العنوان تقرير أمريكي: البرنامج النووي الباكستاني يتفوق على نظيره الهندي
الكاتب سمير شطارة
تاريخ النشر الثلاثاء 22-أغسطس-2000
مشاهدات 61
نشر في العدد 1414
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 22-أغسطس-2000
برع الباكستانيون في استخلاص اليورانيوم
المخصب أما الهنود فقد لجأوا إلى البلوتونيوم
اسلام آباد: سمير شطارة
بثت محطة أمريكية تقريراً تلفازياً مؤخراً بعنوان «برنامج باكستان النووي متفوق على البرنامج النووي الهندي»، ويحوي التقرير نقاطاً مثيرة وجديرة بالاهتمام، فقد أكدت محطة NBC الأمريكية خلال التقرير أن البرنامج النووي والأنظمة الصاروخية لدى باكستان تعتبران الأفضل والأحدث إذا ما قورنتا بالبرنامج النووي الهندي وبأنظمة الصواريخ لديها. وأشارت المحطة إلى تصريح أحد كبار موظفي وكالة الاستخبارات الأمريكية CIA تحفظت على ذكر اسمه بان باكستان تمتلك ما بين ٢٥ إلى ١٠٠ قنبلة نووية إضافة إلى طائرات «ميراج» وطائرات «إف - ١٦» قادرة على حمل رؤوس نووية وضرب أرجاء الهند كافة. وأكد الجنرال «زيني» قائد القوات الأمريكية في معرض حديثه عن قوة باكستان النووية «أنه من غير المعقول أن نفترض أن قدرات باكستان النووية أقل من القدرات النووية للهند».
وفي السياق نفسه أكد مُعدّ التقرير أن الهند تمتلك ما لا يقل عن خمس قنابل بلوتونية، غير أنها أخفقت حتى الآن في توظيفها على خير وجه لافتقارها للطائرات أو الصواريخ القادرة على حملها، وأشارت محطة NBC نقلاً عن خبيرين نوويين أمريكيين إلى أن الخبراء الأمريكيين في مجال الدفاع لديهم قناعة تامة بأن الهند تدرك تخلّف برنامجها النووي مقارنة بالبرنامج النووي الباكستاني.
وبغض النظر عمّا ادعته المحطة والإعلام الأمريكي حول التقنيات النووية والتفوق الباكستاني من حيث النوعية والكفاءة والتكنولوجيا على نظيره الهندي الذي تفوّق من حيث الكمّ والعدد، فثمة حاجة إلى تناول الموضوع بشكل حيادي مستدلين بأقوال الخبراء والمختصين في هذا الجانب، وبإيجاز سنلقي الضوء على منجزات باكستان والهند النووية والصاروخية، خاصة في ظل ظهور رأي يخالف موجة التحليلات السياسية، فعلى ما يبدو تريد أمريكا نفخ القوة العسكرية الباكستانية وتضخيمها تمهيداً لخوض عملية قد تؤدي إلى اجتثاثها وتقليص إمكاناتها العسكرية الآخذة في التصاعد، وهذه السياسة ليست جديدة فقد مورست في المنطقة العربية أكثر من مرة.
تقنيات باكستان النووية
تستخدم كل من الهند وباكستان تقنيات مختلفة في صناعة القنابل النووية، فباكستان تستخدم مادة اليورانيوم المخصب بدرجة (٢٣٥) كوقود نووي، بينما تستخدم الهند مادة البلوتونيوم (٢٣٩)، وبالمقارنة بين المادتين المستخدمتين فإن اليورانيوم يعتبر مادة أساسية لصناعة القنبلة النووية بينما البلوتونيوم مادة مصنعة يتم تحضيرها وتجهيزها من مادة اليورانيوم، ومعظم التجارب النووية في العالم يتم فيها استخدام إحدى المادتين اليورانيوم المخصب أو البلوتونيوم المصنع من اليورانيوم.
وقد استطاع البروفيسور عبد القدير خان -مؤسس المشروع النووي الباكستاني- تخصيب مادة اليورانيوم على الرغم من صعوبة عملية التخصيب وتعقيدها، وتعتمد عملية الانفجار النووي على مزج مادتين بصورة مفاجئة لتحدث بذلك حالة انفجار. ويذكر عبد القدير خان أن باكستان استطاعت بجهود فريقها المتخصص صناعة كميات مطلوبة من مادة اليورانيوم المخصب معتمدة على نفسها دون مساعدة أحد، وهذا يعني أنه في مقدور باكستان إنتاج المادة المخصبة لصناعة القنابل النووية حسب رغبتها.
وفي هذا الصدد نرى ضرورة تسليط الضوء على بعض التفاصيل المتعلقة بالوقود النووي بشكل عام والطرق المستخدمة لتحضيره في كلا البلدين: تحتوي مادة اليورانيوم «الخام» على عنصرين مهمين هما يورانيوم (٢٣٨) ويورانيوم (٢٣٥)، ويوجد العنصران بشكلهما الطبيعي لدى استخراجهما من المناجم داخل مادة «اليورانيوم»، وما يستخدم كوقود نووي يتمركز في عنصر (٢٣٥)، وفي العادة عندما تستخرج مادة اليورانيوم بشكلها الخام فإن عنصر (٢٣٥) يشكل منها نسبة ضئيلة جداً تقدر بـ ٠,٧٪ بينما تشكل مادة اليورانيوم (٢٣٨) نسبة ٩٩,٣٪، وبهذه النسب تكون مادة اليورانيوم غير مرشحة لصناعة القنبلة النووية. فلذلك يلجأ علماء الذرة في العادة إلى استخلاص عنصر (٢٣٥) من المادة الخام لتوظيفها في مشاريعهم وتخصيب مادة اليورانيوم.
تخصيب مادة اليورانيوم يعني إذن استخلاص عنصر (٢٣٥) من المادة الخام لاستخدامه كوقود في المفاعلات النووية أو فى صناعة القنابل النووية، ويؤكد العلماء أن النسبة الضرورية المطلوبة للمادة المخصبة (٢٣٥) من أجل توليد الطاقة النووية هي ٣٪، بينما تتراوح نسبة اليورانيوم المخصب ما بين ٩٠ - ١٠٠٪ لصناعة القنابل النووية.
ويتم تخصيب مادة اليورانيوم بعدة أساليب في معظمها مكلفة ومعقدة وصعبة للغاية. إلا أن باكستان لجأت إلى أسلوب متطور وحديث لتخصيب المادة عن طريق «الطرد المركزي العالي» «Ultra Centerfuge»، وتمتاز هذه الطريقة برخصها النسبي، وتستخدمها في الغالب الدول المتقدمة.
وتقوم عملية تخصيب اليورانيوم -في أبسط صورها- على تحويل مادة اليورانيوم إلى غاز عبر جهاز أعد لذلك، ثم تنقل إلى جهاز متطور «يسير على نظام الطرد المركزي» حيث يوضع الغاز المحمول من المادة، وعبر حركة دوران منظمة وسريعة يتم فصل العنصرين (٢٣٥) عن (٢٣٨)، ويتم تكرار هذه العملية للحصول على النسبة المطلوبة من اليورانيوم المخصب.
وتشير التقارير المهتمة بمجال الذرة والعلوم النووية إلى أن باكستان تستطيع الحصول على مائة كيلوجرام من اليورانيوم المخصب سنويًا، بينما أكدت تقارير صدرت عن مؤسسات أمريكية مهتمة أن باكستان لديها القدرة على إنتاج مادة اليورانيوم المخصب بمقدار ثلاثمائة كيلوجرام سنويًا، وذكرت التقارير الأمريكية أن كل (١٠٠) كيلوجرام من اليورانيوم المخصب كافية لصناعة ما بين ٢-٥ قنابل نووية، ومن هنا توصل التقرير إلى أن باكستان أنتجت من مادة اليورانيوم المخصب منذ عام ١٩٨٩م ما يكفي لصناعة ما بين ٢٥ – ١٠٠ رأس نووي، وبعد طرح القنابل النووية التي أجرت بها باكستان تجاربها عام ١٩٩٨م تبقى باكستان -حسب التقرير الأمريكي- متفوقة على الهند في امتلاك القنابل النووية.
تقنيات الهند النووية
إذا أخفقت دولة في تخصيب مادة اليورانيوم بنسبة ١٠٠٪ فإنها بالتالي لن تحصل على قنبلة نووية، وهو ما سيلجئها إلى طريقة أخرى وهي تخصيب اليورانيوم إلى نسبة ٣٪ فقط من أجل الحصول على قنبلة بلوتونيوم. وعلى الرغم من أنها مكلفة وأجهزتها التقنية أكثر بكثير من أجهزة الطريقة الأولى «تخصيب اليورانيوم ١٠٠٪» إلا أن الهند اكتسبت خبرة كبيرة في تخصيب اليورانيوم بنسبة ٣٪ لإنتاج القنابل البلوتونيومية، فقد استوردت تلك الخبرة من روسيا منذ إنشاء فكرة البرنامج النووي في الهند وحتى الآن -حسب التقرير الأمريكي- وتمر قنبلة البلوتونيوم في الهند بمراحل صناعية عدّة، أهمها ما يلي:
- تحضير الوقود النووي: تلجأ الهند إلى تخصيب اليورانيوم إلى نسبة ٣٪ باستخدام تقنيات غازية، وهذا يعنى أن ٩٧٪ من اليورانيوم سيكون عبارة عن عنصر (٢٣٨)، ويتم حفظ المادة المخصبة في مستودع خاص بعد تحويلها إلى قضبان مطلية بالزرنيخ، ويدعى المعمل الخاص الذي تتم فيه هذه العملية بمعمل تحضير الوقود النووي.
- مفاعل الماء الثقيل: يصل الوقود النووي بعد تجهيزه إلى مفاعل الماء الثقيل، وفي هذا المفاعل يتم توليد الطاقة باستخدام عملية معقدة أخرى تسمى «التفاعل المتسلسل المنتظم»، فأثناء هذا التفاعل تتعرض نواة اليورانيوم (٢٣٥) إلى الانشطار والانتشار، وتتحول خلال العملية كميات بسيطة من يورانيوم (٢٣٨) إلى عنصر جديد وهو بلوتونيوم (٢٣٩). غير أن هذه العملية المعقدة لا تنتج إلا نسبة ضئيلة جداً من العنصر الجديد ويلجأ العلماء إلى تكرار العملية مراراً حتى يحصلوا على الكمية المطلوبة، ولا تنته العملية عند هذا الحدّ بل لا بد من مزج المادة المستخرجة بماء من نوع خاص يطلق عليه اسم «الماء الثقيل» الذي يحتاج إلى نفقات كبيرة للحصول عليه، وبهذه الطريقة تحصل الهند على قنبلة البلوتونيوم.
- مصنع إعادة تحضير المواد النووية: ينصب عمل هذا المصنع على إعادة تكرير الفضلات النووية المتبقية من العمليات السابقة لجعلها قابلة للاستخدام مرة أخرى، فوفق عملية كيميائية معقدة يمكن الحصول من هذه الفضلات على مادة البلوتونيوم في مراحلها الأولى.
في أواخر عهد رئيس الوزراء الباكستاني الأسبق ذو الفقار علي بوتو أبرمت باكستان اتفاقية مع فرنسا لشراء أجهزة هذا المصنع، ولكن بعد تسلم الجنرال ضياء الحق زمام الأمور في باكستان ونتيجة للضغوط الأمريكية القوية تم نسخ العقد بين الطرفين، لتقوم فرنسا بعقد صفقة أخرى مع الهند تم على إثرها بيع أجهزة المصنع بالكامل وبأقساط مريحة للهند.
- مفاعل الإنتاج السريع للمواد النووية على الرغم من أن المصانع المذكورة سابقاً في الهند تعمل لتحقيق هدف أساسي وهو إنتاج أكبر كمية من مادة البلوتونيوم، إلا أنها في حقيقة الأمر غير كافية أو أنها تسير وفقاً لنظام بطيء. لذلك لجأ علماء الذرة في الهند إلى تأسيس «مفاعل للإنتاج السريع للمواد النووية» يهدف إلى استخلاص عنصر البلوتونيوم من مادة اليورانيوم (٢٣٨) عن طريق توليد الطاقة. وقد أسهم هذا المصنع -وفق ما ورد في التقرير الأمريكي- في توفير مادة البلوتونيوم بصورة كبيرة إلى جانب المصانع السابقة.
هذا الاستطراد كان ضرورياً لإثبات أن البرنامج النووي الهندي مُكلّف جداً ويسير وفق نظام معقد وصعب حسب التقرير الذي اشار إلى أن الهند تحصل من المادة السابقة على ما بين ١٢ – ١٥ كيلوجراماً من البلوتونيوم سنوياً، بينما تحصل على ما بين ٢٠ - ٢٥ كيلوجراماً من البلوتونيوم سنويًا من «مفاعل الإنتاج السريع للمواد». ويقول التقرير إذا افترضنا أن الهند تحصل على ١٥ كيلوجراماً من البلوتونيوم كل عام فإنها تكون قد حصلت على نحو ٣٩٠ كيلوجراماً منذ عام ١٩٧٤، ويطرح ما بين ٨٠. ١٠٠ كيلو استخدمتها الهند في تجاربها النووية الأخيرة في ١٩٩٨م تكون حصيلة الهند النووية محصورة في ٢٩٠ كيلوجراماً. ويعتقد الخبراء الأمريكيون أن بإمكان الهند تصنيع ما بين ١٠ -١٥ قنبلة بقوة ١٥ - ٢٠ كيلوطن، ووفقاً للخبراء الأمريكيين فإن الهند مازالت تحتاج إلى الكثير لتصل إلى كفاءة وحيوية البرنامج النووي الباكستاني.
تصميم القنبلة النووية
كشف الجنرال «أسلم بيك» رئيس أركان الجيش الباكستاني الأسبق في مقاله التحليلي «قنبلة باكستان النووية» أن باكستان كانت قادرة على إجراء اختبارات نووية ميدانية منذ عام ١٩٨٩م، وكان بمقدورها الرد على التجارب النووية الهندية المعلنة التي تمت في منتصف السبعينيات، إلا أنها ولهدف أبعد اكتفت بإجراء تجاربها في المعامل المخبرية. وأكد الجنرال أسلم أن باكستان طورت في عام ١٩٨٩م طائرات إف - ١٦ لتصبح قادرة على حمل رؤوس نووية وإصابة أي مكان في الهند.
وفي أعقاب التجارب النووية التي أجرتها باكستان في مايو ١٩٩٨م في إطار ردها على التجارب النووية الهندية؛ صرح البروفيسور عبد القدير خان -أبو القنبلة النووية الباكستانية كما يحلو للكثيرين أن يسموه- أن علماء الذرة الباكستانيين نجحوا في وضع تصاميم لقنابل نووية تمتاز بصغر حجمها وخفة وزنها وحملها ونقلها وقوة تأثيرها وتدميرها في الواقع، إضافة إلى أن باكستان حصلت على تقنيات متقدمة ومتطورة لإصابة الهدف بدقة متناهية. وأضاف البروفيسور خان أن صاروخ «شاهين» يعمل بواسطة وقود صلب ويعتبر من أفضل الصواريخ في العالم، كما أن صاروخ «غوري» يعمل بواسطة وقود سائل ويمتاز بدقة إصابته للهدف وأنه يحلّق على ارتفاع عال، وأشار البروفيسور إلى أن باكستان استطاعت تأسيس مصنعين لتحضير «الماء الثقيل» الذي يزود باكستان ما بين ٨ -١٠ كيلو جرامات من مادة البلوتونيوم ومادة التراتيوم.
أما صاروخ «برثفي» الهندي الذي يعمل بواسطة الوقود السائل فإن الهند تحاول الآن تطويره وتطويعه لحمل رؤوس نووية وإدخال تقنيات من شأنها إصابة الهدف بدقة.
يعتقد الخبراء العسكريون الأمريكيون والأوروبيون أن باكستان تمتلك أحدث المختبرات لإجراء التجارب النووية المخبرية، كما أنها ستستطيع خلال السنوات القليلة المقبلة إجراء تجارب على القنابل النووية الصغيرة جداً والتي يقل تأثيرها عن الكيلوطن، وستكون القنابل الصغيرة مرشحة للإطلاق من مدافع «١٥٥ ملم» وبواسطة الدبابات لتحقيق أهداف وتأثيرات محدودة.
حقيقة ما يريد التقرير الأمريكي المختص بشؤون الذرة والبرامج النووية أن يقوله باختصار هو أن باكستان لا تقل كفاءة وخبرة وتقنية عن نظيرتها الهند، بل إن برنامجها النووي أكثر تطوراً ودقة وتأثيراً على الواقع. نحن لا نريد أن نتعامل مع التقرير الأمريكي انطلاقاً من نظرة التآمر ولكن أسئلة كثيرة تتراكم عند قراءة التقرير والاطلاع عليه.
التقرير الأمريكي لا يخلو من المبالغة، ووصف واقع ليس بالواقع، وذكر أحوال غير مطابقة لمقتضى الحال.. صحيح أن البرنامج النووي الباكستاني ناله من التطوير والتقنية ما فاق البرنامج الهندي، غير أن البرنامج الهندي أقدم عمراً وأرسخ قدماً، كما تسانده آلة ضخمة من المعدات والترسانات الجوية والبرية والبحرية.. وهو ما يدعونا إلى التخوف من أن يكون هدف التقرير محاولة رسم صورة خيالية لتغوّل البرنامج النووي الباكستاني بغية إيجاد مسوغ مقبول لتركيز الضغوط على باكستان - دون الهند ومن باب أولى الكيان الصهيوني - لإيقاف برنامجها النووي وربما لتدمير البنية النووية التحتية والفوقية لباكستان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل