العنوان تقييم لهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السعودية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 25-مارس-1980
مشاهدات 88
نشر في العدد 475
نشر في الصفحة 10
الثلاثاء 25-مارس-1980
- هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جهاز تميزت به المملكة العربية السعودية عن سائر بلاد المسلمين
- دور رجل التوعية في الهيئات يتجاوز الحث على الصلاة فقط
- غياب الشباب المتعلم عن جهاز الهيئات ترك بصماته على مستوى الأداء فيها
تأسس جهاز هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منذ حوالي 35 سنة بهدف أساسي هو رعاية السلوك العام وتنمية الأخلاق الحميدة وحماية النشء من الأمراض الاجتماعية، وقد انتشرت فروع هذه الهيئات لتغطي سائر أنحاء المملكة تقريبًا منذ العهد الباكر لتأسيس الدولة في وقت غابت فيه كثير من وسائل التوجيه الحديثة، ترى هل لا يزال هذا الجهاز يقوم بالدور الذي أنشئ من أجله منذ أكثر من ثلث قرن؟!
في الواقع جهاز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المملكة العربية السعودية نمط فريد في نوعه بين كافة الدول الإسلامية حيث يتم بواسطته تطبيق مبادئ الحسية الشرعية من توجيه وإرشاد المسلمين.
وتأتي صفة التميز لهذا الجهاز في أول حياة الشيخ عمر بن حسن آل الشيخ عندما أسسه منذ حوالي 35 سنة من كون أعماله تأخذ الصفة الرسمية فهو جهاز من أجهزة الدولة يضطلع بإرشاد الناس وتوجيههم وهو ليس نشاطًا تطوعيًا لهيئة أهلية.
وفي بدء أمر هذا الجهاز كانت فعالية التوجيه عالية وتشمل كافة الأمور المتعلقة بالحفاظ على تطبيق الحدود الشرعية بحق منتهكيها، والآن بعد مرور أكثر من ربع قرن على إنشاء هذا الجهاز بات من الضروري التوقف للنظر في مستوى الأداء الحالي وتقييم الأنشطة التي يقدمها وتشخيص مناطق الضعف بغية تفاديها والنهوض بالجهاز إلى المستوى المطلوب منه في عصر تغيرت فيه مؤثرات السلوك العام وأدوات الإعلام التي نالت من التربية أكثر مما أعطتها.
لقد لاحظ المتتبع لنشاط هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تراجعًا شاسعًا في دائرة اهتمامها حتى بدا واضحًا أن محل الاهتمام الرئيسي هو حث الناس على حضور الصلوات الخمس ومراقبة المحلات التجارية التي تفتح في فترة الصلاة ومعاقبتها، وهذا الاهتمام مفيد ولا شك غير أننا نعتقد أن حضور الصلوات هو باكورة الإنتاج في نهاية المطاف لعملية الأمر بالمعروف، إذ أن نجاح عملية مخاطبة الأفراد وترغيبهم في النهل من منابع الإيمان وتحبيبهم في رضى ربهم في أسلوب المودة التي أشار إليها القرآن الكريم: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ (الحجرات: 7)
هذا الأسلوب الحبيب خير حافز لإقبال الناس على المساجد ومجالس العلماء... فتأتي مراقبة المحال التجارية والمخالفين مكملة لردع الشواذ ممن قست قلوبهم وتنكبوا الصراط.
رجل الهيئات وقضايا الناس المستجدة
وفي تصورنا أيضًا أن قضايا كثيرة طرحتها الحضارة الحديثة واحتاجت من رجال التوجيه والأمر بالمعروف أن يكونوا على مستواها بحيث يجيبوا على استفسارات وتساؤلات المسلمين عنها، فصارت الحاجة ملحة لتوفير برامج توعية لرجال الهيئات من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر بحيث يتزودون في هذه البرامج بالاطلاع الواسع والمعرفة بطبائع القضايا المستجدة في العالم اليوم حتى تتم مخاطبة الأفراد عن علم ودراية لما يعانونه ولما يدور في أخلادهم من اهتمامات فتأتي توجيهات رجال الهيئات بردًا وسلامًا للقلوب المتعطشة إلى رجل التوجيه العارف الثقة، إنهم حينها لن يقفوا عند توجيه رجل الهيئات وحثه للصلاة بل سيقبلون عليه لحل مشاكلهم الاجتماعية والبت في الخصومات وجمع الشمل وحسن تدبير أمور المعاش.
أين الشباب المتعلم؟!
إذن لقد بات واضحًا أن هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحاجة لاستقطاب الشباب المتعلم لتحقيق التوعية بالمستوى الذي نتحدث عنه وأنه لن يحقق المقصود اقتصار فريق رجال الهيئات على من يعرف القراءة والكتابة حيث إن عملية التوجيه ليست عملية مكتبية فقط بل هي أوسع من ذلك ولن يجديها إلا وجود الدماء الجديدة من خريجي المعاهد والجامعات.
وفي الواقع فإن هذا الأمر يحتاج إلى تدخل المسؤولين إذ أن الهيئات تفتقر إلى إصدار نظام يبين بوضوح الكادر الإداري والتزامات الموظف وواجباته وتحقيق الحافز في مرتبه بحيث لا يجد أن زملاءه خريجي دفعته في وضع معيشي متفوق على وضعه بمراحل بل يجب سد هذا الباب حتى يقبل الشباب المتعلم بنفس رضية ويقدم عطاء غزيرًا.
حماية الأجيال الصاعدة تستوجب تعزيز الوعي الديني
وهذا العطاء ولا شك هو أثمن ما يجب أن تهتم به أي دولة في عالم اليوم، فهو الحماية للثروة البشرية من التحلل والتفكك، بل هو صمام الأمان إزاء الانحرافات الفكرية والشطط في أخذ أمور هذه العقيدة المباركة، ولن يجدي أن تنفق الدولة على تعليم الأجيال الجديدة الملايين ثم تترك هذه الأجيال بدون تأمين الحماية والتوجيه الكافي لها في عصر تفشت فيه الآفة الأخلاقية وتسربت إلينا فيه من الغرب أمراض من كل نوع في الروح والبدن بل لم تسلم فئات من أبناء هذه الأمة من الإدمان على المخدرات والخمور.
ومن المعلوم أن مئات بل ألوف من أبنائنا يغادرون سنويًا إلى الخارج للدراسة ولن يحميهم في غربتهم سوى متانة عقيدتهم وسعة أفقهم ووعيهم الذي تحصنوا به قبل مغادرتهم وإلا فإننا سنحصد جيلًا غريبًا في طباعه شاذًا في تصرفاته لن تستطيع أي جهة أن ترشده بعد أن طال ضياعه إلا من رحم ربك.
حيوية ونشاط..... وخمول وسبات
ولعل من الأمور الواضحة للعيان أن فعالية كل هيئة من هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مرتبطة بقدرة رئيس تلك الهيئة فحيث ما وجد الشخص الواعي لدور الهيئة تجد العطاء المتجدد والابتكار في التخاطب مع المخالفين من أصحاب المحلات ومرتكبي المعاصي من الأفراد، حيث لجأت بعض الهيئات في بعض مدن المملكة إلى أسلوب كتابة تعهد من قبل المحلات باحترام مواعيد الصلاة وبالتالي صارت هذه المحلات أمام التزام معنوي وكتابي تتحاشى أن تحرقه مما كفى الهيئة متابعة كل محل بعينه وندرت نسبة المخالفين.
وفي المقابل نلاحظ غياب مثل هذه الحيوية والابتكار في بعض فروع الهيئات حيث يسيطر على أفرادها الركود والخمول فإذا ما سئل عن هذا الخمول تنصل بإلقاء اللوم على عدم وجود صلاحيات وعدم وجود المرتبات الكافية وهذا التبرير الضحل لا يكفي لإبعاد المسؤولية عن خمول هذه النوعية.
نتائج التأخر في تطوير الهيئات
إن الوقت الآن لا يسمح بتأخير عملية تطوير نظام الهيئات فقد اكتوت المملكة بنار التطرف في قضية الحرم وصار لزامًا أن يعالج مثل هذا التطرف بمزيد من التوعية.
يجب أن ترتفع برامج الهيئة لإشباع حاجة الناس الشديدة إلى من يخاطبهم عن قضايا الحضارة الحديثة بلغة الدين والتقوى وألا تترك هذا الميدان للأقلام الهزيلة تخوض فيه برخيص القول فتفسد الأذهان، وأنه لأمر هام ألا يتأخر تطوير الهيئات بعد أن يفوت القطار ويأتي المتلاومون ليقذفوا بالأسباب يمنة ويسرة، ﴿وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾. (ص: 3)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل