; تقرير قاصر للأمم المتحدة عن الجزائر يثير الانتقادات | مجلة المجتمع

العنوان تقرير قاصر للأمم المتحدة عن الجزائر يثير الانتقادات

الكاتب محمود الخطيب

تاريخ النشر الثلاثاء 29-سبتمبر-1998

مشاهدات 64

نشر في العدد 1319

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 29-سبتمبر-1998

الجزائر

التقرير تبرئة للنظام ولا يعالج انتهاكات حقوق الإنسان الخطيرة

  • جبهة الإنقاذ: تقرير الأمم المتحدة يغض النظر عن تقاعس السلطات المشكوك فيه إزاء مجازر المدنيين.

  • التقرير يؤكد على ضرورة أن تكون إجراءات مكافحة الإرهاب ضمن الإطار الشرعي واحترام حقوق الإنسان.

واجه تقرير بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في الجزائر والتي قامت بزيارة الجزائر في شهر يوليو الماضي انتقادات بأنه ليس سوى تبرئة للنظام الجزائري وأنه فشل في معالجة الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان هناك.

وقالت منظمة العفو الدولية «أمنستي»: إن البعثة التي كان يرأسها الرئيس البرتغالي السابق ماريو سواريش زارت الجزائر لمهمة جمع المعلومات، لكنها لم تتطرق لانتهاكات حقوق الإنسان، كما لم يكن لها أي صلاحية للتحقيق في الجرائم والمذابح التي تنتهك في الجزائر منذ أكثر من ستة أعوام، واعتبرت أمنستي أنه «في بلد انتشر فيه العنف، حيث عشرات الآلاف من البشر قد قتلوا والمزيد منهم ما زال يقتل كل يوم، فإن مثل هذه المبادرة «البعثة» لا معنى لها بدون أن يكون موضوع حقوق الإنسان من مهماتها».

وقد اعترف تقرير بعثة الأمم المتحدة المكون من ٣٢ صفحة بأنه لم يكن من صلاحية البعثة إجراء التحقيقات، وأن السلطات الجزائرية لم تسمح لهم بمقابلة أشخاص معينين كزعيم جبهة الإنقاذ الإسلامية عباسي مدني، الذي يخضع للإقامة الجبرية في منزله، ونائبه على بلحاج المسجون منذ عام ١٩٩١م، كما لم تستطع البعثة الاجتماع ببعض جماعات البربر، كما لم تسمح الحكومة الجزائرية لها بزيارة منزل المغني البربري معطوب الوناس الذي اغتيل هذا العام وذلك لأسباب أمنية، كما لم تسمح الحكومة لها بزيارة أماكن معينة كانت البعثة تود زيارتها لأغراض التقصي وجمع المعلومات. 

وأعلن عبد الكريم الكباريتي- رئيس وزراء الأردن الأسبق وعضو البعثة الدولية التي زارت الجزائر- أن مهمة البعثة كانت محددة وواضحة، وهي الاستعلام وجمع المعلومات على أرض الواقع، ومن ثم تقديم تقرير بهذا الخصوص إلى الأمين العام للأمم المتحدة، وأضاف الكباريتي في تصريح للإذاعة البريطانية أنه لم يكن من مهمات اللجنة تفسير العنف والإرهاب في الجزائر ولا تحديد الفاعلين، وأن الموقف الذي خلصت إليه البعثة وورد في تقريرها هو موقف يمكن أن يتخذ إزاء دولة وإزاء أي ممارسة لأي دولة تنهج الديمقراطية كسبيل لإدارة الحكم! 

سيمون فيل- عضو البعثة الدولية التي وضعت التقرير- نفت أن يكون التقرير صك براءة للحكومة الجزائرية، وأكدت: «لم نعط صك براءة للحكومة الجزائرية، لقد قلنا فقط إنه من المهم عدم المساواة بين الإرهاب وبين التجاوزات التي ترتكبها الدولة في إطار مكافحته، وأضافت الوزيرة الفرنسية السابقة أنه لا يوجد دليل على ضلوع قوات الأمن الجزائرية في بعض المذابح التي وقعت في الجزائر مشيرة إلى وجود اختلاف في الآراء حول هذه المسألة.

وأكدت أمنستي على أن جنوح التقرير إلى ترديد رأي الحكومة الجزائرية ووجهة نظرها حول الإرهاب والتغاضي عن انتهاكاتها لحقوق الإنسان يقلل من مصداقية بعثة الأمم المتحدة.

واعتبرت أمنستي أن زيارة البعثة لسجن سيركجي حيث تم ذبح ٩٦ سجينًا عام ١٩٩٥م يدل على فشلها في مواجهة الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان، وانتقدت أيضًا سلوك البعثة وأسلوب عملها الذي تغاضى عن أوضاع أكثر من ٢٠ ألف معتقل بتهمة الإرهاب وتركيزها على زيارة مساجين متهمين بجرائم اقتصادية، وشددت على أن هذا الأسلوب يثير الدهشة وخصوصًا أنه لم يسمح من قبل لأي منظمة دولية أو خبير حقوق إنسان بزيارة هذا السجن أو أي سجن آخره. 

التقرير المذكور لاقى ارتياحًا وترحيباً من الحكومة الجزائرية التي أعلنت على لسان وزير خارجيتها أحمد عطاف أن التقرير لم يساوِ بين الإرهاب وبين حق الدولة المشروع في محاربة هذا الوباء، ورأى أن التقرير كشف أن الجزائر لا تشهد أزمة حقوق إنسان! واعتبر السيد عطاف أن التقرير الدولي لم يخرج بتوصيات بل بخلاصات، مما يعني أن البعثة حصرت مهمتها في المجال الاستعلامي، وقال: إن بلاده كانت تخشى من أن يتضمن التقرير آليات متابعة وهو ما لم يحدث. 

ورفضت الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الخارج التقرير المذكور معتبرة أنه أفقد البعثة الدولية مصداقيتها، وأعلن الناطق الرسمي باسم الهيئة التنفيذية للجبهة في الخارج عبد الكريم ولد عدة أن تقرير الأمم المتحدة مخيب للآمال، حيث يفتقر إلى الحياد ويغض النظر عمداً عن تقاعس السلطات المشكوك فيه إزاء مجازر المدنيين.

كما دعت منظمة «هيومان رايت واتش» في نيويورك الحكومة الجزائرية إلى السماح للأمم المتحدة بإجراء تحقيق كامل في عمليات القتل التي تجري، وقالت: إن زيارة البعثة الدولية للجزائر لیست بديلاً عن تحقيق يجريه خبراء الأمم المتحدة لحقوق الإنسان على أرض الواقع وهو ما ترفضه السلطات الجزائرية بشدة.

تقرير بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق: 

وكان رئيس البعثة ماريو سواريش قدم تقريره إلى الأمين العام للأمم المتحدة يوم 10 من سبتمبر، وضمت البعثة في عضويتها رئيس الوزراء الأردني الأسبق عبد الكريم الكباريتي، ورئيس وزراء الهند الأسبق كومار جوجرال، والسفير الأمريكي السابق في الأمم المتحدة دونالد ما كهنري وسيمون فيل وزيرة الصحة الفرنسية السابقة وأموس واكو المدعي العام في كينيا.

وقد أدان التقرير الإرهاب بشكل عام وقدم بعض التوصيات من ضمنها حث الحكومة الجزائرية على بسط سلطتها على الأجهزة الأمنية! ودعت كلًا من الشرطة الجزائرية والجيش والقضاء ومنظمات حقوق الإنسان لتغيير العقلية السائدة فيها.

ودعا التقرير الدولي إلى ضرورة تكاتف الجهود الدولية لإيجاد وسائل وآليات ووضع برامج للتعاون مع الحكومة الجزائرية في المجالات السياسية والاقتصادية، ومكافحة الإرهاب، وأكد التقرير على ضرورة أن تكون إجراءات مكافحة الإرهاب ضمن الإطار الشرعي واحترام حقوق الإنسان الأساسية للشعب الجزائري، وأشار إلى ضرورة أن يكون تطبيق القانون والحفاظ على الأمن والدفاع عن النفس ضمن المعايير المسؤولة. 

وأعرب التقرير الذي صدر بإجماع أعضاء البعثة عن أن المزيد من الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان «يخدم جهود مكافحة الإرهاب»، ورأى أنه لا بديل عن تعزيز الديمقراطية والتعددية السياسية لتعزيز الحكومة المدنية.

وأكدت البعثة على أهمية دعم الجزائر في مواجهة مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية التي سيعتمد عليها استقرارها الداخلي وتطورها في المستقبل، كما حذرت من أن تدهور الوضع في الجزائر سيكون له أثر سلبي على منطقة البحر الأبيض المتوسط وأوروبا وعلى المجتمع الدولي بشكل عام.

وأوصت البعثة الحكومة الجزائرية بتعزيز وتفعيل مؤسساتها المدنية لحماية حقوق الإنسان في الجزائر ومراعاة الشكاوى من الاعتقالات العشوائية والإعدامات بدون محاكمة، وحل ظاهرة الأشخاص المفقودين.

وطالبت البعثة في تقريرها أيضًا السلطات الجزائرية باعتماد الشفافية في قراراتها وحوارها مع المواطنين وإيصال المعلومات إليهم. 

واعتبرت البعثة أن المجال ما زال متسعًا للحكومة الجزائرية لكي تسرع في خصخصة الاقتصاد الوطني، ورأت بأن الخصخصة ستطلق الطاقات الإبداعية للشعب الجزائري، وتسهم في اقتصاد أكثر نشاطًا وستساعد على إيجاد عائدات يمكنها معالجة مشكلات اجتماعية مثل البطالة ونقص المساكن، وتراجع معدل دخل الفرد، وشدد التقرير على أنه إذا لم يتم معالجة هذه المشكلات الاجتماعية بسرعة وفعالية فإن الجزائر ستشهد في المستقبل المزيد من الاختلالات الاجتماعية والتوتر.

تقرير الخارجية البريطانية: 

وقد تزامن صدور تقرير الأمم المتحدة حول نتائج تقصي الحقائق في الجزائر مع تقرير أصدرته وزارة الخارجية البريطانية، تضمن سردًا تاريخيًا للأحداث التي شهدتها الجزائر منذ الاستقلال وحتى هذا التاريخ.

وعن أسباب الأزمة الحالية التي تعصف بالجزائر أعاد التقرير البريطاني إلى الأذهان واقعة إلغاء نتائج الانتخابات البرلمانية عام ۱۹۹۱م التي فازت الجبهة الإسلامية للإنقاذ فيها بـ ۱۸۸ مقعدًا في الجولة الأولى مقابل ١٥ مقعدًا فازت بها جبهة التحرير الوطنية الحاكمة، وأشار التقرير إلى استعداد الرئيس الشاذلي بن جديد للاشتراك في السلطة مع جبهة الإنقاذ، إلا أن الجيش لم يقبل بذلك، وتم حل البرلمان، وقدم الرئيس الشاذلي استقالته تحت ضغط متزايد من العسكريين، وألغى مجلس الدولة الأعلى الجولة الثانية من الانتخابات في يناير ۱۹۹۲م، واستولى الجيش على السلطة واستولت قوات الأمن على المنشآت الرئيسية والحيوية في البلاد، وحظر الجيش كافة الاجتماعات العامة بما فيها الصلوات العامة في الشوارع حول الجوامع، وتبع ذلك- كما يقول التقرير البريطاني الرسمي- شتى الحوادث العنيفة بما فيها إلقاء القنابل وإطلاق النار على الجماهير المحتشدة لأداء صلاة الجمعة.

ورأت الخارجية البريطانية أن ظهور الجماعات الإسلامية المسلحة جاء لملء الفراغ الذي تركته الجبهة الإسلامية للإنقاذ بعد حلها واعتقال قياداتها.

ولاحظ التقرير البريطاني أن عام ۱۹۹۷م قد شهد تدهورًا ملحوظًا في وضع الأمن الداخلي حيث وقعت هجمات ومذابح وحشية في القرى النائية عن المدن، وفي المنطقة التي أصبحت تعرف بـ«مثلث الموت»، كما وقعت مجازر كبيرة في غربي الجزائر.

ولاحظ التقرير انخفاض مستوى العنف وخصوصًا المجازر انخفاضًا كبيرًا منذ نهاية شهر رمضان من العام الحالي «بعد أن شنت السلطات الجزائرية عددًا من العمليات الناجحة ضد المتمردين على الرغم من استمرار أعمال القتل وإلقاء القنابل».

وأعرب التقرير عن قلقه من الأخبار الواردة عن انتهاكات حقوق الإنسان، ونوَّه إلى الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الجزائرية ضد عدد من المشتبه بهم في أعمال الذبح والقتل، والذين كان من بينهم عدد من المسؤولين المحليين، وأفراد من الشرطة كما يقول التقرير.

الرابط المختصر :