العنوان تقرير عن الواقع الإسلامي المعاصر
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 17-يوليو-1973
مشاهدات 15
نشر في العدد 159
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 17-يوليو-1973
منذ أن بدأت انطلاقة العمل الإسلامي المعاصر
منذ أن بدأت انطلاقة العمل الإسلامي المعاصر في أواخر العشرينيات من
هذا القرن، والحركة الإسلامية ماضية في طريقها الطويل، تتقاذفها الأحداث وتلفها
المحن وتستهدفها المؤامرات، وهي تتقلب من حال إلى حال وتنتقل من مرحلة إلى أخرى
وتكمل مشوارها بشكل عفوي وتلقائي، دون أن تتوقف لحظة واحدة لتراجع حصيلتها وحصادها
أو تقيم المشوار الذي قطعته وترسم الخط الفاصل بين الماضي والحاضر والمستقبل، حتى
تُعِدَّ لكل مرحلة عدتها وتتحفز لاستئناف الجهاد بروح جديدة وأسلوب متجدد، دون
التراجع أو المساومة على مطالب العقيدة وحدود الله الكاملة.
فهل آن للمسلمين أن يستعرضوا موقعهم على خريطة الأحداث وموكب
التاريخ... وأن يجمعوا من حصيلة الماضي زادًا وعبرة لحاضرهم ومستقبلهم، وأن يحشدوا
طاقاتهم الروحية الغنية وطاقاتهم المادية المتواضعة لهدف محدد ومدروس ومرسوم، حتى
ينطلقوا برؤية واضحة ويقين ثابت؟
فترة الخمسينيات:
شهدت فترة الخمسينيات بداية النكسة المؤسفة في مسيرة البعث الإسلامي،
حيث قمعت الحركة في مصر بتدبير مشترك، وراحت تئنُّ لما عانته مصر طيلة الأعوام
الماضية وما تعانيه اليوم في ظل الواقع القائم. وفي هذه الفترة أُعدِم نواب صفوي
في إيران وصُفيت حركة "فدائيان إسلام" بأسلوب دموي، وظهرت الأنظمة
القمعية في العالم العربي والإسلامي حيث أصبح الدين هو دين الحاكم والكلمة كلمته
والقانون هواه، فتعرض الإسلام لمحنة قاسية، وتعرضت ثقافة الأمة ومقدساتها إلى
تخريب مدمر... ورافقت هذه الأحداث نشأة الدولة اليهودية داخل الكيان الإسلامي وفي
بقعة من أقدس أراضيه، وانطلقت سموم اليهودية الماكرة تتسرب إلى الجسم الإسلامي عبر
الأجهزة العميلة في الوطن الإسلامي المكبل، تمعن في الدس والتخريب حتى أتلفت الحس
الإسلامي وأفسدت تصوراته ومسخت أصالته. وشهدت هذه المرحلة اختفاء الوجه الإسلامي لإفريقيا
حيث رحل الاستعمار مخلفًا ربائبه وصنائعه، فبدت على وجه القارة المسلمة مساحيق
غريبة وشاذة غطت معالمها الكريمة وطمستها.
فكانت مذابح زنجبار والشرق الإفريقي وتشاد وجنوب السودان وإريتريا...
فترة الستينيات الأولى
في مرحلة الستينيات بدأ العمل الإسلامي بجهود متفرقة يضطلع به أفراد
من الرواد وفي بعض الأحيان تنظيمات صغيرة مبعثرة... واتخذ العمل طابعًا جديدًا،
فبعد أن كانت الحركة تنظيمًا جماهيريًا قبل الخمسينيات مثل حزب ماشومي في
إندونيسيا وحركة حسن البنا في مصر والرابطة الإسلامية في الهند، تحول إلى تنظيمات
طليعية تقوم النخبة الممتازة فيها بكل أعباء العمل الفكري والتنظيمي... وكان ذلك
تحت تأثير الظروف القمعية القاسية التي خيمت على المنطقة...
وفي هذه الفترة ظهر العمل الإسلامي في مناطق بعيدة عن قلب العالم
الإسلامي والعربي... وقامت المراكز الإسلامية في العواصم الغربية في أوروبا وأمريكا
بجهود العناصر المثقفة التي هاجرت كنتيجة للاضطهاد الذي تمارسه الأنظمة القهرية ضد
العناصر الأصيلة والفكر الحر.
ولا يمكن -ونحن نتحدث عن هذه الفترة -أن نغفل عن العمل الكبير الذي
قامت به هذه العناصر في استقطاب الشباب الذي تقدم إلى أوروبا طلبًا للعلم، فقد عاد
الكثيرون من هؤلاء الشباب وهم مزودون بالعلم وبالإيمان ليلعبوا دورًا تاريخيًا في
أوطانهم... وفي العالم العربي بدأت الطلائع التي عادت من هجرة العلم في مصر وتأثرت
بقوة البعث الإسلامي هناك، بدأت تضع اللبنات الأولى للدعوة الإسلامية في بلادها،
فتكونت بفضل هذه الجهود خلايا العمل الإسلامي في رقعة واسعة من الوطن الإسلامي.
كما تميزت هذه الفترة بنشاط فكري واسع وكتبت معظم المؤلفات المعاصرة
القيمة خلال هذه المرحلة، حيث صادفت حاجة ماسة لدى جيل اليوم الذي فتح عينيه على
أفكار الحضارة الغربية المنتصرة والعقائد المستوردة، فكان لا بد من إنتاج فكري
معاصر يتناول قضايا الجيل ويخاطب أبناءه بلغتهم.
ما بعد حزيران
في الأسبوع الأول من حزيران 1967 اهتز العالم العربي لوقع الهزيمة
المؤسفة التي راح ضحيتها ما تبقى من الوطن الفلسطيني؛ بما فيه مدينة القدس والمسجد
الأقصى، وضاع معه جزء عزيز من التراب العربي في سيناء وقنال السويس والجولان
السورية... وكان طبيعيًا أن تهتز مع وقع الهزيمة عروش الظلم والعمالة ويسقط الفكر
الدخيل الذي صنع الهزيمة... ومع أن هؤلاء قد تشبثوا بعروشهم وحرص الاستعمار على
بقائهم حتى تكتمل فصول المسرحية وتتجرع الأمة كؤوس الاستسلام النهائي على
أيديهم... إلا أن الأمة أدركت حقيقة اللعبة وخبرت معدن الشعارات وأبطالها... بعد
انحسار فكر النكسة بدأت الأمة تتطلع إلى فكر جديد، فكر طاهر ونقي... لم يتلوث ببقع
الخيانة. ولما أدركت الأمة أن هزيمة يونيو كانت هزيمة الأنظمة المصنوعة والإنسان
الخاوي الذي يحارب بلا عقيدة ويدافع بلا كرامة عن كرامة الوطن وشرف الأمة... كان
لا بد لها أن تبحث عن عقيدتها وأن تصنع الإنسان الجديد الذي صاغته أخلاق الدين
وغرست فيه حب الفضيلة والغيرة على مقدسات أمته وشرفها...
فكان هذا الاتجاه العارم الذي اندفع نحوه الإسلام... في المرحلة
الأخيرة من الستينيات أو مرحلة ما بعد حزيران، برز العالم الإسلامي ككيان متحد
وارتفع شعار التضامن الإسلامي كأمل وعقيدة، وشهدت المنطقة مؤتمرات عديدة لا تزال
تعقد حتى كتابة هذه السطور، يتلاقى فيها المسلمون الأفارقة والعرب والآسيويون
والأوروبيون ليبحثوا عن هويتهم في عصر معقد، وليؤكدوا وجودهم في عالم جديد مليء
بالمفاجآت ومحتدم بالصراع، وشهد هذا العصر صحوة الأقليات المسلمة في كل مكان...
فانتظمت الجاليات في كل مكان وبدأت تتحد دفاعًا عن وجودها وتعتني بالحفاظ على
ثقافتها ومستقبل أجيالها؛ وأخذت تجتاز الحدود إلى لقاء إخوتها في العالم الإسلامي
الكبير؛ وتقيم المساجد والمؤسسات الثقافية، وتهتم بتطوير مجتمعها ليؤدي رسالته في
المحيط الذي يعيش فيه.
وفي البلاد التي واجهت فيها هذه الأقليات عدوًا شرسًا يعمل على
إبادتها واستئصالها... لم تجد بدًا من حمل السلاح وإعلان الجهاد، وكذلك كان الأمر
في الفلبين وتايلاند وإريتريا وتشاد وفلسطين.
وفي هذه المرحلة أصبح الحكم الإسلامي وإسلامية الدستور قضية مطروحة
بعد أن كانت أبعد من أن تناقش...
وفي هذه المرحلة سجل التاريخ انحدار الفكر الشيوعي أمام المقاومة
الإسلامية فكرًا وتطبيقًا...
وفي هذه الفترة غزا الدين الإسلامي قلب الحضارة الغربية، أمريكا
وأوروبا، مؤكدًا أن الإسلام هو دين الفطرة، وأنه لا محالة قادم، وإن بدا غريبًا،
لأن الإنسان لا يمكن أن يقنع بدين صناعي مغاير لفطرته.
على أننا- ونحن نبارك هذه الصحوة وهذا الانتصار- يجدر بنا أن نشير إلى
أن غياب الحركة المنتجة والتنظيمات الحية قد أضاع الفرصة الطيبة التي أتاحتها
الأقدار بخلو الميدان من كل فكر سوى الفكر الإسلامي؛ وباحتراق الشعارات الرنانة
وسقوطها في واقع التجربة...
لقد حدث اندفاع عفوي ناحية الدين؛ ولكنه لم يجد القيادة التي تقوم
بمسؤولية توجيهه واستيعابه في إطارات العمل الجاد المثمر وقنوات الاتجاه المستقيم
على مبادئ الإسلام وطريق الدين الحنيف...
كما أن الإنتاج الفكري للحركة الإسلامية يعاني شحًا بيّنًا، ولم تخرج
الأعمال الفكرية الجديدة على كثرتها من تكرار الأفكار المألوفة التي طرحها كتاب
المرحلة الماضية...
إن المستقبل يشرق على الإنسان بوجه جديد، كما أن قضايا الإنسان
المعاصر أصبحت من التعقيد والتغيير بحيث تتطلب فهمًا جديدًا ومعالجة وفق أسلوب
جديد، وإذا كان الدواء دائمًا في عقيدة الإسلام، وأبدًا في مبادئه، فعلى الدعاة أن
يدخلوا في الثلث الأخير من القرن العشرين، ويتخاطبوا مع أجياله وقضاياه... فإنسان
القرن العشرين... إنسان جديد... له أمراضه وحالاته... ويحتاج منا إلى نظرة جديدة
وفحص جديد...
وبعد... فلم يكن هذا التقرير ليستقصي جميع الظواهر أو يقيم جميع
التجارب، ولكنها لفتة لا بد منها، وعلينا جميعًا أن نحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب...
(أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي
سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) صدق الله العظيم.