العنوان تقرير 1099
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر الثلاثاء 10-مايو-1994
مشاهدات 82
نشر في العدد 1099
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 10-مايو-1994
جولة كريستوفر هل حققت أهدافها؟!
رغم نجاحه المتوقع في دفع المفاوضات على المسار الفلسطيني الإسرائيلي
والتوقيع على تنفيذ اتفاق غزة - أريحا، فإن وزير الخارجية الأمريكي وارن كريستوفر
لم يتمكن من تحقيق نفس القدر من النجاح في بقية القضايا التي استهدفتها جولته
الأخيرة إلى المنطقة.
ولتقييم مدى نجاح جولة كريستوفر أو فشلها لا بد من عرض الأهداف التي
وضعها الوزير الأمريكي على مذكرة جولته، التي شملت السعودية و«إسرائيل» ومصر
وسوريا إضافة إلى لقائه مع الملك حسين في لندن قبيل قدومه إلى المنطقة، ويمكن
تلخيص تلك الأهداف بما يلي:
1- تحديد موعد
لاستئناف المفاوضات المتوقفة منذ مذبحة الخليل باستثناء المسار الفلسطيني -
الإسرائيلي الذي استمر وتواصل خلال الفترة السابقة دون توقف أو تأثر بالتطورات.
2- تنشيط
المفاوضات على المسار السوري - الإسرائيلي بشكل خاص، والعمل على إقناع دمشق بقبول
الخطة الإسرائيلية المقترحة للانسحاب من الجولان.
3- تفكيك محور
سوريا - الأردن - لبنان المتضرر من الموقف المنفرد في المفاوضات لمنظمة التحرير من
خلال ممارسة الضغوط وإثارة مخاوف وشكوك أطراف هذا المحور تجاه بعضها البعض.
4- إقناع الدول
العربية وبخاصة الخليجية منها بإلغاء أو تخفيف المقاطعة الاقتصادية المفروضة على
«إسرائيل»، بحجة أن توقيع الاتفاق الأخير بين الفلسطينيين والإسرائيليين يلغي
مبررات استمرار المقاطعة بصورتها الحالية.
ورغم أهمية جميع الأهداف السابقة بالنسبة للوزير الأمريكي إلا أن محطة
دمشق كانت هي الأهم والأكثر صعوبة في جولة كريستوفر، الأمر الذي دفعه إلى تمديد
زيارته لسوريا فوق المدة التي كانت مقررة سلفاً.
ويمكن القول إن كريستوفر تمكن من تحقيق تقدم هام على المسار الفلسطيني
- الإسرائيلي، حيث تم التغلب على بقية القضايا التي كانت عالقة بين الجانبين على
حساب الجانب الفلسطيني الذي وجد نفسه مضطراً للتوصل لأية حلول ممكنة للقضايا
العالقة قبل الموعد الذي حدد مسبقاً لتوقيع الاتفاق في 5/4/1994م، وكان الجانب
الفلسطيني قد اضطر قبل ذلك لتوقيع الاتفاق الاقتصادي مع الإسرائيليين والذي تضمن
تنازلات فلسطينية كبيرة وارتباطاً كاملاً بالاقتصاد الإسرائيلي، وقد كان توقيع
الاتفاق الاقتصادي شرطاً إسرائيلياً للموافقة على توقيع تنفيذ غزة - أريحا في
القاهرة.
وأثناء زيارته للكيان الإسرائيلي واجتماعه مع المسؤولين الإسرائيليين
بحث كريستوفر تفاصيل الخطة الإسرائيلية المقترحة للانسحاب من الجولان، ومن خلال
المعلومات المتوفرة حتى الآن عن خطة الانسحاب المرحلي من الجولان والتي نقلها
كريستوفر للجانب السوري فإن أهم ملامح تلك الخطة:
1- تستعد
«إسرائيل» للانسحاب من مرتفعات الجولان أو من معظم أجزائها على ثلاث مراحل تستمر
مدة تتراوح بين 8- 10 سنوات.
2- تتضمن المرحلة
الأولى انسحاب القوات الإسرائيلية من 3 قرى درزية في مرتفعات الجولان وهي مجدل
شمس، وبقعاتا، ومسعدة.
3- في المرحلة
الثانية يقوم الجانب الإسرائيلي بإزالة المستوطنات الإسرائيلية من مرتفعات الجولان.
4- في المرحلة
الثالثة والنهائية تنسحب القوات الإسرائيلية من أجزاء أخرى من مرتفعات الجولان لم
تحدد مساحتها.
5- يبدأ التطبيع
وإقامة علاقات سلام كاملة بين الجانبين تشمل تبادل البعثات الدبلوماسية وفتح
الحدود وإقامة العلاقات الاقتصادية مع بداية المرحلة الأولى للانسحاب.
6- يتم الاتفاق
على ترتيبات أمنية تشمل إقامة مناطق منزوعة السلاح وتواجد قوات دولية لحفظ السلام
في المناطق التي ستنسحب منها القوات الإسرائيلية.
كما تضمنت المقترحات الإسرائيلية التي حملها كريستوفر إلى دمشق رفع
مستوى المفاوضات الثنائية بين الجانبين إلى مستوى وزراء الخارجية، وكذلك عقد
مباحثات سرية على غرار تلك التي عقدت مع قيادة المنظمة وأسفرت عن توقيع اتفاق
أوسلو.
من جانبها رفضت سوريا المقترحات الإسرائيلية وقالت إنها ترفض سلاماً
بالتقسيط على مراحل وتصر على الانسحاب الإسرائيلي من جميع مرتفعات الجولان، كما
رفضت سوريا وعلى لسان مصدر سوري مسؤول الاقتراح الإسرائيلي بعقد مباحثات سرية
وتساءلت عن الأسباب التي تدعو لعقد مثل هذه المباحثات السرية، ولكن الجانب السوري
لم يغلق الأبواب أمام استمرار المفاوضات مع الإسرائيليين، حيث قدم السوريون
مقترحات من جانبهم حول موقفهم من قضية الانسحاب من الجولان لم يكشف النقاب عن
مضمونها بعد، ويعتقد أن هذه المقترحات ربما تتضمن استعداداً سورياً لمناقشة
التفاصيل وهو ما كانت ترفضه من قبل.
وقد وصف كريستوفر نتيجة زيارته لسوريا بقوله: إن المفاوضات وصلت إلى
«مستوى جوهري جديد ومختلف» كما علق وزير الخارجية الإسرائيلي شمعون بيريز على
المقترحات السورية الجديدة بقوله: إن المسؤولين الإسرائيليين سيركزون على
المقترحات السورية التي نقلها كريستوفر أكثر من البيانات الرسمية الصادرة من دمشق
وأضاف: «لقد استمعنا ببالغ الاهتمام إلى الأخبار التي جاءتنا من دمشق، وهذه
المواضيع هي في غاية الجدية والتعقيد».
وفيما يتعلق باستئناف المفاوضات الثنائية بين «إسرائيل» والأطراف
العربية المفاوضة تمكن كريستوفر من تحقيق بعض التقدم، ولكن ليس بالقدر الكافي
لإعلان موعد محدد لاستئناف المفاوضات، ولعل السبب في ذلك هو تركيز وزير الخارجية
الأمريكي والإسرائيليين على الانتهاء كلياً من المفاوضات على المسار الفلسطيني
وإيلاء الاهتمام بشكل رئيسي إلى المسار السوري الذي تدرك الإدارة الأمريكية
والحكومة الإسرائيلية أنه المفتاح لتنشيط المفاوضات على المسارين الأردني
واللبناني، وقد صرح وزير الخارجية الإسرائيلي للإذاعة الإسرائيلية بقوله: «إذا ما
توصلنا إلى اتفاق مع الفلسطينيين، يمكننا أن ننصرف بطاقة أكبر إلى مفاوضاتنا مع
سوريا».
وقد حاول كريستوفر خلال اجتماعه مع الملك حسين في لندن قبل بدء جولته
إلى المنطقة إثارة مخاوف الأردن وشكوكه تجاه سوريا التي اتفقت مع الأردن على
التنسيق الدولي المشترك في الموقف التفاوضي بعد انفراد قيادة المنظمة، وذلك من
خلال التأكيد على أن سوريا ستتجاوب مع المقترحات الإسرائيلية بخصوص الانسحاب من
الجولان، وأن الأردن سيجد نفسه وحيداً وسيكون المتضرر الأكبر إذا تأخر في توقيع
اتفاق مع الإسرائيليين، غير أن الرئيس السوري طمأن الملك حسين خلال زيارته القصيرة
إلى عمان والتي جاءت بعد لقاء كريستوفر - الحسين، وأكد له أن سوريا ستبقى مصرة على
مطالبها المعلنة بالانسحاب الإسرائيلي الكامل من الجولان دون مراحل، كما أكد أن
سوريا ستحرص على استمرار التنسيق السوري الأردني في العملية التفاوضية بهدف عدم
السماح للإسرائيليين بتكرار تجربتهم في أوسلو مع الفلسطينيين.
أما الهدف الرابع في جولة كريستوفر والمتعلق بالضغط على بعض الدول
الخليجية لتخفيف المقاطعة الاقتصادية المفروضة على الكيان الإسرائيلي فيبدو أنه لم
يتحقق بالصورة التي كان يرغب بها الوزير الأمريكي، وقد اجتمع كريستوفر خلال زيارته
للسعودية مع الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي في الرياض وبحث موضوع المقاطعة
العربية لإسرائيل واستمرار الحظر الدولي على العراق، ويتوقع المراقبون أن كريستوفر
قد مارس ضغوطاً على الدول الخليجية بهدف حثها على إقناع سوريا بقبول المقترحات
الإسرائيلية بخصوص مرتفعات الجولان.
وفي ضوء جولة كريستوفر إلى المنطقة وسعيه الحثيث لإزالة الجمود
والعقبات التي تعترض طريق المفاوضات بين الكيان الإسرائيلي والأطراف العربية يطرح
تساؤلاً مهماً حول مغزى التركيز الأمريكي والإسرائيلي على عامل الوقت وحرص
الجانبين على تحقيق إنجازات سريعة على مختلف المسارات وخاصة في ضوء الحديث المتكرر
للمسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين عن أن عام 1994م سيكون عام السلام في المنطقة.
ويعتقد أن السبب الرئيسي في ذلك يرجع إلى اقتراب موعد الانتخابات
الأمريكية والإسرائيلية التي أصبحت على الأبواب، فانتخابات الرئاسة الأمريكية
وانتخابات الكنيست الإسرائيلي ستجرى خلال عام 1996م. ويبدأ الاستعداد لها مبكراً
وقبل وقت طويل من موعدها، وهذا ما يفسر حرص إدارة الرئيس كلينتون وحزب العمل
الإسرائيلي على تحقيق إنجازات مهمة قبل بدء الحملة الانتخابية من أجل تعزيز
مواقعهم الانتخابية في مواجهة الخصوم السياسيين، وتتضاعف قيمة وأهمية تحقيق إنجاز
في المفاوضات العربية - الإسرائيلية بالنسبة لإدارة الرئيس الأمريكي كلينتون في ظل
الإخفاقات المتوالية لسياسة إدارته الخارجية في الصومال والبوسنة وعدد آخر من
مناطق العالم، كما أن حزب العمل الإسرائيلي الذي ركز في برنامجه الانتخابي السابق
على قضيتي السلام وتحسين الظروف الأمنية، يحرص على تحقيق تقدم في هذين المجالين
حتى يكون قادراً على كسب ثقة وتأييد الناخب الإسرائيلي.
ويبقى سؤال آخر في هذا الإطار وهو: هل سيكون هذا التسارع في العملية
التفاوضية والذي سيخدم مصالح الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية، في صالح
القضايا العربية والإسلامية؟ أم أنه سيكون على حساب ما تبقى من حقوق عربية على
غرار ما حصل على المسار الفلسطيني - الإسرائيلي؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل