعات الإسلامية وفي مقدمتها الجماعات العاملة في الأرض المحتلة. وهذا ما يفسر انتقاض أحد أعضاء قيادة الجبهة الشعبية معترضًا على دخول إسلاميين إلى المجلس الوطني، وفي نفس الوقت ترحيبه بدخول الشيوعيين وغيرهم من الماركسيين. ومن يعرف طبيعة تشكيل الجبهة الشعبية يستبعد أن يكون موقف قبعة موقفًا شخصيًّا أو تكتيكيًّا؛ ذلك أن دخول الجبهة الشعبية إلى منظمة التحرير كان نتيجة ضغوط خارجية وداخلية هائلة بعد فشل الأطراف المعنية في تدمير منظمة التحرير من الخارج.

وتثوير منظمة التحرير أو تحويلها إلى منظمة تحرير على حد تعبير حبش يعني أن الصراع -أو ما يسميه بالنضال- سيتحول من الخارج إلى الداخل. ولكن عرفات بعد إعادة انتخابه رئيسًا للجنة التنفيذية وجه رسالة معلنة إلى جورج حبش حين تلا قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ(الزمر: 37) فكان تعليق ياسر عبد ربه: «لقد أصبحنا من زمر عرفات»، والتناقض في مواقف الجبهة الشعبية ليس جديدًا.

- ذلك أنها هي التي كانت أعدى أعداء الشيوعيين يوم كانت تسمى نفسها حركة القوميين العرب في نهاية الخمسينيات ومطلع الستينيات، وكانت ترفع شعار «وحدة، تحرر، ثأر، دم، حدید، نار» ثم تبنت المبادئ الماركسية.

- وهي التي اعتبرت جمال عبد الناصر الزعيم الأوحد في الوطن العربي ونادت «من الخليج الثائر إلى المحيط الهادر رايات عبد الناصر»، ثم كتبت اسمه على ظهر حمار في عمان بعد موافقته على مبادرة روجرز.

- وهي التي شكلت «أبطال العودة» و«شباب الثأر»، ولكنها أمرت عناصرها بالانسحاب من الكرامة وعدم مواجهة اليهود في أول معركة حاسمة مع الفدائيين بعد عام ١٩٦٧.

- وهي التي اتهمت منظمة «فتح» وقيادتها بأنها تابعة لحلف «السنتو» وأن هدفها توريط الدول العربية وأن التوقيت غير ملائم لخوض حرب تحرير شعبية، ثم ابتلعت كل هذه الأقوال ولحقت «بفتح» وقيادتها.

- وهي التي اعتبرت قيادة منظمة التحرير قيادة «يمينية عفنة» لا بد من الخلاص منها لتحقيق الوحدة الوطنية، ثم عادت فانضوت تحت لوائها.

وما دام التغير سنة الحياة، وما دامت الحركات السياسية العلمانية والماركسية يحكمها التحليل البراجماتي أو التحليل المادي للتاريخ، فإننا نأمل أن تصحو هذه الحركات السياسية على الواقع الحياتي لهذه الأمة فتدرك أنها أمة مسلمة، وأنها لا يمكن أن تتخلى عن عقيدتها، كما أنها لا يمكن أن تتخلى عن فلسطينها.. وكل حركة سياسية أو وطنية تسعى صادقة لتحرير فلسطين، كل فلسطين، من استعمار اليهود، فعليها أن تبحث عن الإسلاميين، أما المطالبة بالصلح الجماعي بديلًا عن الصلح المنفرد في كامب ديفيد فلا نحسبه أقل تفريطًا في حق الشعب الفلسطيني والأمة الإسلامية في فلسطين.

الرابط المختصر :